حديث الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي إلى قناة الجزيرة، التي أجرته معه الإعلاميةاللامعة والقديرة خديجة بن قنه، أثار اهتماماً واسعاً على مستوى كافة القوىالسياسية المصرية، وعلى مستوى الرأي العام في المنطقة والمهتمين في العالم، لأنهيتحدث عن قضايا متعددة تخص مصر والجوار وتخص المنطقة كلها.
و من الطبيعي أن يثيرهذا الحديث المهم اهتمام الطرف الفلسطيني، ففي رده على أحد الأسئلة المتعلقة عن ماينشر من أخبار وتحليلات أن مصر في ظل حكم الاخوان المسلمين ستعطي حركة حماس في قطاعغزة أرضا مصرية، قال الرئيس محمد مرسي: إن أرض مصر حرام على غيرالمصريين.
السؤال نفسه والنفي القاطع من قبل الرئيس محمد مرسي يدل على أن هناكعيونا مفتوحة في داخل مصر وخارجها على أدق التفاصيل، وقراءة منتبهة جداً لكل مايجري وخاصة على مستوى نمط العلاقة القائمة بين حركة حماس في غزة والاخوان المسلمينفي مصر، وما يدور حول هذه العلاقة من ملاحظات وتحليلات واتهامات يصل بعضها إلى حدالمبالغة، مثل الاتهام بقتل الجنود المصريين الستة عشر في منطقة رفح أثناء تناولهمطعام الإفطار في شهر رمضان الماضي، وكذلك الاتهامات في مشاركة حماس في مداهمةالسجون المصرية في بداية الثورة وإخراج آلاف السجناء من داخلها ومن بينهم الدكتورمحمد مرسي نفسه!!!
وأن حركة حماس أرسلت أعداداً كبيرة من عناصرها المسلحة لحمايةالدكتور مرسي بعض أن أصبح رئيساً ثم الاتهام الأخطر بأن مصر في ظل الاخوان المسلمينستعطي حركة حماس أرضاً في سيناء لإقامة مشروعها المنسلخ عن المشروع الوطنيالفلسطيني!
في العادة، فإن مصر تحت ضغط الرأي العام المصري تحقق في كل هذهالاتهامات دون إعلان أية نتائج محددة حتى الآن، وكانت حماس تنفي بطرق متعددة علىلسان قيادييها والمتحدثين باسمها، ولكن هذه المرة جاء النفي من الرئيس المصري نفسه،وفي سياق أسئلة كثيرة وساخنة وجهتها الإعلامية خديجة بن قنة لم تترك فيها شيئاً دونسؤال.
و قبل هذا الحديث بيوم أو يومين كان مصدر عسكري مصري قد رد على الاتهاماتالإسرائيلية بإطلاق الصاروخين اللذين استهدفا إيلات من سيناء، وهما الصاروخاناللذان أعلنت المسؤولية عنهما مجموعة تطلق على نفسها اسم مجلس شورى المجاهدين فيأكناف بيت المقدس، فردت القوات المسلحة المصرية بأنها تحقق بالأمر، ثم جاء المصدرالعسكري المصري بعد ذلك ليعلن أن الصاروخين أطلقا من قطاع غزة وليس من سيناء!
وهذه ملاحظة يجب التوقف عندها، لأن المصدر العسكري لم يكتف بنفي المسؤولية عن مصر،وإنما وجهها إلى مرتكبيها في قطاع غزة الذين أي كانوا، فإن حركة حماس بحكم الأمرالواقع تتحمل المسؤولية، خاصة وأن مصر هي الوسيط الدائم في كل اتفاقات التهدئة التيعقدتها حركة حماس مع إسرائيل في السنوات الماضية الماضية.
بدون شك: فإن الكثيرمن هذه الاتهامات ضد حركة حماس الصادرة من القوى السياسية المصرية، ناجمة في الأساسعن حدة الاستقطاب السياسي في مصر ومحاولة الأطراف المتصارعة أن تلقي بالتهم جزافاًعلى بعضها وعلى حلفاء خصومها!!!
ولكن لا بد من سؤال هنا، لماذا منذ قيام الثورةالمصرية منذ سنتين وبضعة شهور لا تزال الاتهامات تتوالى من الأطراف المصرية ضد حركةحماس بشكل رئيسي؟
وأعتقد أن الجواب يكمن في أن مشروع حركة حماس الذي ليس جزءاًمن المشروع الوطني الفلسطيني ولا تحت سقفه، هو الذي يجعل هذه الاتهامات قائمةومستمرة، مع أن بعضها غير منطقي بالمرة!!!
وهذا أخطر وضع ممكن أن تصل إليهمجموعة سياسية، حين تفقد غطاءها الشرعي الوطني وحين تدعي أن لها مشروعها الخاصالخارج عن مشروع الإجماع، فيصبح وضعها ملتبساً، وتتآكل مصداقيتها مع الوقت، وتتداخلرهاناتها دون أن تدرك بأن تشويه السمعة المستمر نتيجة التشبث بالرهانات الخاطئةوالوهمية، يكلف الأغلبية الساحقة في قطاع غزة خسائر فادحة على كافة الأصعدة، ويجعلصورة قطاع غزة المحصور بين الماء والصحراء على غير حقيقتها وكأنه ساحة خلفيةللإرهاب!!!
و هذا ليس حقيقيا على الإطلاق لقد صدقت حركة حماس في السنوات الستالأخيرة كل أنواع الوعود الغامضة، وركضت وراء السراب والأوهام، ودبجت المدائح في كلمن أعطاها إيماءة ولو عابرة، وحولت قطاع غزة على الصعيد الاجتماعي والثقافيوالاقتصادي إلى حقل تجارب، فهل كل ذلك أغناها في شيء؟
والجواب بالنفي طبعاً،لأن قطاع غزة لا يمكن موضوعياً أن يعيش ويستقر دون أن يكون جزءاً عضوياً من المشروعالوطني الفلسطيني، وليس بديلاً عنه أو متناقضاً معه كما هو الآن.
الحياة الجديدة.