
كتب يوسف الشايب: مع أنها درست بادئ الأمر الرياضيات والفيزياء، إلا أن رلى حلواني، المصوّرة والفنانة الفلسطينية، باتت، مع مرور الوقت والمشاريع الفنية، واحدة من أبرز الأسماء العربية في أوروبا، وليس مبالغة إن قلنا في العالم، مع أن رحلتها بدأت مصادفة، حين تعرفت في سنتها الجامعية الرابعة على فتاة تدرس التصوير حيث كانتا تقيمان في كندا، وكان ذلك في العام 1986.
ومنذ دورة التصوير الأولى لمس أستاذها الكندي موهبتها الكبيرة في التصوير الفوتوغرافي كفن، بعد أن كان رفض التحاقها بدوره، لعدم امتلاكها حتى المفاتيح الأساسية لهذا العالم، ومع التصوير ارتفع منسوب اهتمامها بالسياسة، بعد أن كان منخفضاً إلى درجة كبيرة حين كانت تقيم في فلسطين، التي باتت تشكل بوصلتها الأساس في جلّ مشاريعها الفنيّة لاحقاً، مع أن والدها وأشقاءها تعرضوا للسجن في زنازين الاحتلال أكثر من مرة، ولفترات متفاوتة.
مشروعها الفني الأول، عكس شغفاً لم يكن بعالم السياسة، ورغبة في نقل حقيقة ما يجري في فلسطين إلى العالم، فكان حول التهجير، بشكل أو بآخر، ولكن دون شعارات أو صراخ، فشكلت صورها المعالجة انعكاساً لحكاية أسرتها، فاستعانت بطفلتين لتجسداها وشقيقتها، وكأنهما جزء من المأساة الفلسطينية، التي تواصلت في هذا المشروع بصور مُركبّة بطريقة فنيّة (فوتو مونتاج) حول مجزرة صبرا وشاتيلا.. كان ذلك مشروعها الفنّي الأول كطالبة تصوير، وكان ذلك في العام 1987.
وكان مشروعها الثاني يتعلق بالنحت، فبعد أن شكلت منحوتة لرجل يجلس على مقعد، قامت بتحطيمه وتصويره، مرحلة تتلو أخرى، ما أثار حفيظة أستاذ النحت، لكن فكرة هدم المنحوتة وتوثيق عملية الهدم استهوته، خاصة بعد أن شرحت له الدلالات المتعلقة بكون هذا الرجل يمثل فلسطين التي يجري هدمها تارة ببطء وتارة بتسارع أكثر، وأن الشجرة حيث كان يجلس بالقرب منها ترمز إلى الحروب، وقد نفذت المشروع مستعينة بضوء سيّارة، هي التي لا تزال تستخدم هذا الضوء كمصدر إنارة في عديد مشاريعها الفنيّة حتى أيامنا هذه.
حين عادت حلواني إلى فلسطين، كانت اتخذت قراراً بأن تقتحم ميدان التصوير الصحافي، ولكن بشكل مؤقت، لكونها عادت منبهرة بهالة انتفاضة الحجارة، ويهمها التعرف على الكثير من تفاصيلها، مشيرة إلى أن نقطة التحوّل كانت مع تصويرها جنازة الطفل الشهيد نضال العربوشي في نابلس، حتى إنها حين عادت إلى منزلها تملكتها نوبة من الصراخ حول جدوى الموت في سبيل الأرض، لافتة إلى أنها كانت على الدوام في حالة صراع جدلي مع والدها حول السبق في الأهمية، وأيهما أكثر جدوى لفلسطين: ناسها أم أرضها!
وانخرطت حلواني في التصوير الصحافي، وباتت تعيش حكايات الناس انطلاقاً من الميدان، حيث المواجهات، وحيث لكل وعائلته حكاية، وهو ما سعت إلى عكسه في صورها عالمياً، حتى أنها اعتقلت عدّة مرات على يد قوات الاحتلال، وتعرّضت لإطلاق النار أكثر من مرّة، بل وأصيب برصاص مطاطي أيضاً، هي التي كانت تخطط ألا تزيد مدّة عملها في التصوير الصحافي على أشهر عدّة، لتواصل في هذا الميدان، العمل لما يزيد على ثماني سنوات، منذ العام 1989 وحتى العام 1997، وهي الفترة التي عرّفتها أكثر على فلسطين وناسها.
وتذكّرت حلواني، خلالها حديثها عن تجربتها في مقر مؤسسة عبد المحسن القطان بمدينة رام الله، قبل أشهر، حكاية تلك الصورة في أبو ديس، حين وجدت نفسها وحدها في مواجهة مستوطن ترجل من سيارته، وصوب سلاحه الأوتوماتيكي جهتها، فما كان منها إلا أن وضعت كاميراتها فوق رأسها، وارتمت أرضاً معتقدة أنها النهاية، فما كان منه إلا أنه بات يضحك بصوتٍ مرتفع، فما كان منها إلا أن هربت لتنجو من موت كان يبدو محققاً، وهي حادثة ظلّت تلقي بظلالها عليها لأيام عدّة، ولا تزال تعلق في ذاكرتها، رغم مرور قرابة ربع قرن على الحادثة.
كما شددت حلواني على تلك الصورة التي كانت قد كبّرتها ووضعتها في غرفتها، وهي للاستقبال الجماهيري الأول للرئيس الشهيد ياسر عرفات، عند عودته إلى أرض فلسطين.
وثمة حادثة دفعتها لهجر عالم التصوير الصحافي، وتحديداً حين كانت في الخليل ذات يوم في تسعينيات القرن الماضي.. “كنتُ أصوّر مواجهات في الخليل، وكان ثمّة شابٌ في عمر السادسة عشرة، وكنت تحدثت معه أكثر من مرة بينما يلهو ورفاقه، وكان يسألني عادة عن الكاميرا والتصوير.. أصيب وهو يرمي الحجارة على جنود الاحتلال، ثم عاود وهو يعرج وواصل رمي الحجارة، حتى أصيب برصاصة ثانية، التقطت صورة له، وكان الخوف يتملكني على مصيره، لكني غادرت المنطقة بعد أن ارتفع منسوب الخطورة فيها، وما إن وصلت المكتب حتى علمت باستشهاده.. حين دققتُ في الصورة، ووجدت أنه استشهد ولا يزال يمسك الحجر بيده، شيء ما تغير في داخلي، ومن حينها تركتُ العمل بالتصوير الصحافي الميداني، وقررت العودة إلى الفن من بوابة الفوتوغرافيا”.
حصلت حلواني على عدة إقامات فنيّة خارج فلسطين، وتحديداً في الولايات المتحدة وأوروبا، وخاصة فرنسا، وحصلت على درجة الماجستير، وبدأت تدريس التصوير بالتوازي مع إقامة مشاريع فنيّة بالاتكاء على التصوير، وبما يحاكي الرواية الفلسطينية بطرائق مغايرة على مستوى الشكل والمضمون، في آن.
كان من بين هذه المشاريع الفنية، ذلك الموسوم بـ”اجتياح سلبي”، ويناقش حال البلاد بعد عشر سنوات على توقيع اتفاقيات “أوسلو”، “غير منطقي”، وهو مشروع فنّي فوتوغرافي حول الاستيطان، و”ألفة” الذي سلطت الضوء فيه على معاناة العابرين إلى ومن القدس عبر “قلنديا”، و”بيض وخبز نيّئ”، وتناولت فيه بالصور حكاية نوال نخلة في مخيم الجلزون للاجئين الفلسطينيين قرب مدينة رام الله، هي المولودة بعد نكبة العام 1948 بعامين، حيث لا صور فوتوغرافية إلا واحدة توثق وجود أسرتها قبل التهجير، مع أن ذاكرتها تحوي الكثير من الصور التي ورثتها من حكايات عن والديها، منها كيف أن والدتها تركت البيض نيئاً قبل أن تغادر أرضها ومنزلها مضطرة لعلها تنجو وعائلتها، وهو ما كان.
وفي معرض “المفتاح”، سلطت حلواني الضوء على حكاية الستينية ثريا فرح، وكان قد تمّ تهجير أسرتها من قرية “زكريا” العام 1948، لتعيش في مخيم “العروب” للاجئين الفلسطينيين قرب مدينة الخليل، وفي معرضها “شِعر”، وثقت بكاميرتها شيئاً حول محمد إبراهيم العزة المُهجّر من “تل الصافي” قرب الخليل في العام 1948، واشتهر بكتابة القصائد منذ كان طالباً في مدارسها، قبل النكبة بأعوام، وبقي على قيد الكتابة لعقود طويلة من حيث يعيش في مخيم الدهيشة للاجئين في بيت لحم، علاوة على صور أرشيفية له عالجتها بطريقتها، كان من بينها صورة له في يافا وهو على دراجته الهوائية، ما يُظهر أن الحواضر الفلسطينية المحتلة في العام 1948، وما حولها، كانت عواصم ثقافية بامتياز، أما مشروعها “إلى أبي” (2015)، فكان إهداء إلى والدها.
وفي “القدس تنادي”، لم تتجه حلواني نحو الأرشيف، بل كانت مصادفة قادتها إليه، وتحديداً “الإذاعة الفلسطينية” التي أسستها سلطات الانتداب البريطاني، وذلك “بهدف إبعاد الفلسطينيين عن السياسة، وإشغالهم بالإنتاجات الموسيقية والفنيّة”، مع أن العديد من الأدوار الوطنية للقائمين عليها برزت في محطات عدّة، ما دفع العصابات الصهيونية إلى تدمير موقعها في القدس، وتحديداً في “عقبة درويش”، لينتقل موقعها إلى منطقة “الإرسال” في رام الله.. “ما فعلته في هذا المشروع، هو أنني وجهت دعوة لأبرز موسيقيي وفناني الإذاعة الفلسطينية، ليقدموا عرضاً من نوع آخر في القدس، وكان ذلك عبر الصورة، حيث حضرت صورهم على جدران أزقة البلدة القديمة في القدس، وبوابات محالها التجارية المغلقة، بحيث رافقت الصور مقطوعات من الموسيقى الأصلية التي أنتجها مبدعون فلسطينيون وعرب من ذوي الشهرة الواسعة، حينذاك، وبعضهم إلى يومنا هذا رغم مرور عقود على رحيلهم، وعلى احتلال القدس وفلسطين”.
وتكوّن مشروع حلواني “العروس جميلة لكنها تزوجت من آخر”، في إشارة إلى فلسطين، من أجزاء عدّة، بحيث جاءت الفكرة من حكاية متضامنة أميركية حامل كانت تنوي التوجه إلى قطاع غزة، فحذرها طبيبها من ماكينات الأشعة في المعابر الإسرائيلية، لخطورتها على الأجنة، ومن حكاية سيّدة غزيّة تدهورت حالتها الصحية بعد أن عبرت في هذه الماكينات لحدوث خلل في جهاز تنظيم ضربات القلب المزروع داخلها، ولإنجازه توجهت إلى حاجزي قلنديا وبيت لحم، ومن هناك توسّعت الفكرة لتظهر كيف تقسّم هذه الحواجز فلسطين إلى كانتونات، ومن ثم قامت بمعالجة الصور لتتحول إلى ما يحاكي تلك الصور الصادرة عن ماكينات الفحص بالأشعة (إكس راي).
ومؤخراً، انتهت حلواني من الجزء الأول، وتعدّ للجزء الثاني من مشروعها الفني “إلى أمّي”، والذي جاء بطلب منها بعد أن شاهدت مشروع ابنتها “إلى أبي”.
وحلواني من مواليد القدس العام 1964، وهي عضو الهيئة الأكاديمية في كلية الفنون والموسيقى والتصميم بجامعة بيرزيت، اليوم، وحصدت عديد الجوائز في مشوارها الفنّي المتواصل، كان آخرها في نهاية آذار الماضي، بحصولها على جائزة الشيخ سعود آل ثاني للمشاريع الفوتوغرافية للعام 2021، لدورها في توثيق التراث والتاريخ والمعاناة اليومية للفلسطينيين.
الايام