الرئيسية زوايا ثقافة وادب “الخط الأبيض من الليل” لخالد النصر الله.. الانتصار للمُبدع الحرّ

“الخط الأبيض من الليل” لخالد النصر الله.. الانتصار للمُبدع الحرّ

كتبت بديعة زيدان:حريّة الإبداع الأدبي، والرقابة على المطبوعات، والصراعات السياسية والاجتماعية والأيديولوجية التي ترافق هذه العملية، هي محور رواية “الخط الأبيض من الليل” للروائي الكويتي خالد النصر الله، والصادرة حديثاً عن دار الساقي في بيروت، وتنافس على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، بوصولها إلى القائمة القصيرة.
و”المُدقق” الذي هو الشخصية المحورية في الرواية، كان منذ طفولته شغوفاً بالقراءة، وهو ما عززته قراءة القصص الشفهية من والديه على مسامعه، ومع الوقت بدأ هذا الشغف يتصاعد، لدرجة أن عقاب والده له كطفل حال ارتبك ما يعتبره الأب تصرفاً غير مناسب، كان “حرمانه من القراءة”، أو “حرمانه من شراء أي كتب أو مجلات”!
يكبر “المُدقق” وينهي دراسته، ويعمل موظفاً في “إدارة المدوّنات المنشورة”، وتحديداً في “قسم التقديم”، ومهمته مراقبة مسودّات الكتب الأدبية قبل السماح بنشرها.
وعلى الرغم من متعته في قراءة العديد من الروايات، إلا أن الغصة كانت تلازمه بسبب قائمة الكلمات الممنوعة، والتي بسبب واحدة منها قد تمنع رواية بأكملها من الإيجاز للنشر، ومن هنا تتوالى الحكايات، منها تلك المتعلقة بمخطوطة لكاتب يعشق “المُدقق” إبداعاته، ويُدعى “الروائي الفارس”، حتى أنه هاتفه وطلب مقابلته لإقناعه بإزاحة بعض المصطلحات الواردة في المسودة والتي ستحول، لا شك، دون إيجاز الرواية للنشر، لكنّ “الروائي الفارس” رفض ذلك، بل استهجن فكرة منع الرواية من أجل مصطلح أو مشهد احتوته.
“الروائي الفارس” يتحدث عن منع روايته الأحدث في برنامج تلفزيوني، ويعلن “المصطلح” الذي لأجله تم المنع، على الهواء مباشرة، ليكشف أنه من الجائز تعميمه في برنامج تلفزيوني، لكنه ممنوع على الإصدارات المكتوبة، أو بمعنى أدق المطبوعة، ما يتحول إلى قضية رأي عام، يرافقها وقفات احتجاجية من مثقفين وفنانين وحقوقيين.
أما “الروائية المغامرة”، فتفوز بجائزة أدبية عالمية مرموقة، عن رواية سبق وأن رفضت الرقابة إيجاز نشرها في بلدها، التي لا يحددها الكاتب، فلا يجزم أنها الكويت، وهنا يرتفع منسوب الغضب والتعبير عنه ميدانيّاً، ما يدفع السلطات العليا في البلاد إلى إصدار بيان من أعلى قمة في الهرم السياسي بإيقاف عمل “إدارة المدوًنات المنشورة”، وإنهاء حالة “الرقابة”، والسماح لأي كان بكتاب ما يشاء.
“ألقت المُغامرة خطبة نوعية في ندوة عامة أقيمت بجوار مبنى البرلمان جاء في صلبها: نحن هنا لنزعجكم، لنؤرق ممارساتكم، لنكسركم، لنسأل ما لم يُسأل عنه، ولنقلق كل السلطات على حد سواء.. أنا والشاعر والرسّام والمُصوّر والقصّاص والنحّات، كلنا هنا لننطق عن الصمت لا لنغدو آلة تصفيق.. نحن على هذا الكون لنحرككم، ولنبحث عن العلل والثغرات ولنُكسب المجتمع مناعة صلدة رصينة، ولنحسّن بصيرة الدولة، نحن رئة الناس، وشرطنا.. ثم بدت رجفة خفيفة في صوتها.. شرطنا الحريّة. المبدع ليس مُخيّراً في ألا يكون حرّاً، وأي عمل فني يجري ترويضه ليوافق معايير المجتمع يتخلى عن صميمه الأصيل. الحريّة هي المحرك لوجودنا، فإما أن تتركونا وكياننا، وإما أن نلجأ إلى القضاء الدولي.. وبدأت الجماهير الهتاف والتأييد”.
وعلى إثر هذا الجدل، والشد والجذب، انتقل المدقق إلى قسم “إدارة الرد على الخطابات الرسمية”.
ومع هذا القرار تنتعش الكتابة وصناعة النشر كما عمل المطابع، والتي كان لوالد “المُدقق” واحدة ورّثها لابنه، لكنها لم تكن تعمل بالطريقة التي تدرّ الأرباح، إلا أن الأمور تغيّرت بعد إلغاء الرقابة على الإبداع والمصنّفات الأدبية، فيعيد “المُدقق” الاعتبار لها، وينعشها بطابعات ومعدات وماكينات جديدة، وتبدأ الأرباح تتوالى عليه.
“لم يعد مدققاً بعد الآن، وليست هناك أي تحفظات على مفردات وأفكار، وبإمكانه كتابة ما يريد دون حرج. ربما يحتاج الكاتب المبتدئ مشورة مؤلفين مخضرمين ونصائحهم. فكّر أن يحضر ندوات متخصصة في فن كتابة الرواية، وقد دوّن في هذا الشأن ملاحظة مهمة: على الإنسان التوقف عن ممارسة أي عمل حتى تخمد عواصف رأسه.. يخلص إلى هذه الأفكار غالباً في المطبعة التي صارت تعمل على مدار اليوم منذ قرار رفع حظر الكتب. كل الأشياء من حول المُدقّق تدلّ على أن هناك تغيّرات كبيرة مقبلة. الأحداث الماضية ونتائجها روّجت لسوق تأليف الكتب، وأحدثت طفرة غير مسبوقة لأرباح المطابع، ونشرت صحيفة إحصائية تشير إلى زيادة ملحوظة في نسبة إنتاج المطبوعات الأدبية والعلمية خلال ستة شهور تجاوزت ثمانين في المئة من الناتج السنوي العام، وطرحت أسماء إعلامية وسياسية واقتصادية كُتُبها الخاصة، كما انتشرت ورشات العمل والمحاضرات والحصص التعليمية، وشهد السوق افتتاح عدد بير من المكتبات، وراح بعضهم يدشّنون أفرعاً”.
وتتواصل هذه الفترة التي ألغيت فيها “الرقابة على الكتب” لعامين، وتحديداً بعد حادثة اغتصاب، نفذت لمن قيل أنه فعلها تحت وقع إدمانه وهوسه بما سُميّ بـ”ألأدب الإباحي”، ليعود المنع مجدداً، وتعود “إدارة المدوّنات المنشورة” بما فيها “قسم التدقيق” للعمل من جديد.
“ولكن بعد مدّة قصيرة أذيعت أخبار جديدة زعزعت البلاد.. قضت المحكمة بعقوبة مُخفّفة لمتهم في قضية اغتصاب، تناولت حيثيّاتها تفاصيل إدمانه على الكتب التي تصف المشاهد الإباحية”.
وهنا تفاعل الأمر مجدداً بين جذب وشد، حتى أن هناك من رأى “أن السلطة خضعت لمطالب أحزاب مُخالفة بغرض تسويات أو مُفاوضات خارجيّة لها ما لها وعليها ما عليها.. شهدت البلاد، آنذاك، حالة من الحراك والتوتر والداخلي.. ندوات واجتماعات وبيانات حزبية، وعلقت (الروائية المُغامرة) في تصريح مقتضب: علينا التحقق من الإجراءات الحكومية قبل إبداء رد الفعل، ومن بين عدد من التعليقات القريبة والمتشابهة، قال (الروائي الفارس) بلهجة حاسمة: هذه خطوة أولى وواضحة للعودة إلى الوراء”.
“وقد مضت عشرة أيام منذ صدور البيان الرئاسي، بينما تعطلت المصالح ذات الصلة بالنشر والطباعة كافة، وخيّمت أجواء قلقة تصاعدت معها حدّة الخطاب الموجّه من المعترضين إلى الحكومة.. في أجواء كهذه، فضّل المدقق أن يبقى بعيداً، رغم قلقه وفضوله الجامح. يُفرغ في جوفه فناجين القهوة المتعاقبة. ينتظر الأخبار التي تأتي بها الأيام. يقرأ الكتاب ويطوف صفحات دون إدراك، ويتناول أقراصه بانتظام أرهق معدته”.
وفي فترة إلغاء الرقابة، سابقة الذكر، كان “المُدقق” قد شرع بكتابة روايته الأولى، وتقوم على أحداث فنتازية، عبر شخصية متخيلة تحمل اسم “مُدمّر المكتبات” يقوم بملاحقة ثلاثة فتيان، فيلجؤون إلى ذات النفق الذي كان “المُدقق” قد دخله قبلهم، فيجدون رواية عن حكاياتهم تم خطها على جدارنه.
وكان “المُدقق” الذي رفض ممارسة قرار العودة إلى الرقابة، فقام بالتحايل عليها بالتوافق مع “الروائي الفارس” انتصاراً لحريّة التعبير، وذلك من خلال الالتزام بطباعة عدد نسخ قليلة من المُنتج الأدبي كما أقرته الرقابة، والنسخ الأكبر تبعاً للمخطوط ما قبل الحذف، ما حقق هدفهما في عدم الانصياع للرقابة من جهة، وزاد من نسب مبيعات مطبعته من جهة أخرى، وهي المطبعة التي في وقت لاحق اكتشف واقعها “المسؤول” في الدائرة أمرها، وهو مخالف للقوانين، لذا يَعتَبِر “المُدقق” نفسه مُطارداً، فيتغيّب عن العمل، ويختبئ في قبو رفقة مكتبته ومخطوطاته، بعد أن يُبلغ شريكه بالتوقف عن إتمام المشروع القائم على طباعة نسختين من كل عمل سرديّ.
“في صمت النفق، غدا المدقق مُتكاثقاً وحواسه، يميّز درجات الأصوات ويحدد مصادر الروائح، ويتحسس الأشياء في الظلام بنباهة أعمى. أصبح في استطاعته أن يفتح أي كتاب على الصفحة التي يحددها مباشرة دون الحاجة إلى البحث والعبث (…) قرّر تقسيم مساحته من النفق إلى أركان: جهة تخصّ القراءة تريح ظهره وتمنحه إضاءة جيّدة، وموقع آخر للكتابة مُحفّز وملهم وتأتي إليه أصوات من الخارج مُدرّة للأفكار”.
من الملاحظ، أنه على الرغم من أهمية الفكرة المحورية في الرواية، إلا أن هناك أحداثاً تبدو غير مبررة أو مجتزأة، كما حال غياب شخصيات لم تكن ثانوية بشكل مفاجئ، وبما لا يتوافق والسياق السردي العام.. حضرت الفكرة وغاب إشباعها في أكثر من اتجاه.

Exit mobile version