الرئيسية الاخبار طيور وكالة الاستخبارات المركزية الغاضبة

طيور وكالة الاستخبارات المركزية الغاضبة

سمعتُ قادة عسكريين ومسؤولين في البيت الأبيض يهمسون خلال فصل الشتاء أن عليهم التوصل إلى إطار قانوني وأخلاقي لآلات القتل المحلقة التي تعدم الأهداف حول العالم، إذ بدأ هؤلاء يدركون أن الشعب الأميركي ربما يوافق على قتل الإرهابيين عن بعد، إلا أن قتل الناس من دون محاكمة عادلة أو الآخذ في الاعتبار الضحايا الأبرياء يشكلان عبئا يؤذي الروح الديمقراطية. ولكن لم يتسن لهم الوقت لإنجاز ذلك، تاركين لراند بول مهمة التعاطي مع المسائل الأخلاقية.
بعد حربَين دمويتين طويلتَين كلفتا الكثير من المال في أفغانستان والعراق، بدت فكرة استخدام سلاح لشن حرب من دون الحاجة إلى إرسال أي جندي إلى الحرب مغرية جداً. فوقف رئيسنا المثقف، اللبق، الذكي، والموضوعي مذهولاً أمام آلة الحرب هذه المتطورة، المميزة، الذكية، والمبتكرة.
في إحدى المقابلات مع جون ستيوارت السنة الماضية، أعرب الرئيس أوباما عن افتتانه بأسلوب الحرب هذا. فقال: “من الضروري أن نضع بنية قانونية لهذه العمليات. ونحتاج إلى مساعدة الكونغرس كي نحقق هذا الهدف لنحرص على بقاء قراراتي وقرارات كل الرؤساء من بعدي مضبوطا وفي إطارها الصحيح”.
إذن، حول برنامج الطائرات بدون طيار السري الأميركي، الذي لا ينفك يخفض معيار عملياته المميتة، الرئيس ومدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والمستشارين الذين يُعنون بشؤون محاربة الإرهاب إلى محكمة شبيهة بمحكمة النبلاء في بريطانيا قديماً، محكمة تدير حرباً خلف مناطق الحرب، مستخدمة مبضعاً بدل المطرقة، حسبما ذكر جون برينان، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الجديد.
لكن مارك مازيتي، صحافي في مجلة
Times، يشير في كتابه الجديد The Way of the Knife (أسلوب السكين): “يُظهر هذا التشبيه أن نوع الحرب الجديد هذا لا يشمل أي كلفة أو هفوات. إنه جراحة من دون أي مضاعفات. إلا أن هذا ليس صحيحا”.
يثير مازيتي مسألة ما إذا كانت وكالة الاستخبارات المركزية، التي باعت ذات مرة في المتجر التابع لها قمصان غولف تحمل شعار طائرة بريداتور، قد أصبحت “مفتونة جداً بطائراتها القاتلة، فما عادت تدفع محلليها إلى طرح سؤال أساسي: هل تؤدي ضربات الطائرات بدون طيار إلى ولادة عدد من الإرهابيين يفوق ما تقضي عليه؟”. يكتب مازيتي أن السير ريتشارد ديرلوف، مدير الاستخبارات البريطانية، راقب إحدى عمليات الطائرات بدون طيار الأولى في مقر وكالة الاستخبارات المركزية في لانغلي بعد بضعة أسابيع من اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر. وفيما راح يشاهد شاحنة ميتسوبيشي صغيرة في أفغانستان وهي تنفجر، علت ثغره ابتسامة غريبة وسأل: “أولا يشكل هذا انتهاكاً للقوانين؟”.
خلال المرحلة التي سبقت حرب العراق، اغتاظ دونالد رامسفيلد والمسؤولون الصقور المحيطون به من أن وكالة الاستخبارات المركزية تجاهلت ادعاءاتهم الواهية عن العلاقة بين صدام حسين وتنظيم “القاعدة”. نتيجة لذلك، أقاموا جهازهم الاستخباراتي الخاص في وزارة الدفاع الأميركية. وهكذا تحول الجنود إلى جواسيس. في هذه الأثناء، كانت هذه الوكالة تقيم وزارة دفاع خاصة بها في لانغلي، مديرة عمليات الطائرات بدون طيار التي ما انفكت تتوسع.
كتب مازيتي أن مدير وكالة الاستخبارات المركزية تحول بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر إلى “قائد عسكري يدير حربا عالمية سرية مع الحد الأدنى من الموظفين والإشراف”. ولكن كما سأل الجنرال جيمس كارترايت عندما كان نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، لمَ تحتاج وكالة الاستخبارات المركزية إلى بناء “سلاح جو ثانٍ”؟
أضفى ليون بانيتا على هذه الوكالة طابعاً عسكرياً، ومن ثم انتقل إلى وزارة الدفاع، وعندما أصبح قائد عسكري فعلي، وهو ديفيد بترايوس، رئيس هذه الوكالة عام 2011، دعم برنامج الطائرات من دون طيار، وسعى إلى توسيع أسطوله ونفذ أول عملية قتل آلية من هذا النوع تستهدف مواطناً أميركياً.
يكتب مازيتي: “انطلقت وكالة تجسسٍ أُدينت علانية في 11 سبتمبر 2001 واعتُبرت مؤسسة متواضعة تخشى المخاطرة، في حملة قتل واسعة تحت ناظرَي أربعة مديرين متتاليين لوكالة الاستخبارات المركزية”.
تملك وكالة الاستخبارات المركزية اليوم قاعدة لطائراتها من دون طيار في المملكة العربية السعودية. كذلك تشن وزارة الدفاع الأميركية وهذه الوكالة على حد سواء حرب طائرات من دون طيار في اليمن، وتحارب كل منهما للحصول على الموارد الضرورية. كذلك تواصل الوزارة عملها في تجنيد الجواسيس. يذكر جورج جايمسون، محامٍ أمضى 33 سنة في وكالة الاستخبارات المركزية، بأسى: “اختلطت كل المسائل. فترى وكالة استخبارات تخوض حرباً ومنظمة عسكرية تحاول جمع المعلومات على الأرض”.
علاوة على ذلك، يشير مازيتي إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية، التي ما انفكت توجه الضربات خلال الربيع العربي، عبرت منعطفاً خطراً. فقد أصبح الجيل الجديد في لانغلي يفضل “حماسة القتال على الجبهة” وملاحقة الأعداء وقتلهم، على عمل التجسس وجمع المعلومات البطيء، “اللطيف”، والذي يتطلب الكثير من الصبر. ومن الممكن للاعتماد على الجواسيس الأجانب للحصول على معلومات عن الإرهاب أن يكون مضللاً ويعمينا عما يدور حقاً على الأرض.
أخبر روس نيولاند، مسؤول استخباراتي، مازيتي أن قتل الناس عن بعد “مغرٍ”، وأنه كان على الوكالة أن تتخلى عن طائرات بريداتور وريبر منذ وقت طويل. ويضيف نيولاند موضحا أن آلات القتل هذه حولت وكالة الاستخبارات المركزية إلى الشر بحد ذاته في بلدان مثل باكستان، حيث يُفترض أن تقوم مهمة الوكالة على تعزيز العلاقات لجمع المعلومات.
من الواضح أن الرئيس أوباما، الذي واصل كل برنامج سري تسلمه من جورج بوش الابن، يشعر بالقوة عندما يتحدث عن عمليات القتل المستهدف، ويعتبر الطائرات بدون طيار خياراً جيداً. ولكن كما ذكر مازيتي، ما زالت “أسئلة أساسية كثيرة مثل: مَن يجب قتلهم؟ أين يمكن قتلهم؟ ومتى يمكن قتلهم؟” بدون جواب، فضلاً عن أنها لم تُناقش علانية. أَوَلا يشكل هذا انتهاكاً للقوانين؟

الجريدة الكويتية

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version