صادفت 15 آذار (مارس) الذكرى السنوية لاغتيال يوليوس قيصر. وفي ذلك التاريخ -بعد 2057 عاماً من مقتل قيصر- أوردت المنافذ الإعلامية الغربية أن الرئيس باراك أوباما غرس خنجره الخاص أيضاً.
ففي مقابلة بثت على القناة الثانية من التلفزيون الإسرائيلي، عشية أول زيارة رئاسية يقوم بها لذلك البلد، قال أوباما فيما يتعلق بجهوده لثني إيران عن تجاوز العتبة النووية، أنه استمر في الإبقاء على كل الخيارات مطروحة على الطاولة…. ان الولايات المتحدة تتوافر كما هو واضح على قدرات كبيرة”. وكانت تلك الكلمات “كل الخيارات” هي نفس الكلمات التي استخدمها بشكل متكرر كل من أوباما وسلفه، جورج دبليو بوش، أيضاً.
بطبيعة الحال، يبقى الخيار الأكثر رعباً من بين تلك القدرات الأميركية هو الخيار النووي. ولم يكن أحد يتحدث كثيراً عن هذا الموضوع مؤخراً (على افتراض أن أوباما وبوش كانا يشيران إلى ترسانة الأسلحة التقليدية الأميركية التي تظل مخيفة). لكنك إذا كنت تعتقد بأن ضربة نووية أميركية أولى على إيران ليست واحاً من تلك “الخيارات المطروحة على الطاولة”، فلا بد أنك لم تكن تستمع بانتباه.
قبل نصف قرن تقريباً، عندما كانت معاهدة عدم الانتشار النووي قيد التفاوض، طلبت الدول غير النووية طلباً بسيطاً. في مقابل وعدها بالبقاء غير نووية، طلبت من الدول النووية، ليس العمل على وقف اتجاه تسلح نووي عالمي فقط، وإنما التعهد أيضاً بعدم تهديدها بالأسلحة النووية أبداً أو بمهاجمتها بها.
وقال وزير الدفاع الأميركي الراحل روبرت مكنمارا والسفير الأميركي ثوماس غراهام في حينه أن هذا الطلب “يمكن أن يكون الطلب الأكثر عقلانية في تاريخ العلاقات الدولية.” لكن الدول النووية رفضت ذلك، وأصرت على أن هذا التعهد سيحدد بدرجة لا يمكن التسامح معها “مرونتها العسكرية.”
ثم طفا الموضوع على السطح مرة أخرى بعد 25 عاماً، قبل قليل من مؤتمر مراجعة معاهدة عدم الانتشار النووي في العام 1995. وتحت ضغط مكثف مارسته الدول العديدة غير النووية وقولها أنها تفكر في الانسحاب من المعاهدة، أصدرت فرنسا وبريطانيا وروسيا والولايات المتحدة “ضمانات أمنية متناغمة” وأعلنت أنها لن تستخدم ولن تهدد باستخدام الأسلحة النووية ضد الدول غير النووية. (واشتملت تلك الضمانات على توضيح يتعلق بالرد النووي ضد الدول غير النووية ومساعدة وتحريض أي نوع من الهجمات التي تشنها دولة نووية.)
ويوم 11 نيسان (ابريل) من العام 1995 قاموا بدمج هذا التعهد في قرار مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة رقم 984. وفي الوثيقة الختامية التي تبناها مؤتمر المراجعة بعد أسابيع قليلة، أشار الموقعون إلى أنهم يأملون بأن يأخذ التعهد يوماً ما “شكل آلية دولية ملزمة قانونياً.”
وبالتأكيد، لم تكن تلك العملية المؤلمة بكل تلك الجودة كما لو ان هذا التعهد الواضح قد اتخذ طريقه إلى النص الأصلي لمعاهدة عدم الانتشار النووي نفسها (أو أنه أضيف لاحقاً كملحق). وبالرغم من ذلك، يوافق معظم الخبراء القانونيين الدوليين راهناً على أن التعهد بعدم التهديد ولا بشن هجوم نووي ضد دول غير نووية قد أصبح جزءاً لا يتجزأ من صفقة معاهدة عدم الانتشار النووي.
تحذير بوش
عد إلى الخلف عقداً واحداً فقط، وستجد أن إدارة جورج دبليو بوش قد أقدمت، متجاهلة تماماً اتفاقيات العام 1995، على إصدار وثائق سياسة نووية رسمية، تستشرف بصراحة مهاجمة دول غير نووية بأسلحة نووية. حتى أن تلك الوثائق ذكرت أسماء سبع دول معينة غير نووية كأهداف محتملة لهجوم نووي أميركي.
وبالإضافة إلى ذلك، كشفت صحيفة الواشنطن بوست وسيمور هيرش في النيويوركر في العام 2006 عن أن الإدارة كانت تدرس حينذاك احتمال توجيه ضربة نووية أولى لإيران. وعندما وجه مراسل صحفي سؤالاً مباشراً إلى الرئيس بوش خلال مؤتمر صحفي متلفز في البيت الأبيض عما إذا كان ذلك صحيحاً، أجاب بالقول: “كل الخيارات مطروحة على الطاولة.”
وبعد شهور قليلة وحسب من اعتلائه سدة الرئاسة، وفي براغ يوم 5 نيسان (أبريل) من العام 2009، سرق الرئيس أوباما اهتمام الجميع عندما أعلن أمام جمهور مفتون: “إنني أعلن بوضوح وإيمان التزام أميركا بالسعي للسلام والأمن في عالم خالٍ من الأسلحة النووية.”
وحتى بالرغم من تلاشي بعض ذلك الحماس عندما أضاف أن هدف الإزالة “لن يتم الوصول إليه بسرعة –ربما ليس في حياتي،” فقد كان ذلك رغم كل شيء ووفق كل الحسابات عنصراً كبيراً في قرار اللجنة النرويجية منح الرئيس جائزة نوبل للسلام في العام 2009.
ولنعد إلى الأمام ثانية، وإنما عاماً آخر هذه المرة. فخلال مؤتمر صحفي عقد في البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) يوم 6 نيسان (ابريل) من العام 2010، وبينما يتحدث عن مراجعة إدارة أوباما الجديدة “الموقف النووي”، قال وزير الدفاع في حينه روبرت غيتس أن الوثيقة تعهدت الآن -على عكس الوضع إدارة بوش- بعدم شن هجمات نووية ضد دول غير نووية.
حتى الآن كانت الأمور تسير على نحو حسن، حتى ألمح غيتس إلى أن الدول “التي لا تتقيد بمعاهدة عدم الانتشار النووي” قد أدرجت في فئة مختلفة كلية، وأنها غير مستثناة من هجوم نووي أميركي. كان ذلك مبدأ جديداً كلية لم يجر تأمله من قبل أبداً على أي نحو في مفاوضات معاهدة عدم الانتشار النووي.
عندئذ، وكمعيار، سمى غيت دولتين بشكل خاص —كوريا الشمالية وإيران. وقال غيتس لهذين البلدين: “هناك رسالة.. إذا كنتم تريدون أن تلتزموا بالقوانين، وإذا كنتم ستنضمون إلى المجموعة الدولية، فإننا نتعهد بالتزامات معينة تجاهكم. لكنكم إذا كنتم لا تريدون التقيد بالقوانين وإذا أردتم أن تكونوا ناشرين (للأسلحة النووية)، فعندها ستطرح كل الخيارات على الطاولة فيما يتعلق بالكيفية التي نتعامل بها معكم.”
ما الذي يخشاه الإيرانيون
لطالما تكرر قول عبارة “كل الخيارات مطروحة على الطاولة” من جانب القادة الغربيين حتى أصبحت العبارة دارجة في الإعلام الغربي إلى درجة لم يعد أحد يعيرها معها الانتباه على الإطلاق. لكن الحال ليس كذلك مع القادة الإيرانيين. فبعد قليل من المؤتمر الصحفي في البنتاغون في العام 2010، قال الزعيم الديني الإيراني الأعلى آية الله على خامنئي لكبار القادة العسكريين الإيرانيين أن هذه التهديدات المباشرة لشن هجمات بالأسلحة النووية ضد إيران “غريبة جداً ويجب على العالم أن لا يتجاهلها….. لقد هدد رئيس بلد بشن هجوم نووي… في الأعوام الأخيرة، بذل الأميركيون العديد من الجهود لإظهار أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية غير موثوقة في الموضوع النووي. وأصبح من الواضح الآن أن الحكومات التي تمتلك قنابل ذرية وتهدد بلا خجل بقصف دول أخرى بها، هي الدول غير الموثوقة.”
ومن جهته ، شدد رئيس البرلمان في إيران، علي لاريجاني، على أن أي تهديد نووي ضد إيران سينتهك بشكل مباشر اتفاقيات معاهدة عدم الانتشار النووي. كما رمى الرئيس الإيراني، أحمدي محمود نجاد، بثقله أيضاً معلناً: “آمل أن تكون هذه التعليقات المنشورة غير صحيحة. لقد هددت بأسلحة نووية وكيميائية تلك الدول التي لا تخنع لأطماع الولايات المتحدة… حتى بوش لم يقل ما يقوله أوباما.”
وبالمثل، وبعد تصريح الرئيس أوباما للتلفزيون الإسرائيلي مؤخراً، قال قائد الحرس الجمهوري الثوري الإيراني البريغادير جنرال مسعود جزايري: “سيد أوباما، لا ترتكب خطأ. نحن أيضاً لدينا كل الخيارات مطروحة على الطاولة.” وهو ما لا يبدو وأنه يشير إلى أن استخدام العبارة يفعل أي شيء نزع فتيل الوضع.
من الصعب التخيل، بما أن الرئيس أوباما استخدم نفس العبارة مؤخراً حول الموضوع، أنه لا يعني في الحقيقة نفس المعنى بالضبط. كما أن من الصعب الهروب من المفارقة المتراكمة – حتى لو من باب الاحتمالية الافتراضية- في أن بلداً ما قد يوظف الأسلحة النووية ليظهر أن من غير المقبول لبلد آخر أن يتملك أسلحة نووية.
ومن الصعب أخيراً افتراض أن نفاقاً نووياً بهذه المقادير المتعاظمة يمكن أن يفضي إلى أي شيء سوى تصميم إيران المستمر ومعها العديد من الأمم الأخرى التي لا تتوافر على أسلحة نووية، ولعقود مقبلة، على الانضمام إلى النادي النووي.
ولك أن تتخيل المحصلات الإيجابية التي قد تظهر في جبهات متعددة لو أعلن الرئيس إعلانا بديلاً يقول شيئا بدلا عن ذلك من قبيل: “أعلن اليوم أن الوقت قد حان لسحب خيار من على الطاولة. الخيار النووي. ليس ثمة ظروف تقوم بموجبها الولايات المتحدة بشن هجوم على إيران المسلحة بأسلحة غير نووية بأسلحة نووية. “في الحقيقة،لا أستطيع تخيل حالة يكون من اللائق فيها لأي أمة دولة مسلحة نووياً أن تشن هجوماً نووياً على أي دولة لا تمتلك أسلحة نووية. لقد أصبح التعهد بعدم القيام بذلك جزءاً أساسياً من مفاوضات معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وعليه، ومثلما نتوقع من إيران الوفاء بالتزاماتها في معاهدة عدم الانتشار النووي، فإننا نعلن اليوم بأننا سنفي بالتزامنا في معاهدة عدم الانتشار النووي من جهتنا”.
“إن كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل على حد سواء، قادرتان تماماً على حماية أمننا القومي بقواتنا التقليدية وحسب. إن الهدف النهائي لحيازة الأسلحة النووية هو ردع استخدام الأسلحة النووية من جانب الآخرين. وكما ألمحت في براغ قبل أربعة أعوام، فإننا نأمل يوما ما بمحو ذلك الهدف من خلال إزالة كل سلاح نووي من على وجه الأرض –حتى نوفي بذلك بالتزام آخر من الالتزامات التي تعهدنا بها بموجب معاهدة عدم الانتشار النووي قبل عدة عقود.”
“يجب أن تعلم إيران أنه حتى تعمد إلى رفض الإغواءات الزائفة بالأمن النووي، فإن كل الخيارات بالنسبة لنا يجب أن تظل مطروحة على الطاولة، باستثناء خيار واحد. لكنه يجب تطمين الإيرانيين أيضاً إلى أننا لا نتوقع منهم تحمل وجود معيار نووي مزدوج حتى نهاية الزمن. إننا ندعوهم للانضمام لنا، الآن، على الطريق نحو الإزالة.”
يستطيع مثل هذا التصريح تحويل نقاش السياسة النووية بين عشية وضحاها. ومن شأنه أن ينزع الشرعية، بضربة واحدة، عن “عقائد الانتشار” التي تجسدها كل واحدة من الدول المسلحة نووياً. كما أن من شأنها أن تعبر عن مبدأ أميركي راسخ مؤداه أن الأسلحة النووية التي نشرناها ستبقى فقط من أجل منع استخدام الأسلحة النووية ضدنا -وستضع ضغطاً هائلاً على الدول النووية الأخرى لإعلان الشيء نفسه.
يمكن أن تكون الطريق طويلة جداً نحو إقناع إيران، وكوريا الشمالية -وربما آخرين- بالتخلي عن النهج النووي. بلا انها ربما تشكل بداية انطلاق كبيرة للشروع في مشروع النزع المجمد منذ وقت طويل والانتقال بالمجموعة الدولية تالياً إلى البدء في دراسة ومناقشة معاهدة عالمية قابلة للتحقق وللتنفيذ للقضاء على الأسلحة النووية، والذهاب بنا إلى عالم خالٍ من السلاح النووي.
من يدري؟ ربما حتى في حياة باراك أوباما.
(ميدل إيست أونلاين) -ترجمة: عبد الرحمن الحسيني- الغد الاردنية
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
Taking an Iran Option Off the Table
