
منذ العصور القديمة ، ظلت الحياة السعيدة والجميلة حلماً تسعى وراءه البشرية بلا كلل ، وحققت البشرية إنجازات رائعة على مدار آلاف السنين من تاريخ حضارتها ، ومع ذلك فإن الحروب والصراعات لم تنقطع ، بالإضافة إلى مختلف الكوارث الطبيعية والأمراض والأوبئة ، عانت البشرية مآسي لا تحصى ، ودفعت ثمناً مريراً.
واليوم أصبح الترابط بين حياة البشرية غير مسبوق بفضل التطور المتسارع للإنترنت والبيانات الكبيرة والحوسبة السحابية والقمر الصناعي الكمي والذكاء الاصطناعي ، وفي الوقت نفسه ، فإن القضايا العالمية التي تواجه البشرية غير مسبوقة من حيث العدد والحجم والعمق.
ويزداد مستقبل ومصير شعوب العالم ترابطا عميق ، وفي ظل هذا الوضع، يكون أمام البشرية خياران ، أحدهما هو المنافسة الشرسة وحتى الصراع المسلح من أجل السلطة والمصلحة ، وقد يؤدي ذلك إلى أزمة كارثية ، والآخر هو مواكبة تيار العصر لمواجهة التحديات بجهود متضافرة وإجراء التعاون العالمي ، وسيخلق ذلك ظروفا مؤاتية لبناء مجتمع مصير مشترك للبشرية.
ويجب علينا انتهاز الفرصة التاريخية وتبني الخيار الصحيح للعمل سوياً على فتح مستقبل أكثر إشراقاً للبشرية ، وفي هذا الجانب ونحن نشيد بالمنجزات الصينية الهائلة وما حقتته مكن ابداعات متطورة في كافة المجالات ، فان تمتلك الأمة الصينية تاريخاً عريقاً وحضارة زاهية ، غير أنها عاشت محن الدم والنار منذ بداية العصر الحديث ، ولم يخضع الشعب الصيني لمصيره المحتوم ، بل نهض في وجهه وقام بتقوية نفسه بجهود كدودة ، وبعد نضال طويل الأمد ، أخذ يسلك طريقاً واسعاً لتحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية.
ومن خلال استعراض التاريخ ، ندرك أن ما يدعم الصين كأمة قديمة ويدعم امتداد حضارتها المستمرة منذ أكثر من خمسة آلاف سنة حتى الآن هو الجينات الثقافية المتجذرة في شريان حياة الأمة الصينية ، حيث تؤمن الأمة الصينية دائماً بأن ” الكل تحت السماء من عائلة واحدة ” ، وتدعو إلى ” حب جميع الناس والمخلوقات ” و” جعل جميع الأمم تعيش معا بسلام ” و” عالم الانسجام الأعظم”.
وتتطلع الأمة الصينية إلى العيش في عالم أفضل ” يسعى فيه الكل وراء العدالة من أجل المصلحة العامة ” ، ونرى أنه من الطبيعي أن تحدث بين مختلف دول العالم خلافات أو تناقضات أو احتكاكات مختلفة ، لكن الأهم من ذلك هو أن كافة شعوبها من عائلة واحدة ، إذ أنها تعيش تحت سماء واحدة وعلى كوكب الأرض الواحد.
ويتعين على شعوب دول العالم أن تتمسك بفكرة ” الكل تحت السماء من عائلة واحدة ” وتحتضن بعضها البعض وتتفاهم وتبحث عن الأرضية المشتركة مع ترك الخلافات جانبا لكي تبذل جهوداً مشتركة من أجل بناء مجتمع مصير مشترك للبشرية وفي عام 2013، طرحتُ لأول مرة مبادرة بناء مجتمع مصير مشترك للبشرية.
ولاحظت بكل سرور أن التعاون الودّي بين الصين وسائر دول العالم يتوسّع باستمرار ، وفكرة بناء مجتمع مصير مشترك للبشرية تجد دعماً وموافقة متزايدة ، حيث تترجم هذه المبادرة من فكرة إلى خطوات ملموسة.
إن هدفي من طرح مبادرة ” الحزام والطريق ” هو تطبيق فكرة بناء مجتمع مصير مشترك للبشرية.
وخلال السنوات الأربع الماضية ، أصبح البناء المشترك للحزام والطريق منبراً كبيراً لتفعيل التعاون بين الدول المعنية لتحقيق التنمية المشتركة.
إن البحر الكبير يتكوّن من مياه الجداول ، وإن النجوم المتألّقة تضِيء المجرة ، فتحدوني ثقة تامة بأن هدف بناء مجتمع مصير مشترك للبشرية سيتحقّق بكل تأكيد طالما رسخت جميع الأطراف فكرة بناء مجتمع مصير مشترك للبشرية وتشاركت في التخطيط والتطبيق والعمل خطوة بخطوة والنضال بجهود دؤوبة.
إن مجتمع مصير مشترك للبشرية ، مثل تسميته ، يعني ارتباط مستقبل ومصير جميع الأمم والدول ارتباطا وثيقا ، حيث ينبغي لها المشاركة في السراء والضراء ، والعمل سويا لبناء كوكب الأرض الذي ولدنا عليه ونعيش عليه إلى عائلة كبيرة متناغمة ، وترجمة تطلّعات الشعوب لحياة أفضل على أرض الواقع .
يجب علينا العمل جاهدين على بناء عالم بعيد عن الخوف ينعم بالأمن العامّ ، وبالنظرة الشاملة الزوايا إلى تاريخ تطوّر الحضارة البشرية ، رغم أن البشرية ظلت تتطلّع إلى السلام الدائم منذ آلاف السنين ، غير أنها لم تبق بعيدة عن الحروب ، بل تواجه تهديدات الحروب دائما ، وتعيش البشرية جمعاء على كوكب واحد ، فلا يمكن لأي دولة بناء أمنها على حساب أمن الدول الأخرى ، بينما أن التهديد الذي يواجه دولة أخرى قد يشكّل تحدّيا على دولتك أيضا.
وفي ظل التهديدات الأمنية المتزايدة تعقيدا وتداخلا ، فلا ينجح العمل بانفراد وبالأحرى اللجوء إلى القوة ، ويتعين علينا تبني مفهوم الأمن الجديد الذي يتّصف بالتشارك والتكامل والتعاون والاستدامة لبناء معادلة الأمن القائمة على العدل والإنصاف والبناء المشترك والتقاسم ، والعمل سويا للقضاء على الأسباب التي تؤدّي إلى الحروب ، وإنقاذ المشرّدين من نيران البنادق والمدافع ، وحماية النساء والأطفال من لهيب الحروب ، لكي تنعم الأرض بنور السلام ويعيش الجميع في أمن واستقرار.
ينبغي لنا العمل جاهدين على بناء عالم بعيد عن الفقر ينعم بالازدهار المشترك ، وفي عالم اليوم ، فإن المستوى المادّي والتكنولوجي قد تطوّر إلى مستوى من الصعب أن يتخيّله أسلافنا ، غير أن مشكلة التنمية غير المتوازنة وغير الكاملة ما زالت واسعة الانتشار ، ولا تزال الفجوة التنموية بين الجنوب والشمال كبيرة ، وما زالت مشكلة الفقر والجوع خطيرة ، وتتشكّل الفجوة الرقمية الجديدة ، ولا يزال كثير من جماهير الشعوب في العديد من دول العالم يعيش في مأزق حرج.
وإذا تُمسّك بالمنطق الذي عفا عليه الزمن والمتمثّل في ” كسب واحد هو خسارة للآخر ، والرابح يأخذ كل شيء ” ، وإذا اُعتمد الأسلوب القديم المتمثّل في ” كل يخدع الآخر ، ويتخذ حقل جاره مصرفا لسيول الفيضان ” ، فسيؤدّي حاصل ذلك حتما إلى إغلاق باب الآخر وسدّ طريق الذات والمساس بأساس تنمية الذات والإضرار بمستقبل البشرية جمعاء.
ويجب علينا التمسّك بفكرة ” أنت بخير ، وأنا بخير ، فالجميع بخير ” ، ودفع العولمة الاقتصادية القائمة على الانفتاح والشمول والمنفعة العامّة والتوازن والكسب المشترك ، وخلق ظروف مؤاتية للتنمية المشتركة للبشرية كلها ، والعمل سويا لدفع التنمية والازدهار لدول العالم ، والقضاء على الفقر والتخلّف اللذين ما زال يعاني منهما كثير من جماهير الشعوب في كثير من الدول ، وتوفير حياة أفضل يتوفر فيها الغذاء والكساء للأطفال في العالم ، لكي تستفيد دول العالم من ثمار التنمية ، ويستمتع جميع الناس بالرخاء والصحة والسلامة.
يتعين علينا العمل جاهدين على بناء عالم منفتح وشامل وبعيد عن الانغلاق ، ويقول مثل صيني قديم : ” تنمو جميع المخلوقات دون الإضرار ببعضها البعض ، وتتوازى جميع الطرق دون التعارض مع بعضها البعض ” ، فلا يستغني الازدهار الحضاري والتقدم البشري عن إيجاد الأرضية المشتركة مع ترك الخلافات جانبا وعن الانفتاح والشمول وعن التبادل والتعلم والاستفادة المتبادلة بين الحضارات ، ويدعو التاريخ إلى ازدهار الحضارات البشرية بمختلف أنواعها والتعايش المتناغم والتكامل بينها ومساهمتها في توفير قوة روحية للتنمية البشرية سويا.
وينبغي لنا التمسك بفكرة أن العالم متعدد المعالم والحضارات متنوعة ، لكي ترتبط جميع الحضارات التي خلقتها البشرية ببعضها البعض وتشكل جميعها صورة مبهرة وجميلة ، فيجب علينا العمل سويا من أجل القضاء على الحواجز الثقافية في الحياة الواقعية ورفض المفاهيم الخاطئة التي تمنع التفاعل بين أفئدة الناس ورأب الفجوة الفكرية التي تعيق التبادل البشري ، لكي تتعايش جميع الحضارات في وئام ويستمتع كل الناس بالتغذية الثقافية.
إن الحزب الشيوعي الصيني هو حزب يعمل من أجل خير الشعب الصيني ويكافح في سبيل قضية تقدم البشرية ، ويعتبر أكبر حزب سياسي في العالم ، وكما قلت ، يتعين على الحزب الشيوعي الصيني العمل بطريقة تناسب مكانته ، فكل ما يفعله الحزب الشيوعي الصيني هو السعي من أجل سعادة الشعب الصيني ونهضة الأمة الصينية والسلام والتنمية للبشرية.
وينبغي لنا حسن إدارة شؤوننا ، وهو ما من شأنه أن يسهم في بناء مجتمع مصير مشترك للبشرية ، وخلق مزيد من الفرص للعالم من خلال دفع مسيرة التنمية الصينية ، واستكشاف قانون تطور المجتمع البشري من خلال تعميق تجربتنا وتقاسمها مع دول العالم.
والصين واضحة وشفافة بسياساتها ن فهي لا تستورد النمط الأجنبي من الخارج ، ولا تصدر النمط الصيني إلى الخارج ، ولن تجبر الدول الأخرى على استنساخ الطريقة التي تعمل بها الصين.
وسيظل الحزب الشيوعي الصيني يتمسك بالمبادئ التي يقوم عليها ، وهي ، مواصلة تقديم إسهامات للسلم والأمن الدوليين ، فقبل 100 سنة ، ولد الحزب الشيوعي الصيني في خضم الاضطرابات الاجتماعية الشديدة في الصين ، وكان من مهامه عند تأسيسه إنهاء الحالة المأساوية من الحروب المتكررة ومحنة الشعب والتي عاشتها الصين منذ منتصف القرن الـ19 ، وخلال الفترة من عام 1921 إلى عام 1949 ، من أجل تحقيق السلام والاستقرار في الصين وطمأنينة الشعب الصيني على معيشته وعمله ، قام الحزب الشيوعي الصيني بتوحيد وقيادة الشعب الصيني للمشاركة في النضال المسلح لمدة 28 سنة ، وقدم تضحيات ضخمة ، لذلك ، يعرف الشيوعيون الصينيون تماما قيمة السلام ، ويتحلون بعزيمة ثابتة لحفظ السلام ، وسترفع الصين راية السلام والتنمية والتعاون والفوز المشترك عاليا ، وتسلك دائما طريق التنمية السلمية بثبات لا يتزعزع ، وتعزز بناء الشراكة العالمية بنشاط ، وتبادر للمشاركة في عملية الحل السياسي للقضايا الدولية الساخنة والصعبة.
وقد بعثت الصين حتى الآن أكثر من 36000 فرد من قوات حفظ السلام ، وأصبحت مساهما رئيسيا بالقوات والأموال في عملية حفظ السلام للأمم المتحدة ، وفي هذه اللحظة ، هناك أكثر من 2500 ضابط وجندي صيني يحافظون على السلام والأمن في 8 مناطق لمهمات حفظ السلام على الرغم من المصاعب والمخاطر، وستشارك الصين بنشاط في إصلاح وبناء نظام الحوكمة العالمية لدفع تطور النظام السياسي والاقتصادي الدولي في اتجاه أكثر عدالة وعقلانية.
ولن تسعى الصين أبدا وراء الهيمنة ولن تقوم بالتوسع الخارجي أبدا مهما كان مستواها في التنمية ، وقد وجهت الصين دعوتها الى الأحزاب السياسية من مختلف الدول ومنها ضمنها جبهة النضال الشعبي الفلسطيني ، من أجل العمل معاً ليكون الجميع بناة للسلام العالمي ومساهمين في التنمية العالمية وحماة للنظام الدولي.
وتعمل الصين بكل جدارة على مواصلة تقديم إسهامات للتنمية العالمية المشتركة ، ومن هنا يأتي الحزب الشيوعي الصيني من الشعب ويتطور ويتعاظم بالاعتماد على الشعب ، فيكن دائما مشاعر عميقة تجاه الشعب الصيني خاصة وشعوب العالم عامة ، ولا يعمل لخير الشعب الصيني فحسب، بل لخير شعوب العالم أيضا.
وعلى مدار السنين ، قدمت الصين قدرا هائلا من المساعدات المجانية والقروض التفضيلية والدعم الفني والبشري والفكري إلى سائر الدول النامية وساعدتها على بناء عدد كبير من المشروعات من أجل دفع تنميتها الاقتصادية والاجتماعية وتحسين معيشة شعوبها ، ويعمل آلاف العلماء والمهندسين ورجال الأعمال والفنيين والأطباء والمعلمين والعاملين والمتطوعين الصينيين بجد واجتهاد في كثير من الدول النامية ، حيث يعملون مع السكان المحليين على تغيير مصيرهم يدا بيد وجنبا إلى جنب.
ووفقا للتخطيط الصادر من المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني ، فبحلول عام 2020 ستنجز الصين بناء مجتمع رغيد الحياة على نحو شامل ، وبحلول عام 2035 ستحقق التحديثات الاشتراكية من حيث الأساس ، وبحلول أواسط القرن الجاري ، ستنجز بناء دولة اشتراكية حديثة قوية ومزدهرة وديمقراطية ومتحضرة ومتناغمة وجميلة ، وهذا سيسعد الشعب الصيني وسائر شعوب العالم على حد سواء ، ووفقاً لذلك فإنني أدعو الأحزاب في دول العالم إلى مشاركة التجربة الصينية في خلق مزيد من فرص التعاون والعمل على دفع التنمية والازدهار المشتركين بين مختلف دول العالم.
مواصلة تقديم إسهامات للتبادل والاستفادة المتبادلة بين حضارات العالم ، وكما يقول مثل صيني : ” مشورة الآخرين قد تساعدنا على تذليل أوجه القصور” ، والحزب الشيوعي الصيني يؤكد دائما على ترسيخ الرؤية العالمية للتعلم والاستفادة من الإنجازات الحضارية التي حققتها شعوب دول العالم وتطبيقها وفقا للظروف الواقعية في الصين.
إن الماركسية حقيقة علمية تعلمها الحزب الشيوعي الصيني من الخارج ، ويعمل باستمرار على دفع صيننة الماركسية وعصرنتها وتعميمها طبقا للمتطلبات الواقعية الصينية ، لكي تصبح نظرية علمية ترشد الحزب الشيوعي الصيني في قيادة الشعب الصيني للتقدم إلى الأمام باطراد ، ويتعامل بنظريته المنفتحة وصدره الرحب مع الإبداعات الحضارية التي حققتها شعوب دول العالم ، ويحرص على الحوار والتبادل والتعاون مع الشعوب والأحزاب من كافة دول العالم ، ويدعم تلك الشعوب في تعزيز التبادل الثقافي والصداقة الشعبية بينها.
- عضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني