
الايام – كتب يوسف الشايب:كان فيلم “لماذا المقاومة؟” للمخرج اللبناني الراحل كريستيان غازي، من بين تلك الأفلام التي تعرضت للإبادة حرقاً، على يد ميليشيات لبنانية، حتى أنه رحل في الشهر الأخير من العام 2013، دون أن يعلم إلا بإنقاذ فيلم واحد شكل أيقونة فنيّة على مستوى سينما الثورة، وهو الروائي الطويل “مائة وجه ليوم واحد”.
مؤخراً، ولمناسبة الذكرى الخمسين لاستشهاد الأديب المناضل غسان كنفاني، احتضنت قاعة المسرح البلدي في رام الله، العرض الأول لفيلم “لماذا المقاومة؟” لغازي، بتنظيم من مؤسسة “فيلم لاب – فلسطين”، وبالشراكة مع البلدية، ونادي “سينما لكل الناس” في بيروت صاحبة الحق في أعمال كريستيان غازي.
ويشتمل الفيلم على لقاءات مصورة بالإنكليزية، وبأسلوب فني مغاير لذلك النمط الكلاسيكي في أفلام كهذه، مع شخصيات عدّة تمثل الفصائل الفلسطينية الفاعلة على الساحة الفلسطينية في ستينيات ومطلع سبعينيات القرن الماضي، من بينهم الشهيد غسان كنفاني عن الجبهة الشعبية، ود. نبيل شعث عن حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، والمفكر السوري صادق جلال العظم عن الجبهة الديمقراطية، والكاتب والمؤرخ الفلسطيني صبري جريس، والكاتبة والصحافية والمحللة السياسية الفلسطينية نادية حجاب، والسياسي والمترجم والباحث الفلسطيني أحمد خليفة، والفيزيائي والمؤرخ الفلسطيني اللبناني أنطوان زحلان، والرسامة والنحاتة ومصممة الأزياء اللبنانية أوغيت كالان.
ويعتبر الفيلم وثيقة سينمائية وسياسية في غاية الأهمية لأكثر من جهة، منها التمكن من إحياء فيلم كان في عداد الموتى، ومنها مضمون الفيلم على المستوى السياسي والفكري والمعلوماتي والتحليلي، علاوة على الجانب الفني للمبدع كريستيان غازي، ما يضيء على جانب مهم من الرؤى السياسية للفصائل الفلسطينية وللحقائق على الأرض واستشراف المستقبل الذي ينطبق على واقعنا، اليوم، ويعزز، في الوقت نفسه، حضور سينما الثورة الفلسطينية مجدداً، مع التأكيد على دورها الريادي في الترويج للثورة، والتحريض على الاحتلال، والانتصار للمقاومة المسلحة وغير المسلحة، وهو ما تعكسه الآراء الواردة، على توافقها وتناقضها أحياناً في الفيلم، كما يبرز الدور الريادي للمرأة الفلسطينية، منذ مطلع القرن العشرين، وحتى سبعينيات القرن الماضي.
وخلال العمل على رقمنة فيلم “لماذا المقاومة؟” (1971)، عن مقاس 16 مم، ظهرت نسختان، الأولى مدتها 53 دقيقة والثانية مدتها 38 دقيقة، وبالإضافة إلى اختلاف المدة والمونتاج، تُظهر النسختان اختلافات كبيرة في مصدر الطباعة.
وجاء في مطلع الفيلم، إن مشروع الرقمنة هذا، هدف إلى الحفاظ على النسخة المتبقية، وخصائصها، لتحقيق أهداف تعليمية وبحثية أيضاً، ففيلم “لماذا المقاومة؟” عاد ليظهر بعد عقود، مثل الكثير من أفلام كريستيان غازي التي لا تزال مفقودة، فقد تم اعتبار الفيلم ضائعاً.
في ثمانينيات القرن الماضي، وخلال الحرب الأهلية اللبنانية، اقتحمت “الميليشيات المحلية” منزل كريستيان غازي، وأحرقت 43 مادة فيلمية له.
وهذه النسخة التي حظيت بحفاوة كبيرة عند عرضها في فلسطين لأول مرة، قبل أيام، “مبنية على صيغة 16 مم من نسخة طويلة منقحة، هي جزء من ممتلكات ثرية أنطونيوس، العضو المؤسس في جمعية خمسة حزيران”، والتي هي كما يظهر الفيلم الجهة المنتجة له.
وتم تنفيذ مشروع الرقمنة بالتعاون بين معهد أرسنال للسينما والفنون البصرية في بريطانيا، ونادي “سينما لكل الناس” الذي يمثل ملكية كريستيان غازي، فيما تم تنفيذ الرقمنة في برلين، وميونخ، وباريس، في العامين 2019 و2021، وقد تحققت في إطار عمل (Atchive Auber Sich)، وهو مشروع من قبل معهد أرسنال، بالتعاون مع بيت ثقافات العالم في برلين وبالتعاون مع مفوض الحكومة الفيدرالية للثقافة والإعلام في ألمانيا.
ويتناول غسان كنفاني في الفيلم محاور عدّة موزعة على مدار قرابة الساعة، من بينها الحق في المقاومة، ولعبة اللغة التي تمارسها “قوى الاستعمار الصهيونية”، بل إنه يكشف عن معلومات يمكن وصفها بالخطيرة حول استثمارات عربية، بالتعاون مع جهات رسمية إسرائيلية، وعلى أرض فلسطين المحتلة.
ومما قاله كنفاني: حركة المقاومة الفلسطينية ليست حركة لتحرير بقعة جغرافية بمساحة 27 ألف كيلومتر مربع.. إنها حركة تاريخية تهدف لتحرير اليهود من الصهيونية والعرب من الرجعية، وتأسيس فلسطين الاشتراكية الديمقراطية.. “إسرائيل” وطن لليهود باعتبارها قاعدة إمبريالية، ونلاحظ أن شركات النفط في العالم العربي، خلال السنوات الخمس الماضية بنت مصانع في “إسرائيل”، لا سيما العسكرية منها، ويمكننا ذكر بعض الأسماء، فكلنا نعرف هذه الشركات، بنوا مصانع للمحركات النفاثة داخل “إسرائيل”، التي هي قلعة الإمبريالية الاستعمارية في هذا الجزء من العالم.
وقال أيضاً: منذ 22 عاماً، أجبر الفلسطينيون على مغادرة أرضهم، ولم يكن لهؤلاء مكان يلجؤون إليه سوى مخيمات اللاجئين في الصحراء، وهؤلاء عاشوا طوال هذه السنوات في أكثر الظروف فظاعة وقسوة على الإنسان.. لم يكونوا مجرّدين من الجنسية فحسب بل حرموا أيضاً من التمثيل في كل مكان من العالم، وهم يعيشون على قوت يومي شحيح قدمته لهم “الأونروا”.
ولا يقل حضور بقية المشاركين في الفيلم عن كنفاني، فهم بما يقدمونه من أفكار ورؤى سياسية وحقائق تاريخية، يجعلون من الفيلم درساً عميقاً في السياسة والتاريخ والفلسفة، وواحد من أهم الأفلام حول الثورة الفلسطينية، وإن لم تنتجه جهة فلسطينية، كما أنه يظهر كنفاني في حواريّات نادرة لم تظهر من قبل، كما الفيلم الذي كان ضائعاً.