الرئيسية الاخبار نتنياهو خائف من مواجهة مع غزة لكنّه يُسرّعها برفضه إعادة الإعمار

نتنياهو خائف من مواجهة مع غزة لكنّه يُسرّعها برفضه إعادة الإعمار


بقلم: يوسي ملمان /رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ليس معنيا بالحرب. وللدقة، هو ليس معنيا بحرب تشارك فيها اسرائيل وتقع على حدودها. يمكن الافتراض بأنه كان سيكون راضيا جدا لو كانت الولايات المتحدة تهاجم (ولعلها ستهاجم وإن كان احتمال ذلك متدنياً جدا) ايران، بسبب برنامجها النووي، وبسبب تطوير الصواريخ، وبسبب دعمها لمنظمات الارهاب ودورها في هز استقرار الانظمة. ومع أنه لم يطلب هذا علناً أبداً، فإن هذا ما أمل به نتنياهو في الأعوام 2010 – 2015، في عهد ادارة اوباما الى أن وقع الاتفاق النووي، فأزال الخيار العسكري عن جدول الاعمال.
ولكن في كل ما يتعلق باسرائيل، فإن نتنياهو حذر جدا، وهو يكاد يفعل كل شيء كي يمنع المواجهة العسكرية مع «حماس» في غزة. نرى هذا في كل يوم في سلوكه وفي قراره السماح لقطر بأن تحول بين الحين والآخر عشرات ملايين الدولارات – حتى الآن حولت الى غزة نحو 150 مليون دولار – رغم الانتقاد اللاذع الذي يوجهه له اليمين (بينيت، سموتريتش، ليبرمان) والوسط (أزرق – أبيض).
إن تصميم نتنياهو على عدم الانجرار الى الحرب يسمعه ايضا قادة جهاز الأمن، وعلى رأسهم رئيس الاركان، أفيف كوخافي، في المداولات معه. في هذه الجلسات يشدد نتنياهو، الذي هو كما يذكر وزير الدفاع أيضا، على انه يجب ابداء ضبط النفس في المواجهات على الجدار، والرد بتوازن وبالاساس منع القتلى في الطرف الآخر. في تلك الجلسات، بعضها عقد في اعقاب وقوع حوادث، يحقق نتنياهو مع قادة الجيش في تفاصيل التفاصيل، ليس فقط كي يكون مطلعا، بل بالاساس كي تستوعب رسالته في اوساط القيادة العسكرية بأنه يجب عمل كل شيء لمنع التصعيد.
منذ آذار 2018 حدثت بين اسرائيل و»حماس» 15 جولة حربية (او أيام قتالية). بعضها، مثل الأخيرة، كانت حثيثة جدا، وبعضها الآخر أقل من ذلك. بعد كل جولة تحقق وقف للنار دون أن تحل المشاكل الاساس، أو ما يسمى التسوية. في الطرف الفلسطيني قتل نحو 270 شخصا وأصيب بضعة آلاف. معظم القتلى كانوا في الأشهر الاولى من التظاهرات والمسيرات قرب الجدار. معظم المصابين كانوا مدنيين، وقلة منهم كانوا اعضاء في «حماس» أو «الجهاد الاسلامي». في جهاز الأمن يعرفون ويفهمون حساسية المنظمات لسقوط القتلى. رئيس الاركان السابق، غادي آيزنكوت، فهم هذا جيدا، ويفهم هذا بقدر لا يقل جودة ايضا كوخافي وقائد قيادة الجنوب، اللواء هيرتسي هليفي.
في 4 و5 ايار 2019 بدأ تبادل شديد للنار بين الطرفين هو الأشد منذ «الجرف الصامد» في صيف 2014. اثناء ذلك اطلق من غزة نحو 700 صاروخ نحو مدن الجنوب (ولكن ليس الى بئر السبع) وبلدات غلاف غزة. بدأ هذا التصعيد بعد أن تقرر كرد على النار نحو اسرائيل ضرب موقع مأهول لـ»حماس». أصيب مقاتلان من المنظمة، فردت بالصواريخ الى أدت الى موت أربعة اسرائيليين.
لا تحرك سلوك رئيس الوزراء طبيعته الحذرة وخوفه من التورط والمغامرة فقط. فهو يخاف من الحرب، وبالتأكيد قبل الانتخابات، لمعرفته بأنها ستؤدي الى عشرات القتلى، إن لم يكن أكثر، وانه سيكون من الصعب تحديد غاية عسكرية – سياسية للجيش الاسرائيلي تتمثل باسقاط حكم «حماس»، وهي مهمة صعبة التنفيذ. لديه أيضا استراتيجية ورؤيا ايديولوجية: نتنياهو يسعى الى الحفاظ على الوضع الراهن كي يبقي «حماس» في الحكم، يحافظ على الانقسام في المعسكر الفلسطيني، وحتى يتواصل التآكل المتسارع في فكرة الدولتين. في جلسة كتلة «الليكود» قبل بضعة اشهر قال نتنياهو – ولعل هذه زلة لسان عجيبة، وربما عديمة الحذر – ان كل من يعارض اقامة دولة فلسطينية يجب أن يؤيد خطواته مع «حماس»، بما في ذلك ضخ الاموال الذي يصفه خصومه بأنه «خاوة».
ولكن نتنياهو ليس مستعدا لأن يسير باستراتيجيته وايديولوجيته حتى النهاية. ولهذا فهو يقفز على البندين في كل ما يتعلق باعمار القطاع. فهو يسمح بتوسيع مجال الصيد (الذي يغلق ويفتح كرد شبه وحيد من جانب اسرائيل على اطلاق البالونات، احراق الحقول، واطلاق صاروخ او اثنين)، نقل الوقود، الغذاء والأدوية، تشغيل عمال في اعمال مؤقتة، وكذا ضخ المال القطري، الذي يمنح راتباً شهرياً بقيمة مئة دولار للعائلات الفقيرة. ولكن نتنياهو يعرف جيدا ايضا بأن نقل الأموال من قطر لا يستهدف إلا منع انهيار انساني للقطاع، بالمليونين من سكانه. ورغم ذلك، فإنه لا يدفع بكل القوة نحو السماح باقامة مشاريع واسعة للبنى التحتية مثل بناء منشأة لتحلية المياه، تحسين مهم للمجاري، وزيادة إنتاج الكهرباء.
مثال بارز على عدم قدرته أو رغبته في ان يحسم الخلافات هو مسألة خروج العمال للعمل في اسرائيل، والذي سيخفف جدا من الأزمة الاقتصادية في القطاع. منسق أعمال الحكومة في «المناطق»، اللواء كميل ابو الركن، يقترح السماح لـ 5 آلاف غزي يستوفون المعايير بالخروج في كل يوم للعمل في اسرائيل.
رئيس الأركان، كوخافي، يؤيد الاقتراح. ورئيس المخابرات، نداف ارغمان، يعارضه. صحيح أنه من سوابق الماضي يمكن الاستنتاج بان «حماس» و»الجهاد الاسلامي» سيستغلان تصاريح العمل لتهريب المواد المتفجرة، السلاح، نقل الأموال الى الضفة والتعليمات لتنفيذ العمليات. في الماضي، زورت «حماس» تصاريح طبية كي تدخل رجالها الى إسرائيل تحت غطاء مرضى. فاكتشفت المخابرات الاسرائيلية هذه الطريقة ومنعتها. واليوم ايضا تستغل «حماس» النساء والأطفاء المرضى الذين يحتاجون الى العلاج الطبي في اسرائيل كي تنقل الرسائل والأموال الى نشطاء الارهاب.
تؤيد المخابرات مبدئيا تخفيف الضائقة الاقتصادية في غزة، وتؤيد اقامة مناطق صناعية قرب الحدود، بل زادت حجم التصاريح للتجار الغزيين للخروج الى اسرائيل والى الضفة، وللتجار العرب الإسرائيليين الدخول الى غزة. ورغم ذلك، فان آرغمان غير مستعد ليأخذ اي مخاطرة حتى وان كانت صغيرة. فالمخابرات غير مستعدة لتسمح باجراء تجربة لإدخال 500 أو 1.000 عامل. صحيح أنه اذا نفذ عمال سمح بعملهم اعمالا «ارهابية»، فإن المخابرات ستتهم بذلك، ولكن رئيس المخابرات ليس فقط مقاولا لاحباط «الارهاب»، بل مستشار أمني للحكومة أيضا. ينبغي له أن يرى الصورة بشكل اوسع. لا يتخذ نتنياهو موقفا في هذا الخلاف، وهكذا فإنه في واقع الأمر يأخذ بموقف آرغمان والمخابرات وان كان يعرف بأن تشغيل العمال في اسرائيل سيزيد احتمالات هدوء اطول والى تسوية في غزة.
بالمقابل، لا يقبل رئيس الوزراء بموقف المخابرات، الذي يحذر منذ زمن بعيد من الوضع الاقتصادي الصعب في الضفة. فالتدهور الاقتصادي، الذي يجد تعبيره في تقليص الرواتب، تقليص الانتاج، والانكماش الاقتصادي هو كله من فعل يد حكومة نتنياهو. وزراء ونواب، بمن فيهم آفي ديختر (وكذا اليعازر شتيرن من «يوجد مستقبل») بادروا الى مشروع قانون لاقتطاع حجم المبلغ الذي تدفعه السلطة لعائلات «المخربين» من أموال الضرائب التي تجبيها اسرائيل لهم (في السنة الماضية حولت السلطة الى العائلات نحو 1.2 مليار شيكل).
عارض نتنياهو على مدى السنين مشروع القانون وغيره من المبادرات في هذا الشأن لفهمه آثارها. ولكن في شباط 2019 نفدت قوته، ولاعتبارات انتخابية لم يمنع «الكابينت» من تبني القانون.
ادعى المبادرون إلى القانون بأن سماح إسرائيل بنقل الأموال يعني أنها تشجع «الارهاب». واقتطاع الأموال سيقلص الدوافع للانضمام الى دائرة «الارهاب». ولكن هذا مال فلسطيني، اسرائيل مجرد وصية عليه. وشئنا أم أبينا فإن من تراهم اسرائيل «مخربين» هم في نظر كل فلسطيني تقريبا مقاتلون وأبطال. أما من بادر الى القانون فإنه إما أنه لا يفهم بأنه يمس بذلك بالوتر الاكثر حساسية في المجتمع الفلسطيني أو أنه لا يكترث بذلك.
ردت السلطة بكل القوة. فهي ترفض ان تقبل من اسرائيل مالها اذا كان مقلصا. وهكذا اضطر رئيس الوزراء لأن يبعث بآرغمان الى اللقاء مع رئيس السلطة، ابو مازن، في محاولة لمصالحته، المحاولة التي لم تنجح. وبالتوازي يحاول جهاز الأمن وضع أفكار إبداعية أخرى لتربيع الدائرة: نقل كامل المبلغ الى السلطة من مصادر أخرى على ألا تبدو اسرائيل كأنها تراجعت، وتواصل تمويل عائلات «المخربين». ولكن ابو مازن يواظب على رفضه. وحسب مصادر فلسطينية فقد شرح لأرغمان بان هذا موقف مبدئي، هو فكرة الشعب الفلسطيني. بمثابة على جثتي. وباختصار – رسالة ابو مازن هي أن عليكم أن تغيروا القانون. من الواضح أن هذا لن يحصل.
في الأفق، ليس واضحا اذا كان القريب أم البعيد، بانتظار المخابرات وجع رأس آخر، قد يكون أكبر. ماذا سيحصل إذا قرر نتنياهو أن يضم المنطقة «ج» في الضفة، حيث لا يوجد سوى 100 الف فلسطيني ومستوطنات كثيرة، وهي تشكل نحو 60 في المئة من أراضي الضفة؟ سبق ان قال نتنياهو قبل الانتخابات انه سيفعل ذلك. اما الآن، فيما يتمتع بريح اسناد من ادارة ترامب الذي أيد اثنان من ممثليها – فريدمان وغرينبلات – ذلك فإن السؤال المشوق هو اذا كان سيعلن عن ذلك قبل الانتخابات ام بعدها، اذا ما انتخب مرة اخرى في أيلول.
في جهاز الأمن ينشغلون في المسألة بقدر غير قليل، ويحطمون الرأس لمعرفة ماذا سيكون الرد الفلسطيني اذا أعلنت اسرائيل الضم. فهل سيحل ابو مازن السلطة أم سيكتفي «فقط» بوقف التنسيق الأمني. وحين تكون في الخلفية حرب الخلافة لليوم التالي لابو مازن، فإن أحدا في جهاز الأمن ليس لديه اي فكرة حول ما سيحدث.

عن «معاريف»

Exit mobile version