الرئيسية زوايا أقلام واراء غطرسة القوة بقلم :د. وحيد عبدالمجيد

غطرسة القوة بقلم :د. وحيد عبدالمجيد

أمد/ يصعب أن نجد بين السياسيين الأمريكيين الآن من يستطيع إدراك موطن الخلل الأكثر أهمية فى تجربتى غزو أفغانستان والعراق، على ما بينهما من اختلاف، والارتفاع عقليًا وأخلاقيًا إلى المستوى اللازم لسبر أغوارهما. ليس فى الطبقة السياسية الأمريكية اليوم من يشبه السناتور الراحل ويليام فولبرايت أول من نبه إلى أخطار غطرسة القوة التى تُعد المدخل الرئيسى لفهم فشل الولايات المتحدة فى حروبها التى خاضتها من فيتنام إلى أفغانستان. مازال كتاب فولبرايت غطرسة القوة الصادر عام 1966 عملاً لا يُضاهى عما فعلته إدارات أمريكية متوالية منذ أواخر الخمسينيات. فهو من نوع الكتب التى تزداد قيمتها بمرور الزمن، إذ جمع مؤلفه بين خبرة رئاسته لجنة العلاقات الخارجية فى مجلس الشيوخ، وثقافة سياسية واسعة، فضلاً عن نزعته الأخلاقية التى لم يحد عنها حتى رحيله. ويصعب حصر المواقف التى كان أول من تبناها. فمن دعوته المبكرة قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى تأسيس منظمة دولية لحفظ الأمن والسلم، إلى معارضته التصعيد ضد كوبا وقيادته حملةً ضد التورط فى فيتنام، مرورًا بإدانته ضرب هيروشيما وناجازاكى بالقنابل الذرية، لم يسقط ناقوس الإنذار من يده. امتلك فولبرايت الشجاعة الضرورية لمخالفة الاتجاه السائد فى السياسة الخارجية الأمريكية على مدى عقود، بما فى ذلك الحرب الباردة التى دعا إلى إنهائها حين كانت فى أوجها، وتحقيق مصالحة شاملة مع الاتحاد السوفيتى ومعسكره، ووقف الحملات التى رآها ظالمة ضد الشيوعية، وذكَّر بأنها ليست شرًا مُطلقًا، مثلما لا تُعد الرأسمالية خيرًا كاملاً. غير أن أهم ما حاول التنبيه إليه هو الخطر الفادح للقوة حين تنفلت من القيم، ويُستسهل استخدامها سعيًا إلى فرض النموذج الأمريكى فى مجتمعات ذات ثقافات مختلفة.وتوقع فشل هذا المنهج لأن أى تغيير ناجح لابد أن ينبع من داخل هذه المجتمعات. كما حذر من خطر اعتقاد الأقوى أنه الأرقى، وأنه يحمل رسالة عالمية يحاول فرضها بالقوة. ما أشد حاجة أمريكا اليوم إلى أمثال فولبرايت .. إلى من يقفون بشجاعة ضد سياسات طمست وجه أمريكا الإنسانى .. أمريكا إبراهام لينكولن.

Exit mobile version