موسكو/ عناوين أساسية مثل الشفافية ومكافحة الكسب غير المشروع، غدت الأبرز في روسيا منذ أعلن الرئيس فلاديمير بوتين حرباً «لا هوادة فيها» على الفساد. وشرع في تطبيق إصلاحات قال إنها ستطاول كل مؤسسات الدولة، ولن يكون بمنأى عنها موظفو الدولة أو ممثلو الشعب في البرلمان.
لكن الحملة الضارية على الفساد أتت بنتائج غير متوقعة، وتحولت مادة للتندّر في وسائل الإعلام. فهي هزّت بعنف «الوضع الديموغرافي» في مجلس الدوما!… وأظهرت أن نواب الشعب الروسي واجهوا مثل باقي الفئات تراجعاً حاداً في أوضاعهم المالية.
و «الدوما» ظلَّ لسنوات طويلة نادياً للأثرياء وخرجت من تحت قبته أسماء أُضيفت إلى لائحة أغنى أصحاب الملايين في العالم مثل البليونير رومان إبراموفيتش وزميله سليم كريموف، وعشرات غيرهما جمعوا ثروات خرافية في الوقت المستقطع بين جلسات مناقشة الموازنة أو هموم البلاد الكثيرة.
لكن بقاء الحال من المُحال كما أظهرت تقارير النواب المقدمة أخيراً، إلى لجنة فحص مصادر الدخل والتأكد من الشفافية. و»تدهور» الوضع المالي لأعضاء مجلس الدوما لم يكن العامل الأبرز الذي لفت أنظار أعضاء اللجنة، إذ كشفت التقارير مفاجآت على صعيد الوضع العائلي والمعيشي لنواب الشعب.
وخلافاً لموظفي الدولة، لم يمنح الكرملين النواب مهلة خاصة لكشف مصادر ثرواتهم ودخولهم السنوية تنتهي في بداية حزيران (يونيو) المقبل، بل كان عليهم إنجاز هذه المهمة قبل منتصف الشهر الجاري.
ولم تحمل النتائج مفاجأة لرئيس لجنة الشفافية نيكولاي كوفالوف وحده، بل تحوّلت مادة دسمة للصحافة التي أجرت مقارنات، وخرجت باستنتاجات طريفة.
وإذ يبلغ عدد النواب في الدوما 450، تلقت اللجنة ٤٤٧ تقريراً بسبب غياب ثلاثة نواب بالاستقالة أو الوفاة. وتُلزِم القوانين كل نائب بأن يُشهر مصادر دخله للعام المنقضي مع مصادر دخل كلّ أفراد عائلته، وهنا كانت أولى المفاجآت.
تبيّن أن عدد أفراد عائلات أعضاء الدوما مجتمعين لا يزيد على ٧١٤ شخصاً وفق التقارير، وهذا يعني في المتوسط أن حصة النائب من الأقرباء في أسرته لا تزيد على شخص ونصف الشخص! ما دفع كوفالوف إلى أن يتندّر في الاجتماع المغلق قائلاً «واضح أن مجلسنا يعاني أزمة ديموغرافية حادة. إذ من الصعب تصوُّر أن ٩١ نائباً عن الحزب الشيوعي مثلاً لا يزيد عدد أفراد عائلاتهم وفق بيانات المداخيل المقدمة، على ١١٢ شخصاً فقط!».
ولم يجد النواب ما يردّون به سوى القول أن «فئات أعمار النواب وغالبيتهم في سن الكهولة، تبرر هذه النتيجة».
لكنّ للصحافة رأياً آخر. إذ أجرت وسائل الإعلام مقارنات مع البيانات المماثلة للعام الماضي واكتشفت أن مجلس الدوما «خسر» ٢٩ عائلة خلال سنة! أي أن معطيات العام الحالي خرج منها أفراد عشرات العائلات فجأة. ولم تجد صحيفة «موسكوفسكي كومسوموليتس» تفسيراً سوى واحد من خيارين «إما أن يكون أطفال ٢٩ نائباً كبروا فجأة وبلغوا سن الرشد ما أخرجهم من لوائح المداخيل وإما أن يكون النواب أنفسهم شاخوا خلال سنة».
وبموجب البيانات المقدمة، قال ٧٧ نائباً إنهم ليسوا متزوجين، ما يعفيهم من تقديم بيانات عن أفراد عائلات ليست موجودة. وهذا الأمر أثار سخريةً لدى بعضهم فهو يعني أن ١٧ في المئة من ممثلي الشعب الذي يعاني مشكلة ديموغرافية حادة، يفضلون حياة العزوبية على رغم كل خطط تشجيع زيادة الولادات، وعلى رغم أن بوتين أمر كل نائب بإنجاب ثلاثة أطفال على الأقل.
لكن الصحافة الخبيثة تابعت الموضوع من زاوية أخرى. واكتشفت «نيزافيسيمايا غازيتا» أن الحل لتجنُّب كشف حجم الدخول، يكمن غالباً في الطلاق الصوري. وهكذا، لم تستبعِد الصحيفة أن يكون كثيرون لجأوا إلى هذه الآلية قبل فترة من حلول موعد تقديم البيانات و… يا دار ما دخلك شر.
بيد أن فرضيات أخرى برزت لاحقاً على شكل تساؤلات أو تلميحات. مثلاً تساءل بعضهم عن سر إفراط أعضاء البرلمان الروسي في تفضيل الزواج المدني الذي بات يشهد رواجاً أكبر لديهم في السنوات الأخيرة، كما تؤكّد وسائل الإعلام.
ويبقى بعض الوقت لدى المهتمين للتأكد من كل الفرضيات المطروحة، ومعرفة مدى انتشار كل منها، لأن قرار بوتين أمهل موظفي الدولة وأعضاء البرلمان فترة شهرين لتقديم كشوف كاملة بمصادر الدخل، لكل من تدلّ السجلات، على أن حجم إنفاقه في سنة تجاوز مجمل دخله مع أفراد عائلته خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وإن كانت التوقعات محدودة جداً. فكما قال كوفالوف بالنظر إلى «الوضع الديموغرافي» في مجلس الدوما، لن يزيد عدد أعضاء المجلس الذين سيضطرون لتقديم البيانات المطلوبة، على نائبين أو ثلاثة في أحسن تقدير!
الحياة اللندنية – رائد جبر
