الرئيسية زوايا ثقافة وادب وزير إعلام الحرب” لنبيل عمرو .. سردية كفر عرب ونكسة حزيران!

وزير إعلام الحرب” لنبيل عمرو .. سردية كفر عرب ونكسة حزيران!


الايام -بديعة زيدان:وزير إعلام الحرب”، هو عنوان رواية نبيل عمرو، الصادرة عن دار الشروق للنشر والتوزيع، حديثاً، وهي رواية تتناول حرب حزيران وتداعياتها في قرية “كفر عرب” الفلسطينية المتخيلة، وإن كانت تحاكي الواقع، فترسم صورة اجتماعية سياسية، بشخصيات منها ما هو حقيقي بالفعل ومنها ما هو متخيل أو يحاكي شخصيات واقعية، في قالب ذكي ممتع، يميزه قليل من الكوميديا وكثير من الألم، بل إن الكاتب يدمج فيها ما بين القصّ ورسم “البورتريه” بالكلمات على شكل سيرة ذاتية أو (CV)، كما سماها، في رواية توثيقية، حملت عمق المعاني، ما بين أوهام الانتصار الذي كان يخاله الفلسطيني حتمياً، ومآلات “النكسة” والانتكاس.
عبد الشقي، أو “وزير إعلام الحرب”، هو الشخصية المحورية في الرواية، وإن كان هناك من يقاسمه “البطولة”، وهو عتّال في “كفر عرب”، ولكنه في ذات الوقت كان “منادياً” لكونه يتمتع بصوت جهوري “مع قدرة على تأليف المترادفات والأهازيج”.
“كان وهو ينادي، يؤلف ويلحن، ولا يعدم من يردد وراءه، فأبناء كفر عرب يعاونونه في هذه المهنة. كان يشعر بسعادة ما بعدها سعادة حين يسمع الزغاريد من دار الذي نادى له ووجد ما ضاع منه، وكان ذلك يحدث كثيراً، بفعل تعاون أهل كفر عرب معه، واستحسانهم لنداءاته، ويقينهم بأن الشهامة والأمانة شرف يتسابق الخلق على الظفر به”.
وكان مردّ لقبه هذا أن محمود ومساعده يوسف من ضابط مخفر الشرطة، أوكلا إليه مهمة إبلاغ سكان “كفر عرب” بأن الحرب على الأبواب، وما رافق ذلك من تعليمات، بعد أن خضع إلى تدريب مستعجل.
“القائد يريد منك إبلاغ كل أهل كفر عرب، الصغير قبل الكبير، بأوامر الحكومة المكتوبة في هذه الورقة، وأنت هنا كي أحفظك إياها، كلها أسطر قليلة وسهلة، انتبه واعرف أن عمل الحكومة ليس بالمجان، فلك بريزة صحيحة .. البريزة ستكون حال إطباق يد عبد الشقي عليها، أعلى أجر تقاضاه دفعة واحدة طيلة امتهانه العتالة، أي على مدار أكثر من خمسة عقود”.
كان يشعر أهالي القرية بحتمية الانتصار، فاستقبلوا أنباء الحرب بنوع من الفرح، حتى إن أبا علوان، صاحب المقهى، تكفل بمصاريف مشاريب زبائنه على نفقته الخاصة تلك الليلة .. وأبو علوان هذا “يقدّس” الزعيم المصري جمال عبد الناصر، بينما كان صوت أحمد سعيد المذيع المصري الشهير يصدح من المذياع ليؤكد لهم حتمية الانتصار التي كانوا يعيشونها بالأساس، لكن الشكوك بدأت تتسلل إلى نفوسهم مع تأخير الإعلان عن تحرير الأراضي الفلسطينية، أو وصول الجيش المصري والجيوش العربية الأخرى إلى تخوم تل أبيب.
“أبو علوان صاحب المقهى، بدأ يعاني من قلق أصابه بعد أن قام بحسبة بسيطة بينه وبين نفسه. كل طائرات إسرائيل سقطت، وكل دبّاباتها دمرت، ومعظم جنودها قتلوا أو جرحوا، فما الذي أعاق الجيوش من الوصول إلى تل أبيب؟”.
واللافت في الرواية، هو الحديث عن الشخصيات تحت بند (CV)، ومن هذه الشخصيات: عبد الشقي، وأبو علوان، والشيخ جابر، ونعيم الحلاق، وغيرهم، فلكل منهم حكايته على المستويين الشخصي، والجمعي، وحتى على المستوى الوطني، فهناك المناضل، وهناك الشهيد وأم الشهيد، وهناك، وهناك، وجميعهم كان لهم حضورهم في المقاومة بشكل أو بآخر، باستثناء “الشيخ سليمان” الذي كان يتعاون مع أي سلطة تحكم البلاد، كما أنه لم يغفل الحديث عن تيارات سياسية ودورها في الحرب كالشيوعيين، والإخوان المسلمين، وغيرهم.
كان إعلان “وزير إعلام الحرب”، العتّال المنادي، بمثابة صافرة إنذار دفعت الكثيرين للتسلح بمبادرة من مخفر الشرطة، فمرحلة ما قبل الحرب وبينما كانت تدور رحاها شغلت قرابة ثلثي الرواية .. ولكنها كانت الهزيمة، أو ما اصطلح على تسميته “النكسة”، فاتجه الروائي إلى رصد الجراحات ولملمة المصائر ما بعد احتلال العام 1967.
كانت الانعطافة الأولى بأن قامت قوات الاحتلال بالطلب من “وزير إعلام الحرب” بالمناداة لجمع الأسلحة من سكان “كفر عرب”، لكنه رفض، وكان فخوراً بنفسه جراء ذلك.
وراوحت صفحات الرواية الأخيرة ما بين وقائع حدثت على الأرض وما بين التحولات التي طالت شخوص الرواية، جراء “نكسة حزيران”، فأقيل أحمد سعيد، وألغيت الأغاني الثورية، وباتت “صوت العرب” تبث أغنيات عاطفية لعبد الحليم حافظ، وأم كلثوم التي قررت إحياء حفلات لدعم المجهود الحربي “نصحت بالابتعاد عن تذكير الناس بالسلاح والحرب والنصر”، فيما توفي عبد الشقي إثر مرض رافق الهزيمة، فيما أبناؤه خميس وجمعة باتا عاملين في المستوطنات الإسرائيلية، فرحل العديد من سكان كفر عرب إلى الضفة الشرقية، ومنهم يوسف مساعد رئيس المخفر، والحلاق نعيم الذي افتتح لنفسه صالوناً في مخيم “شنلر”، أما موسى أبو علوان فتوفي قبل عامين (2017) عن ثمانين عاماً، وظل قلبه ينبض بحب عبد الناصر، رغم ما تملكه من يأس وقت الهزيمة.
“ما أن استسلم للهزيمة وتشارك مع المواطنين الكرام في رفع الراية البيضاء على سطح المقهى إذعاناً للخوف من أن ينسف على ما فيه من ذكريات وأدوات لعب، وصورة الزعيم التي عادت إلى مخبئها، شعر براحة نفسية فجأة دون أن يعرف أنها راحة اليأس (…) بعد سنوات من العمل، نصب كمين لأبي علوان وابنه، وهرب الابن الأكبر باجس متخذاً من الجبال والكهوف مكاناً يتفادى فيه عيون الجواسيس ودوريات الجيش .. في صفقة أطلق سراح أبو علوان وأبعد عن الوطن، وفي إحدى المغاور المظلمة انفجر مخزن ذخيرة بين يديّ ابنه محولا الفتى إلى مزق من لحم، غير أن علي نجا بعد أن أصيب بجروح بالغة وقت اعتقاله .. كان أحد الجواسيس قد سلم المخزن للفتى بعد أن فخخه الجيش الإسرائيلي”.
قرّر نعيم الهروب من ماضيه، فيما واصل أبو علوان ملاحقة هذا الماضي، بل ويصنع منه حاضراً ومستقبلاً، حتى توفي على سريره .. بينما تنوعت مصائر من تبقى من أهالي كفر عرب، في وقت لم يعد فيه للعرب حيّز واضح في الأجزاء التي تُحتل واحداً تلو الآخر من فلسطين، ولا تزال، عبر رواية قال صاحبها عنها إنها استعادة لوقائع من ذاكرته بـ”تصرف”.

Exit mobile version