الولجة/ اعتاد المرحوم علي موسىخليفة الاعتناء بأرضه، في قرية الولجة، جنوب القدس، رغم المطاردات من الاحتلال،الذي اعتبر، بقوة البطش،الأرض جزءا من حدود بلدية القدس الإسرائيلية، ومواطنيالقرية مجرد “متسللين غير قانونيين” في منازلهم.
خليفة، كان ذاق مرارة الهجرة منالولجة، عام 1948، ولجأ إلى ما تبقى من أرضها جنوب سكة حديد القدس-يافا، ليبني معآخرين الولجة الجديدة، لكن المحتلين لاحقوهم إلى حيث بدأوا بكدٍ حياة جديدة، ومنذثمانينيات القرن العشرين تم هدم نحو 60 منزلا في الولجة الجديدة، وكثير من المنازلما زالت ملفاتها في أروقة المحاكم.
عمّر خليفة أرضه، في منطقة أبو الهوى وتحديدافيما يعرف بالمسطاح-عرق زنيد، وهي أرض جبلية مطلة، على أجزاء من قرى جنوب القدسالمدمرة، وبدأ مشروعا صمم عليه بشكل غريب، عندما أخذ بالحفر بحثنا عن نبع ماء فيالمنطقة، وقال للناس: إنه استدل على وجود نبع في أرضه، من نبات (الطيّون)، مؤكداانه إذا وجد هذا النبات في أرض، فمعنى ذلك ان الماء سيتدفق من باطنها، ولم يكنغريبا على قرية مثل الولجة، التي توصف بأنها أرض الينابيع، ان يظهر فيها نبعجديد.
حفر خليفة طوال عشرين عاما، كما يروي قريبه الشاب ياسر خليفة (44) عاما،وتقاعد عن العمل في الأرض بعد تقدمه في السن، وبقي على ثقة غريبة بوجود نبع فيأرضه.
وعاش خليفة، ليتأكد من صدق حدسه، فقبل أكثر من عشر سنوات، نسفت قواتالاحتلال، لغرض شق طريق التفافي استيطاني يربط القدس بمستوطنات في المنطقة، أجزاءمن جبل المسطاح الذي تقع فيه أرض خليفة، وأدى ذلك لتخريب وانهيارات ما زالت مستمرةفي الجبل، ولكن أيضا كشفت عن نبع ماء تدفق في كل الاتجاهات.
يقول ياسر خليفة،الصامد في أرضه على حدود وادي الصرار، بجوار سكة الحديد، التي اعتبرت بمثابة خطالهدنة عام 1948: “عندما ظهر النبع، كان جدي خليفة، قد تجاوز الخامسة والثمانين،ابلغناه بالأمر، وكان ذلك قبل وفاته بفترة قصيرة، وكأنه عاش ليتأكد مما بحث عنهطوال عمره. لقد سمينا العين الجديدة: عين موسى تكريما له“.
ويضيف: “استحضر الآنكلماته، عندما كنا أطفالا نرعى الغنم، يجمعنا حوله ويقول لنا: يا أحفادي توجد هناعين ماء، وكنا نراه يحفر بأدوات بدائية، ونعبر عن خشيتنا عليه من انهيار الجبل،خصوصا بعد ان تعمق في الحفر إلى نحو عشرين مترا في باطن الجبل، كان يجيبنا دائما: ما دام فيه طيّون يوجد ماء“.
ويقول خليفة، ان شق الشارع الالتفافي، لم يؤد فقطإلى سرقة المزيد من الأرض، وتدمير الآثار، لكن أيضا: “ادى إلى تجريف قبري جدي عبدالرحمن حجاجلة وزوجته حلوة، بالقرب من دار عمي حسن خليفة الدار الوحيدة الصامدة منفي منطقة أبو الهوى وهي القسم الشرقي من الولجة“.
ويضيف خليفة: “عندما فجرالإسرائيليون الجبل، وضعوا كميات كبيرة من المتفجرات، فانبثق من باطن الأرض، مااسميه نهرا من المياه، وانهيارات لم تنته في الجبل، شوشت على مخططاتهم بشأن الشوارعالالتفافية، والجدار الفاصل الذي اصبحت أرضي الآن خلفه بأكثر من نصفكيلومتر“.
ياسر خليفة، يعمل وحده في استصلاح الأرض في تلك المنطقة، بعد ان هجرهامعظم أصحابها، بسبب اجراءات الاحتلال، وعمد إلى مدّ انبوب بلاستيكي من عين موسى،لسقاية مزروعاته من الحمص، والفول، والشعير.
يقول خليفة: ان رابطة قوية تربطهبهذه الأرض، حيث يهتم بنحو 3-40 دونما وحده، ويأتي اليها بعد انتهاء دوامه كموظف فيوزارة شؤون الأسرى والمحررين.
وبنى خليفة حوضا صغيرا لتجميع المياه، بصعوبة، حيثنقل المواد على حمار استأجره، ووضع بضعة أسماك حمراء في الحوض.
لكن الأمور لاتسير دائما بسهولة نسبية في تلك المنطقة، فمجموعة من المستوطنين المتدينين، وصلتإلى عين موسى وبنوا مغطسا صغيرا كي يتعمدوا فيه ويمارسوا طقوس الطهارة، وفي أحيانكثيرة ينزعون الأنبوب البلاستيكي الذي يستفيد منه ياسر خليفة، أو يخربونه، لذا فهوفي حالة صراع مستمرة معهم حول العين.
لكنه يفخر بأنه سبقهم بتسمية العين، فحتىالآن، لم يعثر المستوطنون على اسم للعين الجديدة، التي حدس وجودها أحد ابناء أرضها،ولم يرحل الا بعد ان تأكد من وجودها.
وقال خليفة: “أشعر الآن بفخر لا حدود لهبوضع اسم العين في مطبوعة، لتدخل لأول مرة، الجغرافيا الفلسطينية“.
الحياة الجديدة- أسامة العيسة.
