قامت إدارة ترامب لسنتين منصرمتين بإبقاء الرؤية الأمريكية لكيفية حل النزاع الفلسطيني الاسرائيلي تحت الكتمان. الان تم الاعلان عن الجانب الاقتصادي لهذه الرؤية من خلال ورشة عمل عقد في العاصمة البحرينية المنامة، فمن هم الرابحون والخاسرون نتيجة ورشة البحرين؟
من الصعب ان نحدد بدقة الرابحين والخاسرين بسبب عدم معرفتنا بماهية الأهداف التي كانت مرجوة من اللقاء ولكن رغم ذلك فيما يلي جرد أولي للرابحين والخاسرين، والطرفين اللذين ربحا وخسرا معاً:
الرابحون:
– غزة: من الواضح أن قطاع غزة خرج من ورشة البحرين الكاسب الأكبر. فقد دمرت مشاريع كوشنر وجرينبلات محاولات إسرائيلية جادة لفصل دائم للقطاع عن الضفة الغربية، وها هي الدول الاهم ومعها العديد من الدول والمؤسسات الدولية تعيد تسليط الضوء على قطاع غزة المحاصر، مستعدة لفتح ممر ارضي وسكك حديدية لربط القطاع مع الضفة والعالم مع التركيز على ضرورة حل مشكلة البطالة رغم ان المسبب الرئيس لمأساة غزة هو الحصار والاحتلال، إلا أن التركيز الكبير على القطاع لا بد ان يجلب الثمار عاجلا ام اجلا، والاهم فانه يقطع الطريق أمام اليمين الاسرائيلي المتطرف الذي اعتقد انه من الممكن سلخ القطاع عن الدولة الفلسطينية المستقبلية، كما ومن الواضح ان رجال الأعمال الأمريكيين والدوليين مقتنعون أنه بدون إمكانية النقل السلس للبضائع والأشخاص لن يكون هناك أي تطور اقتصادي مما يعني ان الجانب الاسرائيلي فشل حتى من قبل اكثر المؤيدين له بان يؤيد الامريكان فصل غزة عن الضفة وعن باقي العالم.
– الرئيس محمود عباس: لقد اتخذ الرئيس محمود عباس مجازفة كبيرة عندما قرر مقاطعة الولايات المتحدة عندما تم نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس. كما وتحدى الرئيس أبو مازن أمريكا وإسرائيل معاً بموقفه المبدئي برفض استلام المستحقات الضريبية بعد اقتطاع ما يدفع لعائلات الاسرى والشهداء وأخيرا رفض المشاركة في الورشة الاقتصادية الأمريكية في البحرين الصديقة وبمشاركة قوية من حليفين قويين لأميركا هما السعودية والإمارات، فموقفه الحاسم في هذه الأمور الهامة على المستوى الوطني وضعه بين اوائل الرابحين.
– حل الدولتين: رغم أن السياسة كانت ممنوعة في ورشة البحرين الا ان حل الدولتين كان المهيمن على ما يعرف بالنقاش غير المعلن، حيث كان هناك تعليق للعديد حول سيادة القانون وهو طريقة غير مباشرة لطرح السؤال “من هي الجهة التي ستكون ذات سيادة” وفي نهاية الورشة تحدث رئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير، بشكل واضح عندما أكد انه يدعم بدون تردد حل الدولتين.
– مؤيدو التطبيع: قد يعتبر البعض أنه يجب وضع العنوان هذا ضمن خانة الخسارة، ولكن وللأسف فإن من يؤيد التطبيع العربي العلني الاسرائيلي قد يشعر بنشوه معينه بعدما سمحت مملكة البحرين بقدوم رجال أعمال إسرائيليين وستة صحفيين إسرائيليين.
وقد تكون صورة الصحفي الاسرائيلي وهو يشهر جوازه الاسرائيلي في صورة سلفي امام مقر مناهضة التطبيع قد وصلت الى العديد من الناس، ولكن رغم ذلك فان البحرين (ويبدو أيضا بعض الدول العربية) كانت قد طالبت بعدم دعوة المسؤولين الحكوميين الاسرائيليين للمنامة وهو امر يضعف من توقع ان يكون باب التطبيع مفتوحا على مصراعيه.
والمعروف ان الدول العربية أجمعت على مبادرة السلام العربية التي تنص على عدم التطبيع مع إسرائيل قبل ان تقوم بالانسحاب من كافة المناطق العربية التي تم احتلالها في حرب حزيران 1967.
أما الخاسرين يمكن حصرهم بـ:
– السلام من خلال الاقتصاد: إن فكرة استباق المسار الاقتصادي على السياسي تضررت كثيرا عندما قال توني بلير موجها الكلام لجاريد كوشنر انه “من الغباء المطلق (absolutely foolish) الاعتقاد أنه يمكن إيجاد حل اقتصادي بدون حل سياسي.”
لقد حاول الاسرائيليون منذ عقود بيع مثل هذه الأفكار ولم ينجحوا. ففي عام 2008 قام رئيس الوزراء الاسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعرض فكرة السلام الاقتصادي، وقام بتكرار الفكرة عدة مرات منذ ذلك التاريخ ولم تنجح أي من تلك المحاولات.
وفي ورشة المنامة قال مؤسس شركة اوليمبس كابيتال الاسيوية دانيال مينتز “عليكم الاهتمام بالموضوع السياسي من اجل ان تحصلوا على الاستثمار.”
– ورشة الازدهار من أجل السلام: قبل بدء الورشة قال الرئيس محمود عباس في 23 حزيران لصحفيين أجانب أعضاء في اتحاد الصحفيين الدولي في إسرائيل استضافهم في رام الله ان ورشة العمل “ستفشل” وفعلا فقد قاطعت لبنان وسوريا والعراق والكويت وعمان والجزائر والصين وروسيا وغالبية دول الاتحاد الاوربي وجنوب أمريكا. كما وقاطعها أصحاب الشأن الفلسطيني ولم يتم دعوة الاسرائيليين (قيل إن ذلك كان شرطا لبعض الدول العربية المشاركة) وقد شارك عدد منهم مثل المغرب والأردن ومصر بوفود متدنية المستوى.
اما في تفاصيل الورشة نفسها فلم تعلن أي دولة دعمها رسميا لطرح جاريد كوشنر كما كان واضحا تجاهل محاولة انهاء اعمال وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) والتي كان البعض قد قال أنه سيكون أحد نتائج الورشة. وفيما يخص الأونروا فقد عقدت ندوة في نيويورك حضرها الأمين العام وأعلن ان العديد من الدول تبرع لدعم ميزانية الوكالة للعام القادم.
– جاريد كوشنر: كبير مستشاري الرئيس الأميركي وصهر الرئيس لا توجد لديه خبر في الشؤون الدولية او السياسية ومعظم خبرته هي في المجال الاقتصادي، وقد كان ذلك واضحا في المنامة. ففي كلمة الافتتاح اعترف كوشنر انه في الاقلية في آرائه ولكنه قال انه مصر على موقفه.
ومن المؤكد ان الخبرة في الشؤون السياسية والدولية مهم. فلو كان كوشنر له الخبرة الكافية لما أصر على عقد الورشة بغياب ممثلي الشعب الفلسطيني والاسرائيليين وهم أصحاب الشأن. فكانت محاولة كوشنر متجاوزة للمنطق المبني على تجارب متراكمة، ولذلك فان كوشنر وورشته سيتم نسيانهما بعد وقت قصير.
الرابحون والخاسرون في اٌن واحد:
– مملكة البحرين: هذه المملكة في الخليج العربي غير معروفه عالمياً ولذلك فقد شكلت الورشة نجاحا للبحرين لاستضافتها الورشة والتي انعقدت وانتهت بدون أي مشاكل تذكر. الورشة وفرت فرصة لمملكة البحرين للتعريف عن نفسها ومحاولة جذب الاستثمار خاصة من أمريكا وإسرائيل ودول أخرى. إلا أنه رغم الاهتمام والثناء من قبل إدارة دونالد ترامب إلا أن البحرين تعرضت لإنتقادات لاذعة على العديد من المستويات العربية من قبل سياسيين ومن قبل وسائل إعلام خاصة الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي.
قد يكون عدم وجود مسؤولين إسرائيليين خفف حدة الهجوم والاعتقاد ان البحرين خالفت بشكل فاضح مبادرة السلام العربية والتي ترفض التطبيع مع إسرائيل قبل ان تنسحب من كافة المناطق العربية المحتلة عام 1967 ولكن رغم نجاح البحرين في الحد من الانتقاد الرسمي الا ان الشعوب لم تبخل على البحرين بالنقد والنقد الشديد لاستضافة ورشة عن فلسطين بغياب القيادة الفلسطينية.
– الفلسطينيون: رغم مقاطعتهم لورشة البحرين والتي دعت لها اقوى دولة في العالم واستضافتها من قبل دولة عربية خليجية إلا أن الفلسطينيين خرجوا منتصرين. فقد كان غيابهم واستمرار الاحتلال الاسرائيلي لب كافة النقاشات عبر وسائل الإعلام العالمية والتي وفرت مساحات واسعة لوجهة النظر الفلسطينية.
الرئيس محمود عباس استضاف اتحاد الصحفيين الدوليين في إسرائيل وسي ان ان فرت مدة طويلة لرئيس الوزراء محمد اشتية ليشرح الموقف الفلسطيني وقد تحولت جملته “أن الشعب الفلسطيني لا يريد أن يسكن في فندق خمس نجوم تحت الاحتلال” ليعاد نشرها لمرات عديدة على سي ان ان وغيرها من وسائل الإعلام. كما ونشرت العديد من الصحف العالمية وجهة نظر فلسطين منها واشنطن بوست التي وفرت مساحات واسعة لكتاب مؤيدين للشعب الفلسطيني ومقال رئيس الوزراء محمد اشتيه.
ولكن يجب الاعتراف ان الشعب الفلسطيني أيضا كان خاسرا في هذه الورشة لأنه من الصعب قبول ان تناقش مجموعة دولية كبيرة القضية الفلسطينية بغياب فلسطيني. فلو كان هناك مشاركة كان يمكن الاستفادة من الورشة ورغم ذلك يجب ان نقول ان الشعب كان رابحا وخاسرا في آن واحد.
لقد انتهت ورشة البحرين وسينساها العالم بعد قليل ولكن الرابحين والخاسرين سيتم وشمهم سلباً أو ايجاباً لسنين طويلة..
