القدس المحتلة/ اتهمت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية أمس، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بالتهرب من إجراء مفاوضات جدية مع الفلسطينيين، بعد رفضه خطة وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، بالاتفاق بداية على قضيتي الحدود والأمن، وإصراره على بحث كافة قضايا الحل الدائم ورفض تقديم “مبادرات حسن نية“.
وأشارت الصحيفة إلى ان “المطلب ببحث كافة قضايا الحل الدائم قد يفهم على أنه تهرب آخر من مفاوضات جدية، والرفض الإسرائيلي يتجلى أيضا بالإصرار على عدم تنفيذ مبادرات حسن نية تجاه الفلسطينيين من أجل أن تبقي بأيديها ذخيرة لتستخدمها بالمفاوضات”. واضافت أن “هذه هي السياسات والتكتيك الإسرائيلي الذي أدى إلى جمود عملية السلام حتى الآن، وإذا ما استمرت الحكومة الجديدة بالتمسك بها، فإنها لن تتمكن من الادعاء بنظافة اليدين، تجاه مواطني إسرائيل فقط ، ولكن تجاه الإدارة الأميركية أيضا“.
ونقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” على موقعها الالكتروني أمس، عن مصادر سياسية إسرائيلية قولها: “في نهاية المطاف سيتم تجديد المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، ومن المتوقع أن تقوم إسرائيل وبهدوء بتجميد البناء خارج الكتل الاستيطانية الكبرى، بهدف استئناف المفاوضات“.
وأشار الموقع إلى أن الرئيس محمود عباس كان طلب من نتنياهو عرض خريطة تظهر مسار حدود الدولة الفلسطينية العتيدة، لكنه رفض الطلب بدعم من كبار وزرائه، كما رفض طلبات أخرى تتضمن تقديم “بوادر حسن نية“.
ونقل الموقع عن مصدر سياسي إسرائيلي قوله: “لن يتم تجميد البناء الاستيطاني، لكن سيتم بهدوء وقف البناء خالرج الكتل الاستيطانية الكبيرة لتجديد المفاوضات”. واضاف: “إسرائيل لن تعلن عن ذلك بشكل رسمي، بل سيتم تنفيذ ذلك بهدوء وبتفاهم بين إسرائيل والولايات المتحدة“.
وفي تقرير لها ذكرت صحيفة “الحياة” اللندنية أن زيارات كيري، الثلاث للمنطقة في غضون أقل من شهر وما طرحه من أفكار لتحريك عملية السلام، ما زالت تثير نقاشات في إسرائيل بهدف التأثير على هذه المقترحات وتجييرها لمصلحة الموقف الإسرائيلي.
وفي مركز هذا النقاس السؤال عما اذا كانت الحكومة الإسرائيلية تستطيع التجاوب معها، أم ان ما تواجهه من وضعية ومشاكل وتركيبة في الحكومة سيكون عائقا يحبط هذه الجهود ويدخل الحكومة في أزمة ثقة جديدة مع إدارة الرئيس باراك أوباما؟
ومع ان الغالبية الساحقة لا تتفق مع كيري في تفاؤله وترى ان محاولاته لن تحدث اختراقا قريبا في عملية المفاوضات وأن الطريق ما زال طويلا، لإعادة بناء الثقة بين القيادتين الفلسطينية والإسرائيلية، وخلق ظروف لمفاوضات مباشرة من دون شروط مسبقة، الا ان هناك شعورا سائدا بأن الجهود الأميركية هذه المرة جادة للغاية والولايات المتحدة تصر على التقدم الفعلي في المفاوضات.
الحكومة الإسرائيلية أعلنت، كما اوضح نتنياهو، أمام كيري، انها على استعداد لتحريك عملية السلام وبأنها تطمح لهذا السلام، لكن في إسرائيل وفي النقاشات الداخلية يحتدم النقاش حول ما يطرحه نتنياهو واذا كان بالفعل يرغب بالسلام وقادرا على تحقيقه أم انه يدرك، كما يدرك الكثير من الإسرائيليين، ان حكومته بتشكيلتها الحالية ومفاهيم السلام التي يحملها رؤساء أحزاب الائتلاف الحكومي، من جهة، وما تواجهه من مشاكل اقتصادية والنقاش العاصف حول التقليصات التي ستمس بشرائح المجتمع الضعيفة من جهة اخرى، عاجزة عن تحقيق السلام.
التفاؤل الذي اظهره كيري، خلال جولته المكوكية لم ينعكس في الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، بل ان الإسرائيليين حاولوا التخفيف من هذا التفاؤل عندما كرروا شروطهم التي كانت عقبة امام استنئناف المفاوضات طيلة اربع سنوات خلت.
والشروط الاسرائيلية هي: تجميد الاجراءات احادية الجانب للفلسطينيين في الأمم المتحدة، ووقف التحريض في مناطق السلطة الفلسطينية، والاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، وضمانات أمنية صعبة، مثل القبول ببقاء الجيش الإسرائيلي في غور الأردن المحتل.
كما ترفض إسرائيل المطالب الفلسطينية التي تعتبر أساسية وهي أقل ما يمكن للفلسطينيين المطالبة بها وهي: عرض إسرائيل لخريطة حدود، وتحرير أسرى خاصة الذين اعتقلوا قبل اتفاقية اوسلو، وتجميد البناء في المستوطنات، ووقف تام لعملية احتجاز أموال الجمارك والضرائب الفلسطينية في إسرائيل.
وتنافست وسائل الاعلام الإسرائيلية في نشر تفاصيل ما يحمله كيري من مقترحات وركزت النقاش على ما اذا كانت الحكومة قادرة على تنفيذ الخطة أم انها غير قادرة. وتحدثت عن ان الخطة ستنطلق من عمان بلقاء رباعي ويفترض أن تنتزع من الطرفين موافقة على معظم الشروط، التي يرى الأميركيون انها أساسية لاستئناف المفاوضات.
ويقول الإسرائيليون ان الأميركيين لم يحسموا بعد ما اذا كان كيري سيعلن في زياراته المقبلة عن مبادرة. ووفق ما يتداول الإسرائيليون ففي التخطيط الأميركي سيجري وزير الخارجية جولات مكوكية تستمر ستة أشهر ويفترض باللقاء الرباعي أن ينهي مرحلة الاعداد ويبدأ بالمرحلة العملية في الاتصالات.
وكما في نقاش اية مبادرة للسلام ينطلق الإسرائيليون بإلقاء الكرة في الملعب الفلسطيني. وقبل ان يغادر كيري المنطقة اتهموا الفلسطينيين بوضع العراقيل أمام مهمته، لإصرارهم على تقديم خريطة إسرائيلية للتسوية. وعليه يتوقعون ان يبدأ كيري، بناء الثقة بين الطرفين من خلال انتزاع سلسلة خطوات من إسرائيل مثل ضمان استمرار تحويل أموال الضرائب وتحديد البناء الاستيطاني في المناطق الواقعة خارج الكتل الاستيطانية، مقابل تعهد الفلسطينيين بعدم التوجه بمبادرات مستقلة الى الأمم المتحدة، خلال الأشهر القريبة. أما موضوع الأمن والحدود فقد بدأ كيري خطواته نحو التوصل الى اتفاق يناسب الطرفين.
موظفون كبار في الخارجية الأميركية، عبروا خلال تصريحات لهم لوسائل اعلام إسرائيلية، انهم يحتفظون بخطة سلام لكنهم يشككون في قدرة الحكومة الإسرائيلية على تنفيذها. ووفق هذه الخطة، يقول الأميركيون، يمكن للطرفين التوصل منذ الآن الى توافق على 80 في المئة من المساحة ? ذلك لأن الإسرائيليين يوافقون انه في 94 في المئة من المناطق لا يسكن إسرائيليون. والمعنى العملي في هذه المرحلة هو تسليم مناطق “ج” للفلسطينيين، شريطة أن تكون مجردة من السلاح.
وبالتوازي، يتداول الإسرائيليون، معلومات عن بناء مجموعة دعم من دول الخليج وتركيا ودول شمال افريقيا، تساعد السلطة من جهة، وتطرح مبادرات تجاه إسرائيل من جهة اخرى، بروح المبادرة العربية للسلام. وسيكون لمجموعة الدعم هذه دور ايضا في الخطاب الاقليمي الشامل في مواضيع سوريا، وايران والاستقرار في الاردن.
جهود روجرز الفاشلة
النقاش الإسرائيلي بعد زيارة كيري يركز على مدى نجاح الحكومة الإسرائيلية في تحقيق السلام. فهناك من يعتمد في حديثه على تركيبة الحكومة اليمينية التي تشمل حزب المستوطنين برئاسة نفتالي بينيت، الذي سيكون عقبة أمام أي طرح لقضية المستوطنات وحتى حزب المركز برئاسة يائير، سيكون عائقا، اذ ان، وحسب ما قال بينيت، أمام وزير الخارجية النرويجي، اسبن ايدهان حليفه يائير لبيد، وخلافا لمواقفه التي طرحها قبل دخوله الائتلاف الحكومي، غير متحمس لحل الدولتين. وفي هذا الجانب طرح بينيت معارضة حادة لاقامة دولة فلسطينية بين نهر الأردن والبحر المتوسط. وقال: “نحن لسنا متحمسين جدا لحل الدولتين وهذا موقف معظم وزراء الحكومة حتى يئير لبيد”. والحل، وفق بينيت، ان يكون الأردن دولة للفلسطينيين“.
اما الضمانات الأمنية، فيضعها ممثلو هذه الحكومة كقضية مركزية ويقولون انهم لا يثقون بأي طرف. ويعتقد هؤلاء انه حتى الولايات المتحدة غير مضمون ان تكون داعمة لهم في خطوات مستقبلية في مجلس الأمن. وجاء الموقف الصريح من مستشار نتنياهو لشؤون الأمن القومي، يعقوب عميدرو الذي اعلن موقف بلاده الرافض لاستبدال جيش الاحتلال في الضفة بقوات أمن فلسطينية ولا حتى دولية، مدعيا ألا أمل لإسرائيل في ضمان المصادقة على مواقفها في الأمم المتحدة، ويقول: “لا يمكن إسرائيل السماح بوضع ترابط فيه قوة دولية في أراضي الدولة الفلسطينية لتحل محل الجيش الإسرائيلي في حماية الأمن. فمثل هذه القوة الدولية ستجد نفسها تحت ضغط كبير لا يمكن تحمله تماما كالمظلة التي تنطوي ما أن يبدأ هطول المطر“.
ويعتقد عميدرور بأن كل تسوية دائمة مع الفلسطينيين يجب أن تنطوي على ترتيبات أمن مشددة للغاية قائلا: “في الشرق الأوسط، مصير الاتفاقات التي يوقع عليها من دون أن يكون في ايدينا سيف حاد هو أن تصبح ورقة عديمة القيمة“.
اما مبعوث رئيس الحكومة الإسرائيلية، المحامي اسحق مولخو، فقد سبق وأوضح ان نتنياهو مستعد لأن ينسحب الى الكتل الاستيطانية، وان كان يطالب بأن يبقي في غور الأردن وجودا عسكريا طويل السنين، وبأنه غير مستعد لأن يتناول، في هذه المرحلة على الأقل، مسألة القدس.
لكن، في وجهة نظر ثانية، هناك من يرى ان هذه الحكومة، وعلى رغم تركيبتها اليمينية المتشددة، قد تواجه وضعا شبيها بسابقاتها من حكومات إسرائيل، التي كانت بمضمون سياستها وتركيبتها الحكومية، أكثر يمينية في مواقفها، لكنها لم تصمد امام الضغوطات وقدمت تنازلات وأبدت تجاوبا مع المبادرات، كحكومة نتنياهو الاولى، التي اضطرت الى الانسحاب من الخليل وحكومة مناحيم بيغن، التي رضخت أمام ضغوطات الرئيس الأميركي، جيمي كارتر وانسحبت من سيناء، رغم الأوضاع التي كانت تسود آنذاك والمعارضة الإسرائيلية الشديدة، التي أبدتها هذه الحكومة في بداية طرح اقتراح الانسحاب من سيناء. أمام وجهات النظر هذه هناك من يعتقد بأن جهود كيري ستفشل كما فشلت جهود وزير الخارجية الأميركي في سنوات السبعينيات وليام روجرز، خلال فترة مستشار الأمن القومي هنري كسنجر.
الحياة الجديدة .
