
في قراءة متأنية للأحداث التي مهدت ثم رافقت تنفيذ وعد بلفور المشؤوم «الذي أعطاه من لا يملك لمن لا يستحق»،اذ لا يتسع المجال هنا لأن نعود للسياق التاريخي الاستعماري التآمري على الوطن العربي وعلى فلسطين كجزء من هذا الوطن ومن بلاد الشام ، ذلك السياق الممتد منذ نهاية القرن الثامن عشر عندما اقترح نابليون إقامة دولة لليهود في فلسطين وحتى صدور الوعد المشؤوم عام 1917.
فقط نشير إلى ثلاث منصات رئيسية هنا، التي شكلت الخلفية السياسية والأيديولوجية لهذا الوعد المشؤوم
الاولى هي المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا عام 1897 بزعامة ثيودور هرتزل- الصهيوني – الذي دعا إلى إنشاء ما تسمى دولة لليهود في فلسطين ، على قاعدة توظيف الرواية التوراتية الزائفة في فلسطين ما يضمن تحفيز اليهود من مختلف أرجاء العالم للهجرة إلى فلسطين.
لقد قام خطاب هرتزل بشأن إقامة هذه الدويلة وفق ما جاء في كتابه ” الدولة اليهودية على شرط التطهير العرقي الذي دعا فيه بكل صراحة إلى إبادة كاملة للمواطنين العرب في فلسطين ، ليتسنى للصهاينة إقامة دولة نقية لليهود في فلسطين.
والثانية: مؤتمر الدول الاستعمارية( 1905- 1907 )الذي سمي مؤتمر ” كامبل بانرمان” نسبةً إلى وزير خارجية بريطانيا آنذاك – الذي صاغ قرارات المؤتمر ، وشارك فيه ممثلون عن الدول الاستعمارية الأوروبية
لقد اشتملت قرارات المؤتمر على العديد من القضايا والبنود نذكر منها:
– منطقة شرق المتوسط فيها شعوب عربية تنتمي إلى أمة واحدة ، يجمعها تاريخ واحد ودين واحد ولغة واحدة ومصير مشترك ، فإ ذا ما توحدت هذه الشعوب فإنها ستشكل خطراً على مجمل المصالح الاستعمارية في المنطقة ، ما يتطلب إقامة كيان يهودي في فلسطين يفصل الجناح العربي في آسيا عن الجناح العربي في أفريقيا. ”
– البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمارلأنه الجسر الذي يصل الشرق بالغرب والممر الطبيعي إلى القارتين الآسيوية والأفريقية ، وأيضا هو مهد الأديان والحضارات، والإشكالية في هذا الشريان هو أنه يعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص، شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان ما يتطلب بقاء شعوب هذه المنطقة مفككة جاهلة متأخرة.
– وترجمةً لمقررات كامبل بانرمان لصالح بريطانيا ، قدم الوزير البريطاني اليهودي هربرت صاموئيل عام 19081، مذكرة اقترح فيها تأسيس ما تسمى دولة يهودية في فلسطين تحت إشراف بريطانيا، مبيناً ما ستجنيه بريطانيا من قيام هذه الدويلة في قلب العالم العربي والقريبة من قناة السويس.
والثالثة : وعد بلفور في الثاني من تشرين ثاني 1917،حين أصدر وزير خارجية بريطانيا آنذاك آرنست بلفور وعده المشؤوم، بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين ، على حساب الحقوق الوطنية والتاريخية للشعب العربي الفلسطيني ، ذلك الوعد الذي أقل ما يقال في وصفه” بأنه وعد من لا يملك لمن لا يستحق.
هذا الوعد الظالم ، شكل مرجعية المخطط التآمري لاغتصاب أرض فلسطين وتهجير أصحابها الشرعيين العرب، من خلال مجازر التطهير العرقي وتسهيلات هجرة اليهود إلى فلسطين ، وتمكينهم من السيطرة على مساحات من أرض فلسطين التاريخية ، وذلك عبر صك الانتداب البريطاني على فلسطين، الذي تضمن الآليات اللازمة لوضع الوعد موضع التنفيذ ، ولتحقيق إستراتيجية الحركة الصهيونية المقرة في بازل عام 1897، وعبر تواطؤ وتبعية عدد من الدول العربية لبريطانيا ، لوضع حد للثورة الفلسطينية آنذاك وللقبول بقرار التقسيم عام 1947 ، رغم رفض هذه الدول الشكلي له ، ما قدم خدمة كبيرة للمشروع الصهيوني في فلسطين .
ورغم مرور 104 أعوام على ذلك الوعد المشؤوم ، الذي أرسى الأساس الظالم وغير الشرعي لهذا السلوك الاستعماري العنصري- بدعم غير محدود من الولايات المتحدة الامريكية وبريطانية , والذي كلف شعبنا الفلسطيني معاناة اللجوء والتشريد ، ومئات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى وما زال ، فإنهما لا تزالان تمارسان ذات الدور الاستعماري البشع بحق ابناء شعبنا وتتنكران للحد الأدنى من حقوقه الوطنية المشروعة ، ولا زالتا تلعبان ذات الدور التآمري والعدواني على الأمة العربية وقضاياها العادلة.
لكن ما أشبه اليوم بالبارحة فالتاريخ يعيد نفسه اذ أن هناك أوجه الشبه بين وعد بلفور وخطة ترامب , يكمن في أن الجهتيْن لا تملكان الأرض، لكنهما تقدّمانها هدية لمن لا يستحق.
بريطانيا أعطت المستجلبين الصهاينة أجزاء من فلسطين، وهي لا تملك الأرض , وكان قبل الاحتلال البريطاني لفلسطين (عام 1920)،
واشنطن اعترفت بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني المصطنع ، وقطعت مساعداتها عن الفلسطينيين ووكالة “أونروا”، وأغلقت مكتب منظمة التحرير الفلسطينية على أراضيها، واعتبرت الاستيطان بالأراضي الفلسطينية شرعيا، واعترفت بسيادة العدو الصهيوني على الجولان السوري المحتل.، وسمحت للإ حتلال بضم 30% من الضفة الغربية إضافة للقدس الشرقية، وأخيرا قادت واشنطن عملية تطبيع النظام الرسمي العربي مع العدو الصهيوني
فالظروف التي عاشتها المنطقة العربية خلال وعد بلفور، وخطة ترامب تكاد تكون متشابهة. العرب في أضعف حالاتهم، وهم مهمّشين ومشتتين وبدون رؤية إستراتيجية سياسية، وبدون خطط لمواجهة المؤامرات.
وكما سعى وعد بلفور إلى تفكيك المنطقة العربية، فإن خطة ترامب، تهدف كذلك لتحقيق نفس الهدف , وشطب القضية الفلسطينية من خلال توسيع حالة التطبيع , وهذا ما حصل مع بعض النظام الرسمي العربي .
ومن هنا فان التطبيع واعادة تدوير العدو الصهيوني في المنطقة العربية ، من شأنه أن يحافظ على السيطرة والنفوذ الأميركي في الشرق الأوسط.
بالرغم من مرور 104 أعوام على إعلان وعد بلفور المشؤوم، إلا أن يوم الثاني من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام يظل يوما مأساويا بالنسبة لابناء شعبنا الفلسطيني.. فهو يوم إنطلاقة المشروع الصهيوني الغاشم على أرض فلسطين التاريخية .
شعبنا بجميع مكوناته وفصائله يستذكرذلك اليوم بالأسى والمرارة ، على جريمة طرده من دياره وتشريده في أركان المعمورة تحت وطأة العصابات الصهيونية المدججة بالسلاح والعتاد , وفي مقدمتها الأرغون وشتيرن والهاجاناة، التي ارتكبت مئات المجازر ضد شعبنا الفلسطيني الأعزل في غير مكان من فلسطين التاريخية .. وكانت النتيجة
تشرد شعبنا في أصقاع المعمورة لدرجة أنه لا تكاد توجد بقعة في العالم تخلو من شعبا الفلسطيني الذي لم يستسلم لليأس والهوان بل أنه أبدع وتفوق في البلاد التي استقر فيها وساهم في نهضتها .
عضو اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني