الرئيسية زوايا أقلام واراء ما كلفة إسقاط بشّار الأسد بأي ثمن؟…بقلم :علي شرف الدين

ما كلفة إسقاط بشّار الأسد بأي ثمن؟…بقلم :علي شرف الدين

130514033022467

منذ أن انطلقت الانتفاضات العربيّة في تونس بدا دعمها أمراً مبدئياً ليس لأنها ساهمت (كما رأى البعض) في إسقاط حلفاء الولايات المتّحدة مثل بن علي ومبارك ثمّ أعدائها مثل القذافي، بل لأنها كانت حقاً ثورة عفوية صادقة ضد الطغيان السياسي والاجتماعي. وحتّى قبل أن يسقط القذافي تمنينا أن تنهار الأنظمة البوليسيّة في الجزائر والمغرب والسودان. أمّا سورية وبحكم الجيرة فكانت الثورة فيها أقرب إلى شأنٍ شخصيٍ لكثير من اللبنانيين الذين تمنوا الحرية للسوريين.

ويبدو أنّ النظام السوري الذي كان ساقطاً أخلاقياً حتّى قبل الثورة السورية، والذي تمرغ بالوحل أكثر مع نشوب الثورة، خصوصاً في أشهرها الأولى، يظهر الآن لوهلة أكثر ثباتاً واقتناعاً بموقفه. ويعود هذا الثبات إلى حقيقة أن النظام السوري بعد محاولات عبثيّة لنعت الثوار بالعصابات والإرهابيين والمخربين، قد وجد أخيراً ضالته، أو ربما هي أعلنت عن نفسها.

وأعلن الأسد أنه يحارب الأصوليين الإسلاميين الذين يشكلون فلول «القاعدة» في سورية. طبعاً نحن نعلم أن الأسد مستعد لقول أي شيء لتسويغ أفعاله المشينة، لكن، خلال متابعتنا الأحداث الأخيرة يؤسفنا أن نقول إن «القاعدة» أصبحت فعلاً لاعباً أساسياً على الساحة السورية، وإعلان «جبهة النصرة» ولاءها لهذه المنظومة الإرهابيّة ما هو إلا توكيد لهذا الكلام.

قامـــت الثورة على مطالب محقة لمواطنين شرفاء، ما لبثوا أن حملوا السلاح للدفاع عن أنفسهم ضد همجية القوات الرسميّة وشبيحة النظام، وما لبثت أن انضمت إليهم فرق من الجيش النظامي معــــلنة بداية سلســــلة انشقاقات استمرت لكن، بخجل. هذه هي النواة الحقيقيّة للثورة الثوريــــّة يضاف إليها كتّابها ومثقّفوها ومواطنوها الأحرار الذيــــن ما انفكوا يثيرون إعجابنا ببطولاتهم وابتكاراتهم.

إذاً، ما الفائدة التي قد تجنيها الثورة السورية إذا استغلت زخمها التيارات الإسلاميّة الأصوليّة، بل «القاعدة»، وقادتها لاحقاً إلى الهلاك؟ أصبح العنصر الأصولي يطغى مع الوقت على التيارات الأخرى في جسم المعارضة، وكان الخطأ الكبير في رفض عزل «جبهة النصرة» مقابل الحصول على المساعدة الأميركيّة. فالفكر الذي تنتمي إليه «جبهة النصرة» ليس تعددياً بل هو تكفيري. وللأسف فهو فكر أخطر من النظام البعثي السوري، وبالتالي فتأثيره في مسار الثورة السوريّة أخطر من نظام الأسد المتهالك.

ولا يمكن سوى إدانة تلك الحوادث التي تقع في نطاق سيطرة الثوار من خطف، وتفجيرات في الأحياء الآمنة، والقتل الطائفي، والاعتداء على قوات الأمم المتّحدة وغيرها. وهي أيضاً بطريقة ما انعكاس للمجتمع الذي تنتجه الثورة سواء بإرادتها أم لا، وأشك في أن المواطنين السوريين يريدون أن يحيوا في ظلّ هكذا فوضى. وأنا هنا لا أتحدث عن أفعال النظام التي لا يضاهي شناعتها شيء، لأن هذا النظام قد كشف عن أنيابه منذ وقت طويل. أمّا الثورة فما زال أمامها الوقت لتصحيح مسارها. إعلان الأسد بأنه يقود حرباً ضد «القاعدة»، ووجود نشاط ملحوظ لإسلاميين يرفعون لواء القاعدة في معسكر الثوار إنما يدعم مزاعم الأسد.

ومن جهة أخرى، فإنّ ما يجـــــري فــــي سورية الآن هو حـــــرب أهلـــيّة حقيــــقيّة، والحروب الأهليّة في بلاد معقدة مذهبياً وفي مواقع مواجهة مـــع إسرائيل لا يمكن أن تؤدي إلى نتيجة واضحة بالسرعة المطلوبة، بل ســــتكون استمراراً لنزف الدماء. من هنا، على المعارضة السوريّة أن تحــــافظ على سورية وبالقدر الأكبر الممكن سليمة ومن دون الأسد في الوقــــت نفسه، لكن ليس المطلوب أن يكون ثمن خروج الأسد هلاك سورية اقتـــصادياً واجتماعياً وسياسياً وهو ما يسعى إليه الأسد على أي حال. ولا ألقــــي باللائمة على الثوار هنا، لكن ربما حان الوقت للبحث عـــن حلول سياسيّة لإنقاذ سورية من الأسد والقاعدة والدمار.

وعلى رغم أننا لا نفعل شيئاً سوى الكتابة ولا ندري الحقيقة والعذابات التي يتكبدها المواطن السوري البريء كل يوم، إلا أنني أصر على القول إن السبيل الأساسي لنجاح الثورة السورية هو شفافيتها وإخلاصها لمبادئها وخياراتها، ولا أعتقد أن التيارات الأصوليّة المتطرفة تعمل من أجل حريّة سورية وديموقراطيتها بل العكس تماماً. الأفضل للثورة السورية خسارة بضعة أمتار على الأرض وبضعة ملايين من الدولارات وحفنة من المرتزقة الأجانب على أن تخسر رؤيتها ونقاءها.

* باحث لبناني- الحياة اللندنية.

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version