ربما لأنني ارتدت المدرسة أول الأمر في باليرمو في صقلية، أنني دائماً ما وجدت سلوك كوريا الشمالية منطقياً كله وشفافاً بالكامل. ففي كلا المكانين، يمارس الابتزاز بواسطة التخويف بشكل روتيني، ولو أنه يُمارس ببراعة أكبر في صقلية.
ولا تعود الشفافية لأي شيء كشف عنه تسلسل حكام كوريا الشمالية الذين من العبث توقع أي تغيير في السياسة منهم -فقط لأن الحاكم السابق أحب الطعام الياباني ونجوم السينما، أو لأن كيم الحالي أمضى بعض الوقت في مدرسة داخلية سويسرية. إن النظام -السابق والحالي- يستمر في تجاوز حتى الاتحاد السوفياتي أيام ستالين في سريته المطبقة، لكن الواضح المتبقي أمام الأنظر هو أكثر من كاف لتفسير موقفه العدائي بشكل مسعور.
لا يمكن حتى للزوار الذين تتم مرافقتهم عن كثب إلى العدد القليل جداً من المواقع المسموح بزيارتها في كوريا الشمالية، تفويت الدلائل الواضحة. ولتأخذ المطعم رقم واحد في بيونغيانغ، مطعم “دك باربكيو”، أو المطعم العائم رقم واحد في بيونغيانع، بيولموري (مقهى “سويسري”) أو مقهى “هيلمزت ساشرز كافيه” النمساوي -من بين القليل من المطاعم التي تقدم وجبات حسب المطابخ الأجنبية في البلد برمته، بالإضافة إلى جانب مقاصف جيلين الصينية في منطقة الحدود. إن قدرة المرء على تناول طعام قابل للأكل في بيولموري هو ظاهرة مشهدية، لكن الأكثر كشفاً أن المقهيين يقدمان قهوة موثوقة مستخرجة فعلاً من حبوب البن الحقيقية.
تتجمع كل المتاعب الاقتصادية المتنوعة والمتطرفة في كوريا الشمالية في نقص العملة الأجنبية المعيق لديها. وبمجرد استخدام معظمها في استيراد المكونات العسكرية، والمؤن، والأنظمة المساعدة من الصين (بما في ذلك عربات إطلاق صواريخها الباليستية) يتبقى القليل من العملات الأجنبية للتبادل. ولا يوجد عملياً أي قدر منها لاستيراد الآلات اللازمة لإعادة إطلاق عملية التصنيع القديمة البائسة، والتي تتعثر باستخدامها الماكينات السوفياتية القديمة، وحتى بعض المعدات اليابانية التي تعود لسنوات الثلاثينيات. ولا توجد عملة أجنبية لاستيراد أدوية حديثة للناس الذين يجب أن يتدبروا أمرهم بالمخلفات الكورية الشمالية للمخلفات الصينية التي تخلصت منها الوكالات الغربية. ولا توجد عملة أجنبية لاستيراد حتى أرخص أنواع النشويات -الذرة والقمح من الدرجة الدنيا- في وقت تفشل فيه المحاصيل، ويتكرر فيه حدوث المجاعات المميتة.
ومع ذلك، ثمة ما يكفي من العملة الأجنبية لاستيراد حبوب البن المقطرة في مطعم “بيولموري” و”هيلموت ساشرز كافيه”. وتفسر الأبقار نصف المتضورة جوعاً، والتي تشاهد أحياناً وهي ترعى في الحقول المحصودة، ذلك الترف غير المرغوب فيه والذي يقدم في المطاعم الراقية، ولو أن مياه كوريا الشمالية تبلي أفضل في إنتاج أطباق الحبار والسمك التي يقدم في المطعم البحري العائم. ولكن، وبغية شراء قهوة اسبريسو جيدة، وجد المسؤولون الذين يحددون العملة الأجنبية -وبشكل أتوماتيكي، القوة العظمى في الكوكب- بوضوح أن من الضروري تنحية أولويات أخرى جانباً من أجل استيراد حبوب البن المحمص. وبطبيعة الحال، لن يفسر أي من ذلك شيئاً لو كانت هذه في الأساس مؤسسات سياحية يتم تشغيلها لكسب عملة أجنبية. كان جسد ستالين قد برد بالكاد عندما فتحت الأنظمة الشيوعية الأبواب أمام الأعمال التجارية التي تتعامل بالعملة الأجنبية؛ كالحوانيت والفنادق والمطاعم والبارات (التي لا تفتقر إلى أصحاب العملة الصعبة)، والتي ما تزال تشكل صناعة كوبا الناجحة الوحيدة.
لكن مطاعم بيونغيانغ فائقة الجودة ليست كذلك. ثمة قلة من السياح الأجانب الذين ينتهي بهم المطاف إلى تناول طعام العشاء هناك كطريقة للابتعاد عن مقاصف الفنادق، سوية مع حفنة من موظفي المنظمات غير الحكومية المحبين للإنسانية (الذين لا يفوتون الفخامة أبداً، فيترددون على هذه الأماكن). لكن كلتا المجموعتين أصغر كثيراً من أن تحدثا تأثيراً. ومعظم الزبائن هم من الكوريين الشماليين الذي يصنفون وفق طبقتين متمايزتين كلية. الأولى: رجال رصينون وبخلاء (ونادراً نساء) في بذلات كورية شمالية زرقاء تقليدية، مستثارون بوضوح بسبب الترف الأجنبي الفخم المعروض -أعضاء من وفود متوسطي المستوى من قريب أو بعيد، والذين جادلوا من أجل الدخول أو كسبوه من شيء ما. وتكون الطبقة الثانية من أفراد أو أزواج مهندمين بشكل أفضل بكثير، والذين يأكلون ويشربون وكأن احتساء القهوة الحقيقية طقس يومي بالنسبة لهم. ومن المرجح أن يكون هؤلاء آباء الأولاد الذين يشاهدون وهم يركبون المراجيح الدوارة متعددة الألوان التي تم استيرادها من إيطاليا. (وبما أن هذه هي أرض كيم يونغ أون المهيب، فإن هؤلاء هم أبناء الطبقة الثرية السمينين ومكوري الخدود بشكل مميز، في بلد حيث معظم الأولاد هم في وزن أقل من الوزن الطبيعي لأقرانهم). كلا، إن هؤلاء الآكلين ليسوا كاسبي النظام الرأسمالي المجاني للجميع والرواد وكبار مسؤولي الشركات الكبرى أو نجوم الرياضات: إنهم المسؤولون رفيعو المستوى أو الضباط العسكريون وعائلاتهم الذين يدعمون سلالة كيم ويكسبون الحصص من عطاياه.
وثمة “نظام قصر” هو الذي يحرك النظام وسياساته جميعاً: من أجل الإبقاء على العبيد في معتزل مقطوع عن العالم الخارجي، يحافظ الحكام على موقف عدواني لا هوادة فيه عاماً بعد عام، وعقداً في إثر عقد. وحتى مع عدم اندلاع أي حرب منذ جيلين، فإن الحياة في كوريا الشمالية مؤطرة بدعاية غير متوقفة للحرب، ورقابة حرب وحكم عرفي، وفوق كل شيء اقتصاد حرب مخطط مركزياً حيث يتم تخصيص الموارد بدلاً من تبادلها.
لكن الإسقاط الداخلي للعدوانية ليس كافياً، لأن الاقتصاد الكوري الشمالي على درجة عالية من عدم الإنتاجية، وخصوصا على صعيد كسب العملة الأجنبية. ولتغذية نظام القصر، فإنه يجب على كوريا الشمالية أن تستخلص المكافآت من العالم الخارجي: البعض من ابتزاز المنظمات غير الحكومية (المساعدات الغذائية التي تسمح بتخصيص إنتاج الغذاء المحلي لجرايات الجيش) والبعض من الولايات المتحدة واليابان في مقابل وعود بيونغيانغ النووية (التي لا يتم الوفاء بها أبداً) لكن المعظم يأتي من الأقارب الكوريين الجنوبيين (الذين يتم كسب المكافآت منهم عبر استخدام التخويف المفضوح). وكان الرئيس الكوري الجنوبي، كيم داو ينغ قد حاز على جائزة نوبل للسلام في العام 2000 بسبب انعقاد القمة التصالحية غير المسبوقة التي عقدها مع كيم يونغ إيل، وهي لحظة بدا فيها أن السلام -بل وحتى إعادة التوحد- باتا وشيكين. لكن الحقيقة تبينت لاحقاً وحسب، فقد تم شراء القمة في مقابل 100 مليون دولار نقداً. ولا غرابة أنها لم تفض إلى شيء.
لكونها غير راغبة في ردع كوريا الشمالية -وهو ما كان سيستدعي الاستعداد للرد على هجماتها الدموية بين حين وآخر واستفزازاتها المستمرة التي تسبب المشاكل للقطاع التجاري وتعيق سوق البورصة في سول- فضلت كوريا الجنوبية تسديد الفواتير للنظام في شكل حقن موسمية من الوقود والمساعدات الغذائية، لكن ذلك تم في معظم الأحيان عبر المنطقة الصناعية “كايسونغ” بين الشمال والجنوب حيث يتقاضى نحو 80.000 عامل كوري شمالي أجوراً جيدة نسبياً من الشركات الكورية الجنوبية. ويتلقى العمال أنفسهم القليل من أجورهم التي يتم تحويل معظمها إلى بيونغيانغ وتشكل المصدر الأضخم الدائم للعملة الأجنبية للشمال. وحتى في ظل رؤساء كوريين جنوبيين يفترض أنهم ينتهجون “خطاً متشدداً” فقد استمر التحويل عبر كياسونغ، ولم يتوقف عندما أغرق الشمال السفينة الحربية الكورية الجنوبية “تشيونان” ما أسفر عن مقتل 46 بحاراً كورياً جنوبياً، ولا حتى عندما فتح الشمال نيران مدفعيته على جزيرة كورية جنوبية ما أفضى إلى مقتل جنديين ومدنيين، ولا حتى عندما أجرى الشمال اختباراً على جهاز نووي وأطلق صاروخاً بالستياً بعيد المدى. وحتى عندما تكشفت خيوط الأزمة الراهنة، كانت كوريا الجنوبية الدافعة هي التي خشيت التوقف في الإنتاج في كياسونغ وليس الشمال الذي يجني الثمار. وعندما أشارت وسائل الإعلام في كوريا الجنوبية بكثير من الارتياح إلى أن منطقة كياسونغ ما تزال مفتوحة وعاملة، أقدم الكوريون الشماليون على إقفالها.
وهكذا، وبعد نجاحه في استخلاص المكافآت بشكل دائم عبر التهديدات والهجمات بين الفينة والأخرى، من الطبيعي أن يعيد الشمال الكرة مرة أخرى. وحتى من إجراء اختبار نووي آخر والتهديد بإطلاق صاروخ بالستي متحرك طويل المدى قريباً، فإن دفعات يقدمها الجنوب وليس حرباً تنشأ على شبه الجزيرة الكورية هي المحصلة الأرجح. وتعلم بيونغيانغ هذا.
وفي الأثناء، واكبت كوريا الجنوبية النزعة العدوانية للشمال بعنادها الاستراتيجي، وهي تبقى متلبسة باليابان غير المهددة مطلقاً، وقد داومت على شراء مكونات قوة جوية لتتواءم مع التهديدات المتخيلة من طوكيو، في تضاد مع التهديدات الفعلية الواقعة إلى الشمال وحسب من المنطقة منزوعة السلاح. وببساطة، لا تبدي سول رغبة في حيازة قوة عسكرية توازي وتجاري اقتصادها المتفوق الواسع. وبدلاً من ذلك، تقوم بإنفاق بلايين الدولارات على تطوير مقاتلاتها النفاثة من طراز تي-50 والطائرات العمودية وفرقاطات للدفاع عن الساحل -التي قد يكون شراء بدائل لها أفضل بكثير وأقل تكلفة وتستورد من الولايات المتحدة. وفي الأثناء، ثمة فجوات تظل قائمة في الدفاعات الكورية الجنوبية (وهكذا نرى المشهد الغريب للتعب من أجل الحصول على المعدات والذخائر في الأزمة الراهنة). وتستمر الدورة لأن الجنوب يسمح لنفسه بالبقاء هشاً، فلا يستطيع القيام برد فعل فعال ضد التهديدات الدائمة والهجمات الفصلية من كوريا الشمالية. بل ترى سول تراجعا لتفحص حسابها المصرفي وتتهيأ لتسديد الدفعة التالية.
لقد حان الوقت لوضع حد لهذا. لا تستطيع الولايات المتحدة إجبار الشمال على التخلي عن نزعته الحربية العدوانية، لكن من المؤكد أنه تستطيع إجبار الجنوب على نبذ عناده. فبثمن الحماية الأميركية المستمرة يجب أن تؤسس كوريا الجنوبية سياسة دفاع حازمة وجادة، وأن تقوم بإقفال مجمع كياسونغ ووضع نهاية للتحويلات النقدية للشمال مهما كان المسوغ. وقد تحاول بيونغيانغ مع ذلك اختيار القتال، لكن هذا سيقضي على الأقل على المحفز للاستمرار في استراتيجية الابتزاز هذه.
(فورين بوليسي) ترجمة: عبد الرحمن الحسيني– الغد الاردنية .
*مستشار دولي ومؤلف كتاب “الاستراتيجية الكبرى للإمبراطورية البيزنطية”.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
