
قبل أن تكتب آيليت تساباري مجموعتها القصصية الأولى، “أفضل مكان على وجه الأرض”، تركتها فكرة تأليف كتاب عن إسرائيل مع شعور وصفته بكلماتها الخاصة بأنه “الخوف حد الرعب”. فقد كان بلدها مثقلاً جداً، وسياسياً جداً. ويمكن أن تثير أي قصة تكتبها غضب شخص ما -أو على أقل تقدير، أن تثير أسئلة صعبة: لماذا تجعل قصصها مسكونة بالمزراحيم الشرقيين (اليهود العرب) وليس الإشكناز (اليهود من أوروبا الشرقية)؟ لماذا تستخدم في صوت القص وجهة نظر جليسة رعاية فلبينية وليس، مثلاً، فلسطينية؟ هل من المشروع، حتى بالنسبة لكاتب القصة الإسرائيلي، أن يكتب قصصاً لا تذكر الفلسطينيين؟ منذ نشره في آذار (مارس)، أثار كتاب “أفضل مكان على وجه الأرض” كل هذه الأسئلة، وأكثر.
في جوهره، يتحدث هذا الكتاب عن أقليات إسرائيل والمهمشين فيها. وبوصفها إسرائيلية من أصل يمني، فإن تساباري ليست مهتمة في الكتابة، فلنقل، عن قصة الفتاة اليهودية التي تحكي ذكريات جدتها. إنها ترغب في تسجيل تجارب مجتمع اليهود الشرقيين -وهم شريحة من السكان الذين نادراً ما يتم تقديمهم في الأدب الإسرائيلي، ناهيك عن الأدب اليهودي الكندي. في قصص تساباري، لن تجد حساء كرات الخبز، أو اللغة اليديشية، أو حكايات المحرقة. وإنما ستجد بدلاً من ذلك، الحِلبة، واللغة العربية، وحكايات عن التحول القسري إلى الإسلام على يد السلطات اليمنية. وسترى أيضا آثار التمييز القائم ضد اليهود الشرقيين منذ فترة طويلة، ورفض بعض الإسرائيليين الاعتراف حتى بصفة “اليهودي العربي” كفئة.
تساباري، التي تعرّف نفسها على أنها يهودية عربية، والتي تستطيع القبض على المفهوم بشكل “رومانسي وجدلي على نحو رائع” تناقش المقاومة الإسرائيلية لهذه الصفة في قصتها “قولي ذلك ثانية، قولي شيئا آخر”. وعندما تقول الراوية المراهقة ليلى لصديقتها “إن جدي وجدتي جاءا من اليمن، لذلك نحن عرب بطريقة ما، عرب يهود”، فإن صديقتها تنكر هذ الفئة على الفور وتقابلها بضحك مستغرب، وتقول: “كلا، هذا مستحيل. إنك إما عربية أو يهودية”.
وفي قصة أخرى، “بريت ميلا”، تستخدم تساباري شخصية عوفرا لاستكشاف مشكلة التمييز الحاضر ضمنياً في المجتمع الإسرائيلي. فمثل الكثير من الشباب الشرقيين الذين يتعلمون النظر إلى تراثهم على أنه في مرتبة أقل من تراث اليهود الإشكناز، تتخلص عوفرا تدريجياً من علامات هويتها العربية. لكن ذلك يكون بالنسبة لأمها المسنة، ريوما، التي ما تزال تتمسك بفخر بالتقاليد العربية، محيراً بقدر ما هو مؤلم:
“لم تكن ريوما فقط هي التي رفضتها (عوفرا): لقد احتقرت أي شيء يمني، حتى تجاعيد شعرها التي شرعت بتمليسها ليصبح شعرها مسترسلاً كل صباح. حتى أنها غيرت طريقة حديثها؛ عندما كانت صغيرة، كانت تتحدث مثل والديها، بالحروف الحلقية وحرف العين. وقد فقدت ريوما ابنتها مرة، ثم مرة أخرى؛ في البداية أصبحت إشكنازية، ثم كندية”.
وتبلغ آثار التمييز الكامن في المجتمع الإسرائيلي تعبيرها الأوضح في شخصية أوري، البطل الشاب لقصة “الشعراء في نافذة المطبخ”. ففي أحلامه، يكون أوري “أطول وأكثر شجاعة واشكنازياً، ولون جلده فاتحاً أكثر، وعيناه زرقاوين”، لكنه في الواقع صبي يمني -وهي هوية يعتقد أنها تتعارض مع ما يريد حقاً أن يكون: كاتب. ورغم تشجيع أسرته، فإنه يتخلى عن طموحاته الكتابية، لأنه لا يؤمن بأن شخصاً مثله يمكن أن يكون شاعراً:
“الشعر الذي يعلِّمونه في المدرسة، الكتب التي وجدها في مكتبة المدرسة، كلها تقريباً كتبها رجال أشكناز قدماء. لم يسمع أبداً بشاعر يمني أو عراقي، أو أي شاعر من المزراحيم (اليهود العرب)، إذا كان ذلك يهم”.
إنه بالضبط هذا التمثيل الناقص، وآثاره السلبية في نفوس نظراء أوري في العالم الحقيقي، هو الذي تجيء مجموعة “أفضل مكان على وجه الأرض” لتستكمله. وهذا هو ما يجعل الكتاب قوياً جداً على المستوى السياسي: فمن خلال إصرارها على كتابة قصص اليهود الشرقيين، لا تعطي تساباري الإذن لأبناء هذا المجتع المهمش بأن يكونوا كُتّاباً وحسب؛ إنها تعطيهم الإذن أيضاً لأن يكونوا، ببساطة. ويبدو واضحاً أنه لو توفرت مثل هذه الكتب في وقت سابق، لكان العديد من الكتاب الشرقيين المحتملين (بمن في ذلك كاتب هذه السطور) قد شعروا بأنهم أكثر جرأة على التقاط القلم والكتابة في سن أصغر بكثير. وربما كانوا سيحتفظون أيضاً بأحرفهم الحلقية وأحرف العين، ولتعلموا أن يحبوا تجاعيد شعرهم الداكن بدلاً من الشعور بالحاجة إلى تمليسه.
نظراً لمدى جوهرية مسألة التمثيل الناقص في مشروع تساباري، قد تتساءلون لماذا تحجم عن تمثيل واحد آخر من المجتمعات المهمشة في إسرائيل: الفلسطينيون. ومن الصحيح أنك، بينما تقرأ هذه القصص -التي تصور جميعها الأقليات بمهارة، بمثل هذا الضوء واللمسة الدقيقة- فإنك لن تستطيع سوى أن تتمنى لو كانت الكاتبة قد تناولت هذا المجتمع، أيضاً. ولكن، وكما يمكن أن يقول لك أي كاتب قصة، فإن المطالبة بأن يشمل الكاتب أنواعاً معينة من الشخصيات في قصصه، يرجح أن تأتي بنتائج عكسية؛ إذا لم تتدفق بشكل طبيعي من مواطن اهتمام المؤلف وخبراته، فإنها ستكون عرضة للخروج من سطح الصفحة باعتبارها خاطئة كلية. وقد كتبت تساباري، وهي تدرك حرارة هذه المسألة:
“لأولئك الذين تساءلوا عن قلة تمثيل الفلسطينيين في كتابي، شرحت أن ذلك يؤشر على مدى العمل على عزل هذه المجتمعات داخل إسرائيل. لم يكن هناك فلسطينيون في المدارس التي درست فيها، ولا في الأماكن التي عملت فيها، ولا في دائرة أصدقائي. وفي الواقع، لم أكوّن صداقات فلسطينية حتى بعد أن انتقلت إلى كندا”.
يبدو هذا التفسير معقولاً للوهلة الأولى. كما أنه يجيء، إلى حد ما، قريباً من النقطة. لأنه، حتى رغم أن تساباري لا تكتب فعلياً عن الفلسطينيين، فإن قصصها تتمكن من أن تنتقد ضمنياً معاملة إسرائيل لأقلياتها -وهو نقد يمتد بالتأكيد ليشمل الفلسطينيين- بطريقة خفية غير مباشرة وغير تعليمية.
خذوا قصة “غير مرئي”، على سبيل المثال، التي تقوم بعمل رائع لدى عرضها حقيقة وجود صلة حتمية بين إساءة معاملة إحدى الأقليات وإساءة معاملة أخرى. عند تعقب التوازيات بين خبرات المهاجر لدى الجدة اليهودية الشرقية وراعيتها الفلبينية في إسرائيل، تشير تساباري إلى أن المجتمع الذي يميز ضد الأولى ينطوي حتماً على التمييز ضد الأخيرة. إن التمييز ضد اليهود الشرقيين هو مجرد عرَض لنظام تمييزي أوسع إطاراً، والذي يفشل في معاملة جميع أقلياته بالكرامة الكاملة التي تستحقها. ولا تبوح تساباري بهذا النقد مباشرة أو تربطه صراحة بالفلسطينيين، لكنها لا تحتاج إلى ذلك مع قارئ حصيف متيقظ.
(ذا ديلي بيست) ترجمة: علاء الدين أبو زينة– الغد الاردنية.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
What’s ‘Legitimate’ Israeli Fiction?