الرئيسية زوايا أقلام واراء لصقة جونسون قبعت بانقلاب أبيض ديمقراطي … بقلم :باسم برهوم

لصقة جونسون قبعت بانقلاب أبيض ديمقراطي … بقلم :باسم برهوم

توصل البريطانيون، وبعد إعطائه مؤشرات ومن ثم محاولات ناعمة، إلى استنتاج أن رئيس وزرائهم بوريس جونسون، المتشبث بمنصبه، يشبه تماما لصقة جونسون التي تستخدم لآلام الظهر، لا بد من قبعها قبعا، وبالفعل تم خلعه بانقلاب أبيض ديمقراطي.

فما جرى قبل عيد الأضحى، في بريطانيا هو من الناحية العملية انقلاب على بوريس جونسون، انقلاب لم يشارك به لا العسكر أو الشرطة ولا الشعب، إنما قامت به نخب حزب المحافظين الذي كان جونسون زعيما له إلى أن أجبر على الاستقالة قبل أسبوع تحت وطأة ضغوط متواصلة من هذه النخب.

لم يحدث ذلك بشكل مفاجئ وإنما بعد أن تجمعت وتراكمت عوامل كثيرة، تسريب فضائحه، الحفلات في منزله في ذروة جائحة الكورونا، وتصرفاته التي تبدو للكثيرين بأنها غير متوازنة، بالإضافة إلى شعبويته المبالغ فيها في نظر الرأي العام البريطاني، الذي يميل في غالبيته للاتزان أكثر، بعد كل ذلك بدأ الحزب (المحافظين) يتخلى عنه تدريجيا وتزايدت الأصوات التي تنادي باستقالته. ثم وبعد أن أظهر جونسون الكثير من الممانعة ورفض الاستقالة، بدأ وزراء حكومته الواحد بعد الآخر بالقفز من مركبه الغارق، وفي لحظة وجد نفسه عاريا من أي دعم، وأن أكثر من نصف وزرائه قد استقال، ومن لم يستقل فقد نصح جونسون بالتنحي، فاضطر بعد كل ذلك إلى الاستقالة من زعامة الحزب، الأمر الذي يعني أنه يقود اليوم حكومة تسيير أعمال،  وما إن ينتخب الحزب زعيما جديدا له حتى يذهب جونسون إلى البيت.

ما حصل في بريطانيا وباختصار شديد هو أن حزب رئيس الوزراء انقلب عليه، وانقلبت عليه حكومته، وهو لم يكمل بعد الثلاث سنوات في الحكم. وعلينا أن نتذكر هنا أن جونسون لم يكن ليصل لا لزعامة حزب المحافظين، ولا لرئاسة الحكومة، لولا أنه ركب موجة التطرف والشعبوية فيما يتعلق بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي “Brexit” وهو اختصار لكلمتين “Britain Exit  ” ويرمز إلى خروج بريطانيا من الاتحاد. وقبل الانتقال إلى من قد يخلف جونسون في رئاسة الحكومة، لا بد من التذكير أيضا، أن هذا الشعبوي قد بدأ حياته صحفيا في صحيفة الديلي تلغراف، وطردته الجريدة بعد فترة قصيرة لأنه سرق مقالا أو دراسة لصحفي آخر، بعد ذلك تنقل جونسون بين الصحف، وتطور إلى كاتب وروائي، لكنه برأي النقاد كان روائيا رديئا.

وفي ظن كثير من المراقبين أن جونسون بالغ في ركوب موجة الحرب الأوكرانية، لا حبا بأوكرانيا بل بهدف إطالة بقائه في رئاسة الحكومة، من دون شك أن بريطانيا وبغض النظر من يكون رئيس حكومتها، فإنها ستكون بالتأكيد داعمة لأوكرانيا، ولكن الفرق هو في الدعم الاستعراضي الذي كان يستخدمه جونسون لأغراض شخصية على الأغلب.

على أية حال الانقلاب الأبيض الديمقراطي، هو نمط مستخدم في بريطانيا، أعرق الدول الديمقراطية في أوروبا والعالم، هكذا تم الأمر مع مارغريت ثاتشر في الثمانينيات من القرن العشرين ومع تيريزا ماي، التي قاد جونسون شخصيا انقلاب المحافظين عليها وهو اليوم يشرب من الكأس المر ذاته. ومع أن بريطانيا قد تنفست الصعداء مع قرب رحيل هذا الشعبوي، إلا أن التقديرات أن من سيخلفه لن يقل عنه يمينية خصوصا بما يتعلق بعدم العودة قطعيا للاتحاد الأوروبي، فمن كان من زعماء حزب المحافظين ضد الخروج أو أنه متردد، فإنه اليوم لا يستطيع ألا دعم وتأييد Brexit بعد أن أصبح استراتيجية ثابتة في السياسة البريطانية، حتى ان زعيم حزب العمال كير ستارمر اعلن قبل أيام ان حزبه سيواصل عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي إذا ما فاز في الانتخابات القادمة.

أما عن ورثة جونسون لزعامة حزب المحافظين ومن ثم لرئاسة الحكومة، فلدينا اليوم عشرة مرشحين، وبعد إعلان وزير الدفاع بن والاس عدم ترشحه، والذي كان أقوى المرشحين، فإن أبرز المتنافسين، ريشي سوناك وزير المالية السابق في حكومة جونسون، وليز تروس وزيرة الخارجية الحالية، وساجد جاويد، وهو من أصول باكستانية، وتولى في وقت ما عام 2028 وزارة الداخلية، وجيرمي هانت، وزير الخارجية السابق، وناظم الزهاوي، من أصول عراقية كردية، وهو وزير المالية الحالي، ومايكل غوف وزير الإسكان السابق، وبيني موردثريت وزيرة الخارجية السابقة.

 وبخصوص آليات انتخاب زعيم حزب المحافظين، فهي تمر بمرحلتين، الأولى يرشح من يرغبون بالتنافس أنفسهم، وتترك لهيئات الحزب عملية اختيار اثنين من المرشحين، ومن ثم تجري المرحلة الثاتية ويشارك فيها جميع أعضاء الحزب بالتصويت لاختيار أحد الاثنين فيصبح الفائز زعيما لحزب المحافظين ورئيسا للحكومة.

وبما يتعلق بالتغيرات المحتملة في السياسة البريطانية الخارجية، فلا يتوقع أن تكون هناك تغيرات ذات مغزى سوى من زاوية الأسلوب، فالمرجح أن تعود هذه السياسة إلى النمط التقليدي المحافظ بعيدا عن الشعبوية والخطوات الاستعراضية، ستواصل بريطانيا بالتأكيد عملية البريكست، كما ستواصل دعم أوكرانيا ربما بشكل أقل حماسة من جونسون. ولكن أيا يكن رئيس الحكومة،  فإنه سيواجه أوضاعا اقتصادية صعب ومعقدة، وربما سيواجه ركودا اقتصاديا قد تكون الحلول له صعبة، لأن جذور هذا الركود عميقة ومتشعبة، منها ما هو قديم له علاقة بعملية الخروج من الاتحاد الأوروبي، وما يترتب على هذه العملية من تبعات مالية، وهناك ما تركته جائحة الكورونا من تداعيات على الاقتصاد البريطاني، وهناك بالطبع ما هو راهن له علاقة بالأثر الذي تتركه الحرب الأوكرانية والأزمات التي تلف العالم من طاقة وغذاء وارتفاع متزايد للأسعار ونسب التضخم.

Exit mobile version