القاهرة، واشنطن/ نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الاميركية لمراسلها توماس مانيتا قال فيه ان ضاحية الدرب الاحمر في القاهرة شهدت بعد الثورة انطلاقة في عمليات البناء، وان كان معظم تلك المباني تنقصه المهارة المهنية في الانشاءات، وان الشواهد في مصر بعد الثورة ليس مجرد اضطرابات واغتصاب، وانما هو التعقيد في حركة السير الهائلة والاقتتال الطائفي. وفيما يلي نص المقال:
بعد انقضاء عامين على الثورة، فان السكان من الطبقة العاملة في تلك الضاحية الهائلة، وقد ارهقهم عدم وجود طريق يربط بينهم وبين الطريق الدائري الذي يمتد لـ45 ميلا، قرروا ان يحققوا بانفسهم ما يطالبون به. ففي غياب حكومة فاعلة، قاموا ببناء ممر باستخدام الرمال والنفايات. ودعوا الشرطة الى فتح كشك لهم عند التقاطع.
وتعتبر عمليات بناء البنية التحتية على هذا النطاق حتى ولو كان ذلك في القاهرة امرا ليس عاديا. فقد غضت حكومة حسني مبارك لسنوات النظر عن ملايين القاهريين الفقراء الذين قاموا ببناء مساكن من دون تراخيص على قطع خاصة من الاراضي الزراعية وفي مواقع مثل ارض اللواء.
غير ان التسارع في البناء غير القانوني بعد الثورة ازداد نشاطا، مثلما هو الحال في مناطق اخرى. فالى جانب انتشار الخربشات على الجدران والباعة في الطرقات الذين يسدون الممرات الى المدينة، فان هذه الانطلاقة اما انها دليل على سلطة الشعب بعد الثورة او على الفوضى، حسب ما ينظر اليها المرء.
وقال عمر ناجي، وهو مهندس مصري شاب “هذه الثورة قامت من اجل اصلاح الظلم في المواقع الحضرية وايجاد اماكن عامة. واصبح ابناء الشعب يدركون الان ان لهم الحق ان يقرروا ما الذي يحدث في شوارعهم، وما يجري بالنسبة لضواحيهم. وهذا يعني ان هناك سباقا على الملكية في انحاء مصر: بشأن من يملك هذه المساحة، ومن يقرر لمن تعود المساحة”.
ومصر هي في الواقع الارض، وليس مجرد ميدان التحرير. والقاهرة ليست في كل مكان كل الوقت في اضطراب. والمدينة تجعلك تشعر بالاندهاش. فقد قمت بزيارة الدرب الاحمر بعد ان سمعت ان هناك مشاعر غضب عارمة حيث قام اصحاب شركات الانشاءات بازالة المساكن القديمة بصورة غير شرعية لاقامة شقق سكنية مكررة.
قالت ياسمين الدرغمي، محررة نشرة “الرأي” انه “ليست هناك قوة لحفظ القانون، وهناك الكثير من الحكايات التي تروى كل يوم، من ان معظم الناس لا يأبهون لاي شيء”.
ذهبت بصحبة زميلة هي منى النجار لاشهد الامر بنفسي. وجدنا محمد سعيد يقف عن زاوية الطريق. شاب نحيف في التاسعة عشرة من العمر، تبرع بان يطلعنا على ما بني مؤخرا. قادنا سعيد من زقاق الى اخر، ومررنا باكوام من النفايات وبمساكن تهدمت، ورأينا عددا اخر من الشبان. يبدو انهم يعرفون سعيد، ساروا خلفنا ولم تكن هناك اي قوة للشرطة.
وصلنا الى ممر ضيق ينتهي بساحة لمسكن قديم لا تدخله الشمس. سألت: اين نحن الان؟
قال سعيد هنا تعيش عائلات كثيرة وقد حشرت مع بعضها البعض. واضاف ان الذين قاموا بعمليات الهدم عرضوا على السكان اموالا لمغادرة مساكنهم وشققا جديدا للاقامة. وقال “عندما تكون تعيش في غرفة ضيقة ويأتي شخص ليعرض ما هو افضل، هل ترفض ذلك؟”.
غير ان الحقيقة المرة هي ان القاهرة لم تشهد لعدة عقود اعمال بناء معماري بنوعية جيدة، اذ لم تتبنى لا حكومة مبارك ولا حكومة الاخوان اسلوبا تقدميا في تخطيط المدن.
الا ان حكومة حسني مبارك انشأت طرقات سريعة لتمكين الاثرياء من المرور بسهولة. وقمت بزيارة احدى هذه المستوطنات، مرتفعات القطمية، حيث ملعب غولف وقرية صغيرة للتسوق حيث كتبت اليافطات بالانغليزية وحيث تختفي الفلل الفاخرة خلف جدران من الشجيرات.
في الوقت ذاته، فان المظاهرات في ميدان التحرير جمعت كما قال محمد الشاهد، محرر نشرة “مراقب القاهرة” على الانترنيت”، بين الاف من الشعب من مختلف الفئات، ومن كل انحاء المدينة، لتعريفهم بالحياة الحضرية البديلة عن الانشاءات الحضرية في القاهرة “.
وقالت مي الابرشي، وهي مهندسة معمارية، “ما تغيير حقيقة هو ان القاهرة كانت المكان الذين يتلقى المرء فيه توجيهات اين يمكنه ان يجلس او يسير، وما يسمح له بفعله او قوله. وهذا الحق الجديد للتعبير عن انفسنا في الشارع ليس عملا بسيطا ولا هو رفاهية.
“فالشارع لم يكن ملكية عامة. لكنه اليوم كذلك”.
