لقد كانت ولا زالت الانتفاضات الشعبية هي المد الجارف الذي يخشاه أي احتلال لأي بلد، وتخشاه الأنظمة المغتصبة للسلطة، وفي كل بلد كانت تحصل فيه انتفاضة شعبية كانت تعمل تلك الثورات على بعثرة أوراق السلطة الحاكمة أو المحتلة وتبديل أولوياتها وهز صورتها أمام المجتمع الدولي إن لم يؤدِ ذلك إلى انهيارها.
وعلى الرغم من أن معظم الانتفاضات والثورات الشعبية كانت متوقعة الحدوث، ولكن لم يكن معلوماً لدى المعنيين توقيت حدوثها، لأنها كانت تنبعث نتاج مجموعة كبيرة ومتراكمة من الأحداث والمشاعر تجاه قضية ما، وفجأة نراها تحدث وبدون سابق إنذار محدد، وهو ما يدفعنا للإعتقاد بأن إشعال الانتفاضات والثورات الشعبية ليس له قانون واضح.
على الصعيد الفلسطيني كانت الانتفاضة الأولى في ديسمبر من العام 1987، نتاج مجموعة من الانتهاكات التي كان يقوم بها الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة، لكن أحداً لم يكن يعلم أن قيام مستوطن صهيوني بدهس عمال فلسطينية على حاجز “إيرز” الإسرائيلي شمالي قطاع غزة من الممكن أن تشعل انتفاضة اهتز لها العالم، وأسست لمفهوم جديد في الأبجديات الفلسطينية، حيث عملت على نقل مركز قيادة وفِعل المقاومة من الساحات العربية الخارجية إلى الداخل الفلسطيني، وبالتالي لم يعد أحداً يتحكم في الخيار الفلسطيني المقاوم غير الفلسطيني، وعلى الرغم من أن مشروع التسوية التي قادته منظمة التحرير الفلسطينية والذي هدف إلى إجهاض الانتفاضة أو قطف ثمارها قبل أن تنضج –كما يحلو للبعض أن يحسن الصورة- فإن هذه الانتفاضة هي التي أوجدت البيئة الخصبة لإنشاء أجنحة المقاومة الفلسطينية كـ (كتائب القسام، وصقور فتح و الفهد الأسود-فتح، ولواء قسم –جهاد إسلامي…) وغيرها من أجنحة المقاومة الفلسطينية.
وبالإضافة إلى ذلك فإن من أهم الأشياء التي أسست لها هذه الانتفاضة الشعبية، أن وضعت في الوعي الفلسطيني والإسرائيلي أن الدم الفلسطيني حين يُسفك فهو دم غالي وعزيز – للأسف انتفى هذا عن غزة وبقي لدى الضفة نظراً لاعتبارات جولات التصعيد الدائمة مع غزة – وهو ما جعل العدو يفهم أن معادلة الدم تأتي بمزيد من الدماء لدى الطرفين.
وأسست لمفهوم آخر، أنه إذا انتكس مشروع المقاومة في ساحة ما كما حصل مع المقاومة التي كانت تنطلق من دول الجوار، فإن ميدان المقاومة الفعلي هو الأرض المحتلة، ولعل معظم أحداث الانتفاضة انحصرت في الأراضي المحتلة عام 1967.
انتهت الانتفاضة الأولى -باتفاق غزة أريحا أولاً – كفعل شعبي على الأرض لكنها بقيت راسخة في الوعي الفلسطيني، وأحدثت كيَّاً للوعي الإسرائيلي، ولما فشلت قمة كامب ديفيد 2000 والتي جمعت باراك وعرفات وكلينتون، وجد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أن مشروع التسوية قد سُد وكان يرغب كعادته في الدفع بالفعل الشعبي على الأرض لفتح أفق في المشروع السياسي، فكان اقتحام المأفون شارون للمسجد الأقصى في سبتمبر 2000، فاندفع الشارع الفلسطيني كله باتجاه هبة جماهيرية نصرة للمسجد الأقصى المبارك لكن أحداً لم يكن يتوقع أن تمتد هذه الهبة لتصبح انتفاضة جارفة، ولو كان التقدير كذلك لما سمح رئيس وزراء الاحتلال آنذاك “إيهود باراك” لشارون باقتحام الأقصى، ولما تأخرت بعض فصائل المقاومة عن الإعلان عن عملياتها خشية من عودة الأمور لما كانت عليها فينقض عليها الاحتلال والأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية.
علماً بأن دوافع الهبة الفلسطينية لم تكن بسبب انسداد الأفق السياسي أمام الفلسطينيين بالمفهوم الحصري، وإنما بممارسات الاحتلال وأجهزة السلطة على أرض الواقع، حين رأينا أن الاحتلال يزداد تهويداً لشرقي القدس وللضفة الغربية حيث كانت فترة أوسلو من أكثر فترات التغول الاستيطاني في الضفة الغربية وترسيخ الاستيطان في غزة، وهي الفترة التي عوقب فيها الشعب الفلسطيني عقابات جماعية متعددة، بمنع العمال من العمل جراء العمليات الاستشهادية، حيث كان حرمان العمال من العمل أكبر عقاب جماعي يتعرض له الشعب منذ سنوات طويلة.
وكان لهذه الانتفاضة التي عرفت باسم انتفاضة الأقصى كبير الأثر في الوعي الجمعي الفلسطيني وكذلك الإسرائيلي والدولي، فلقد نقلت المعركة بشكل غير مسبوق إلى عمق المدن المحتلة عام 1948، فرأينا العمليات الاستشهادية في حيفا ويافا وبيسان وصفد وبئر السبع والقدس ونتانيا والخضيرة والعفولة وتل أبيب، وديمونا وغيرها من المدن الفلسطينية، وهو ما رسخ لمفهوم أنه لا مكان آمن للاحتلال حتى وإن أمن على نفسه لأوقات محددة.
كما أنها رسخت أن المساس بأحد المقدسات الفلسطينية يعني الخروج في وجه العدو الصهيوني، والمقدس عند الفلسطينيين كثير، حيث أن الأرض مقدسة والقدس مقدسة، والأسرى كقضية لها صفة التقديس.
وأظهرت أن القبضة الأمنية والتعاون الأمني بين السلطة والعدو ليس إلا مجرد ضغط عابر يعقبه انفجار كبير، ولكن هذا الانفجار شريفاً، حيث أنه لم يعاقب ابن الشعب الذي تعاون مع الاحتلال عقاباً شخصياً أو جسدياً بل عاقبه سياسياً بتنحية خياره السياسي جانباً واختيار خيار المقاومة، وبالتالي رأينا هزيمة فصائل منظمة التحرير في الانتخابات البلدية والتشريعية التي أعقبت انتفاضة الأقصى.
كما أظهرت أن عمليات الاستيطان المستمرة في الضفة الغربية والقدس وسياسة العقاب الجماعي بالحرمان من العمل والتضييق الاقتصادي لا تركع الشعب الفلسطيني وإنما تستنفر قواه الكامنة، وأكدت من جديد أن للشعب الفلسطيني حق استخدام خيار المقاومة –الشعبية والمسلحة- إذا ما أصيب الأفق السياسي بالزكام.
المطالعة للواقع المُعاش ومحاولة قراءة أسباب اشتعال الانتفاضتين السابقتين والمفاهيم التي رسختها هاتان الانتفاضتان، نرى أننا على أبواب انتفاضة ثالثة لا محالة، ولن يقف أحد في وجهها.
فالقدس تهود، والأرض الفلسطينية في الضفة الغربية تصادر، والأفق السياسي مغلق، والوضع الاقتصادي متردي، وسياسة العقاب الجماعي تزداد، و…. أمور كثيرة تنبئك بذلك.
ونرى أن الدول الفاعلة في النظام الدولي خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط تخشى من ذلك، لكن أكثر المرتعدين من هذه الانتفاضة هما إسرائيل والسلطة الفلسطينية، حيث أن السلطة ترى أن أية انتفاضة جديدة يعني دفن خيار التسوية، وانهيار آخر ما تبقى لها من معالم السلطة في الضفة الغربية، وذهاب ذلك في اعتقادها سيكون بلا رجعة، لذا فهي تقاوم ذلك على الأرض بالاعتقال الممنهج والتعذيب الجسدي العنيف، وغير ذلك من أساليب تَتَّبُعها.
أما “إسرائيل” فإنها أكثر من اكتوى بنار هذه الانتفاضات وعليه فإنها ترى أن الانتفاضة الثالثة قادمة لا محالة، ولأنه لا يوجد قانون لهذه الانتفاضات فإنها تحاول الاستفادة من الانتفاضتين السابقتين، وتحاول كل يوم أن تقرأ في أسبابهما وتحاول في هذه الأيام منع تكراراها، ونجد أن خلاصة تجربتها كانت في قرار تعيين قائدٍ للمنطقة الوسطى قبل فترة ليست بالطويلة يُدعى “نتسان ألون”، ونجد أن تصرفات هذا الجنرال تعبر عن التخوفات الشديدة للقيادة السياسية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية.
فنجد من تصرفات نتسان ألون أنه يعطي الأوامر لجنوده بعدم إطلاق النار على الفلسطينيين إلا في ساعات الخطر الشديد، خشية من سفك دمٍ فلسطيني يؤدي بالضرورة من وجهة نظره إما إلى انتفاضة ثالثة أو يراكم لهذه الانتفاضة، لذا رأينا في الفترة الأخيرة بعض الصور التي نرى فيها جرأة غير مسبوقة للمتظاهرين الفلسطينيين وهم يلاحقون جنود الاحتلال بدلاً من العكس، ونرى مجموعة فلسطينية تأخذ سلاح جندي إسرائيلي عند أحد حواجز القدس وغير ذلك من الأمور، ما أثار حفيظة بعض الساسة الإسرائيليين الذين طالبوا بتغيير قواعد الاشتباك مع الفلسطينيين وإعطاء أوامر للجنود بإطلاق النار وهو ما رفضه “نتسان ألون” خشية على مستقبل “إسرائيل”.
كما أن الجنرال الجديد يحاول الحد بشكل كبير من تصرفات المستوطنين التي يقومون بها تحت مسمى “تدفيع الثمن” للفلسطينيين، وذلك خشية من خروج الأمور عن المألوف.
وتجد أنه يشرف على المفاوضات مع الأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام والذين هم من سكان الضفة الغربية، وكان آخر هذه المفاوضات مفاوضاته مع الأسير أيمن الشراونة، واتخاذه قراراً شخصياً بترحيله على غزة، وحين انُتقد في ذلك قال بأنني حين اتخذت قرار ترحيل الشراونة عملت على تفكيك ألغام كثيرة، وكان يقصد بذلك خشيته من وصول الشراونة لحالة الاستشهاد ما يُساهم في إشعال الضفة الغربية.
كما أن المؤسسة العسكرية التي يمثلها “الون” والشاباك الإسرائيلي ضغطا على الحكومة الإسرائيلية لتحويل الأموال إلى السلطة الفلسطينية بعد استشهاد الأسير عرفات جرادات في نهاية شهر شباط/فبراير الماضي وذلك خشية من انفلات الأمور من عقالها لأسباب وطنية لدى الفلسطينيين وأسباب اقتصادية، ما دفع الحكومة وقتها لتحويل جميع مستحقات السلطة الفلسطينية المتراكمة منذ عدة أشهر خشية من تصاعد الموقف.
ما سبق من إجراءات يقوم بها الاحتلال هي لا تنسجم مع نهجه وسيكولوجيته التي تعيش مع سفك الدم، والتخريب والاستيطان التعسفي، إلا أنه يحاول جاهداً الاستفادة من دروس الانتفاضتين السابقتين سعياً لتأخير حدوث انتفاضة ثالثة، إلا أن تشكيل الحكومة الجديدة الثالثة والثلاثين والتي تعبر عن النزعة اليمينية للمجتمع الإسرائيلي، والتي سيساهم وزراؤها في استمرار انغلاق الأفق السياسي أمام عملية التسوية وتشديد الحصار على غزة، والاستمرار في تهويد القدس والضفة الغربية عبر سلسلة من القرارات الاستيطانية والإجراءات التعسفية بحق الأسرى الفلسطينيين، والتنسيق الأمني الواضح والفج بين السلطة والشاباك الإسرائيلي … كل ذلك لن يستطيع أن يقف أمامه الجنرال “نتسان ألون” وسيؤدي بالضرورة لإحداث انتفاضة ثالثة وسيكون لأول مرة وبشكل واضح أحد العوامل الأساسية المكونة لقانونها أو المؤدية إلى انبعاثها قضية الاسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، بالإضافة إلى الشعور المتزايد بالغبن جراء التنسيق الأمني والوضع الاقتصادي المتردي، أضف إلى ذلك المناخ الذي أفرزته ثورات الربيع العربي التي كان إلى حد قريب يُعتبر الشعب الفلسطيني هو المعلم والملهم لشعوبها.
عكا أون لاين/ أسرة التحرير.
