الرئيسية الاخبار صراع السلطة في إيران: محافظون ضد محافظين

صراع السلطة في إيران: محافظون ضد محافظين

197468

قبل أربعة أعوام، أشرت إعادة انتخاب الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، والتي وصفتها الملايين بالمزورة وأفضت إلى شهور من الاحتجاج العنيف، أشرت على تمكن أصحاب الخط المتشدد من القضاء على نظرائهم الإصلاحيين. والآن، ثمة صراع مرير متأجج بنفس المقدار -بين نوعين مختلفين من المتشددين، يتقاتلان على زعامة جمهورية إسلامية عصفت بها العقوبات الدولية. وقبل أقل من شهرين على الانتخابات الرئاسية المقبلة، لا تبتعد الجدالات الدائرة عن كونها لعبة لا يتنازل فيها أحد.
في منتصف الطريق يقف السيد أحمدي نجاد، الرئيس المنصرف مع خليفته المفترض، اسفنديار رحيم مشائي، الدمث والطموح. ويعد الرجلان من عائلة واحدة تقريبا، فنجل الرئيس مقترن بابنة مشائي. كما انهما يشتركان في ما تبدو احتياطيات لا حدود لها من الثقة بالنفس وازدراء للحرس الثوري القديم من رجال الدين المتجرين، وميل إلى النزعة الشيعية الألفية التي يرى التقليديون انها لا تعدو كونها ضرباً من الهرطقة.
ويحتشد الطاغوت المقترب بنفس هؤلاء التقليديين. وهم يتوقون إلى التخلص من السيد أحمدي نجاد ويخشون من أنه ينوي البقاء في موضع المسؤولية بعد المناورة لإيصال مرشحه إلى قصر الرئاسة. ولذلك، يغذون الخطى نحو وقف السيد مشائي عن الترشح. وهم يهددونه بنزع الأهلية منه من خلال تشكيل تحقيق وإعداد قضايا قانونية ضده وضد حلفائه الآخرين، واتهامه بالتزوير وبأنه “صديق للتحريض”.
ويبدو أن الرئيس وحليفه غير متأثرين، وكانا في الآونة الأخيرة يجسان النبض في مقاطعة سمنان الشمالية، حيث تباهى الرئيس، بحضور السيد مشائي، بالاستقبال الحار الذي تلقاه أثناء حضوره جنازة صديقه الرئيس الفنزويلي الراحل، هوغو شافيز، ووعد حشداً من المعجبين بمزيد من العطايا والإعانات المالية التي كان ينفقها في الأعوام الثمانية الماضية. وبالنسبة للملالي وموظفيهم في الحرس الثوري، فإن فتن السيد أحمدي نجاد وصديقه السيد مشائي هي أكثر قتامة وشؤما مقارنة مع فتن الإصلاحيين –لأنهما قادمان من الداخل. وفي رحلته إلى فنزويلا، نشرت صور السيد أحمدي نجاد وهو يحتضن والدة السيد شافيز الثكلى بشكل غير إسلامي. ومن جهته، يبدو السيد مشائي وأنه يستمتع بالشعر القومي أكثر من استمتاعه بالقرآن. وقد تبنى معسكرهما شعار “فليعش الربيع” الذي يعيد إلى الاذهان الانتفاضات العربية للعام 2011.
يحاول الرئيس أن يصعب الأمور على مجلس المرشدين، هيئة رجال الدين والمحلفين العموميين الذين يتخلصون من المرشحين غير المرغوبين، في محاولة المجلس نزع الأهلية عن السيد مشائي بعد بدء تسجيل المرشحين رسمياً في الشهر المقبل. ويعلن السيد أحمدي نجاد دعمه “الشعب” في مقابل مجموعة صغيرة “تعتقد بأنها تمتلك البلد”. وهو ليس خالياً من امتلاك ذخيرته الخاصة.
في شباط (فبراير) الماضي، تسبب السيد احمدي نجاد بضجة عندما بث سراً شريط فيديو يتهم فيه عضواً من عائلة لاريجاني النافذة، والذي يعارض الرئيس بقوة، بالفساد، ويلمح السيد احمدي نجاد إلى أن لديه المزيد من القاذورات التي يمكن أن ينشرها، بل وربما تصيب حتى مكانة الزعيم الروحي الأعلى، آية الله علي خامنئي الذي يتردد أن أحد أبنائه راكم ثروة ونفوذا استثنائيين.
ويبدو الرئيس وأنه غير مدين بالامتنان للمرشد الروحي الأعلى على دعمه له خلال الاضطرابات التي اندلعت في العام 2009. ومن جهته، لا يخفي خامنئي كراهيته للسيد مشائي. لكن خامنئي يحتاج إلى تعاون الرئيس إذا ما أريد أن يكون للانتخابات الأثر الدولي الذي يرغبه، بحيث يعكس استمرار حيوية النظام في وجه العقوبات. كما أنه قال إنه ينبغي تجسيد “جميع الأطياف” في يوم الانتخابات، وهي وصفة يحب السيد أحمدي نجاد اقتباسها وإعادتها إليه.
ولكن، ما الذي يمكن أن يحصل إذا مضى مجلس المرشدين قدما في محاولة نزع الأهلية عن السيد مشائي، تاركا الميدان للمرشحين المعلنين والمتوقعين الآخرين، بمن فيهم رئيس سابق للحرس الثوري ووزير خارجية سابق وعدة محافظين رفيعي المستوى؟ قد يعمد السيد احمدي نجاد عندئذ إلى رفع وتيرة المخاطر ورفض إجراء الانتخابات. وكانت تلك الحتمية قد أثيرت في الشهر الماضي من جانب جنرال مرموق في الحرس الثوري، الذي وصف “التحريض” الذي يواجهه البلد بأنه “أعمق وأوسع” حتى من ذلك الذي كان قبل أربعة اعوام.
وحتى لو سارت الانتخابات بشكل سلس نسبياً، فإن الشخص الذي سيحل محل احمدي نجاد سيرث مشاكل مخيفة تسببها العقوبات الدولية. وتجدر ملاحظة أن مبيعات إيران النفطية انخفضت بنسبة النصف، عاما بعد عام. وتراجع انتاج السيارات بقدر مشابه. ويمر الاقتصاد بحالة ركود، حيث انكمش بمعدل وصل إلى 4 % في العام الماضي. وفي الاثناء، يبلغ معدل التضخم أكثر من 30 %، كما فقد الريال (العملة الإيرانية) حوالي نصف قيمته في مقابل الدولار. وحسب طرفة يجري تداولها في الشارع، فقد أصبح الآن في قمة الازدهار أن يتمكن المرء من شراء سيارة “كيا برايد”، التي كانت في الماضي سيارة الفقراء، بينما يأكل الفستق الحلبي -الكافيار الجديد.
وتأمل الولايات المتحدة وحلفاؤها بأن تتحول الابتسامات في نهاية المطاف إلى غضب لإجبار السيد خامنئي على تغيير نهجه النووي. وفي الحقيقة، بدا الإيرانيون من كافة الشرائح -من الطبقة الوسطى التي قادت الاضطرابات قبل أربعة اعوام إلى المعجبين الفقراء بالرئيس- بدوا موحدين على الأقل في الأمل بأن تفضي أحدث جولة من المفاوضات الفردية التي عقدت في وقت سابق من هذا الشهر بين إيران والأعضاء الخمسة دائمي العضوية في مجلس الامن الدولي التابع للامم المتحدة، بالاضافة إلى ألمانيا، إلى انفراج. وقال صاحب محل صغير للأحذية: “نريد أي شيء.. ليخفض سعر الصرف وأن يعود الناس إلى الإنفاق ثانية”.
لكن ذلك لم يحدث. وحتى مع أن المفاوضات لم تنهر تماماً، فإن الفجوة بين اللمسة الخفيفة للكوابح التي قد تكون إيران في طور الاستعداد لتطبيقها على تخصيبها لليورانيوم، وبين الرفع المحدود جدا للعقوبات والذي يعرضه الغرب كمحفز، تبدو غير قابلة للجسر. ويوم التاسع من نيسان (أبريل)، خرجت إيران أكثر عن طوع الغرب عندما أعلنت عن المزيد من تعدين ومعالجة اليورانيوم. وخلال زيارة لإسرائيل، حذر وزير الخارجية الاميركية، جون كيري، الإيرانيين من أن عليهم عدم توقع “مفاوضات مفتوحة النهاية ومن دون نهاية”.
ومع ذلك، فإن استمرار الجمود هو ما يخشاه العديد من الإيرانيين بينما يقع بلدهم في المزيد من حالة العزلة. ويشعر، حتى أنصار النظام، بالحرج من أن إيران تتمتع، حتى في المنتديات الدولية مثل مجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة، بدعم صلب من كوريا الشمالية وفنزويلا فقط. وقد ألغت معظم الخطوط الجوية الأوروبية (كانت آخرها الخطوط الهولندية) رحلاتها إلى طهران، بينما تستمر هجرة الادمغة الإيرانية الشابة إلى الخارج. ويعلق شاب إيراني بالقول، إن الهجرة الجماعية التدريجية للجالية الأرمنية في البلد والتي يعود عمرها إلى 400 عام، تقوم على الأقل بتعزيز الاكتفاء الذاتي؛ فبعد الاعتماد على الأرمن في الحصول على الكحول، تعلم مدمنو الخمر الطهرانيون كيفية صنع الجعة والعرق بأنفسهم.
وهكذا، تنذر الانتخابات الرئاسية بالخطر وتنطوي على فرصة في آن واحد. ويجرؤ البعض على الأمل في انبعاث الاصلاحيين في شخص الرئيس السابق محمد خاتمي الذي يجري تذكر رئاسته الآن بأنها كانت فترة ذهبية للتسامح والازدهار. ويوم 15 نيسان (أبريل) وجهت أم ثكلى قتل ابنها بعد اعتقاله في العام 2009 التماسا للسيد خاتمي، والذي دعته فيه إلى الترشح للرئاسة مجددا بحيث “يمكن إنقاذ إيراننا العزيزة.” لكن قلة هم الذين كانوا يراهنون على ترشيحه، أو أنه ترشيحه سيحظى بقبول مجلس المرشدين.

تقرير خاص – (الإيكونوميست)  ترجمة: عبد الرحمن الحسيني الغد الاردنية.

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version