
الايام – كتب يوسف الشايب:لم ينتهِ عرض الستاند أب كوميدي “بلد”، لنادي فلسطين للكوميديا، بمجرد خروج الجمهور فرحاً ومنبهراً من قاعة مسرح مؤسسة عبد المحسن القطان في مدينة رام الله، قبل أيام، بل تواصل النقاش طويلاً ما بين أفراد من المائة وسبعة أشخاص ملأوا المقاعد كلّها، وما بينهم وبين أفراد من فريق العمل، مردّدين أوصافاً تندرج في إطار الإشادة، بينها: رائع، ومذهل، ومبهر، ومتقن، وكوميدي فعلاً، ويخلو من التهريج، وتلقائي، ومدروس، ويعبّر عنا، وغير ذلك.
والعمل هو باكورة إنتاجات نادي فلسطين للكوميديا.. و”النادي” مبادرة فنيّة مشتركة ما بين مخرجة الكوميديا البريطانية د. سام بيل والفنان المسرحي الفلسطيني علاء شحادة، مخرجَي العمل، وبالشراكة مع مؤسسة (IFT) البريطانية ومدرسة سيرك فلسطين، وبدعم من المركز الثقافي البريطاني.
وكان متوقعاً هذا التميّز حد إطلاق القهقهات بما يتجاوز بوابات القاعة، فكانت أمسية فرح من جهة، ومساحة لتفريغ الطاقة السلبية، والتخلص منها أو من شيء منها، علاوة على كون الفقرات المنفردة أو الثنائية أو الجماعية “عبّرت عن الكثير ممّا في دواخلنا”، وبجرأة وتلقائية في آن، لكنها تلقائية مدروسة، بعيداً عن التهريج، وبالاتكاء على المواقف التي قدمتها بل جسدتها الفنانات والفنانون بصرياً أمامنا، عبر طريقتهم الخاصة في “الحكي”، ومن خلال إيماءات الوجه، وتعبيرات الجسد متعددة الأوجه.
وهذا التوقع بالخروج بعمل مغاير، يتأتى لكون المشاركين فيه، والقادمين من كامل الجغرافيا الفلسطينية، ومن الجولان السوري المحتل، يتمتعون بحضور متميز فردياً، أو عبر مشاركاتهم في أعمال مسرحية جماعية، أو أمسيات أدائية، كوميدية أو تحوي شيئاً من كوميديا، والحديث هنا عن الفنانين: حنا شماس من حيفا، ورائد الشيوخي من الخليل، وإباء منذر من الجولان، وديانا السويطي من بيت عوا، وخليل البطران من إذنا ورام الله، وعلاء شحادة من جنين.
وقدّم كل واحد من الفنانين فقرة منفردة، تناول فيها شيئاً من حكاياته الشخصية، وشيئاً من الواقع المجتمعي في منطقته، والواقع الاقتصادي والسياسي الذي رغم خصوصيته أحياناً تبعاً للجغرافيات الفلسطينية، إلا أنه يبقى جمعياً، فكانت حكايات “الفنان الهبيلة” و”السرفيس” و”المقاومة” وغيرهما لعلاء شحادة، وحكاية “الثلاجة” مسرحاً ومزاداً ومساحة لنقاش جدلية الذكورة والإنوثة لدينا السويطي، والاختلاف الثقافي حد الصدمة ما بين إذنا في الخليل ورام الله لخليل البطران، و”اليوغا” وحديث “البحر والجبل” لحنا شمّاس، وخصوصيّات الخليل في أكثر من اتجاه لرائد الشيوخي، والعلاقات المجتمعية في الجولان، خاصة ما بين الأم وابنتها، لاسيما ما يتعلق بـ”الزن” على ضرورة “الارتباط” وغيرها لإباء منذر.
وكان ثمة جدليات عدّة ذات طابع ثقافي كذلك المزيج المتقن ما بين الفنون الشعبية في جنين، وفن “الراب” الآخذ في التوسع فلسطينياً، وقدم اللوحة المتميزة على مستوى الأداء، والقدرة على التحكم في تحركات الجسد وتعبيرات الوجه كل من شحادة والبطران، وغيرها من الثنائيات على شكل حواريات كوميدية، علاوة على طرح قضايا عادة ما تصنف بأنها “مسكوت عنها” مجتمعياً وسياسياً، وغير ذلك.
واستطاعت بعض الكلمات التي كررها عدد من الفنانات والفنانين المشاركين في عرض “بلد”، أن ترسخ في أذهان المشاهدين، حتى بعد مرور أيام من عرض القهقهات الصاخبة، كـ”أنا آسف” لحنا شماس، و”مالك” لرائد الشيوخي، و”يو يو” لأحمد مكي (دبّور) على طريقة خليل البطران، وغيرها.
وبرزت الإدارة الفنيّة الإبداعية للمخرجة البريطانية د. سام بيل وشريكها الفلسطيني الفنان علاء شحادة، بوضوح في العرض، وخاصة على مستوى إدارة الحركة، وإدارة الفنانين، لاسيما في اللوحات الثنائية والجماعية، وبعض التدخلات المؤثرة إيجابياً، على بساطتها الشكلية، من فنانين في فقرات زميلات أو زملاء لهم في العرض، مع عدم إغفال التصميم لريغاش، والتقنيات لإيهاب غفري.
منذ فترة لم تغصّ قاعة مسرح مؤسسة عبد المحسن القطان بالجمهور، وتمتلئ المقاعد المائة وسبعة، وتفيض، ومنذ فترة لم يخرج الجمهور سعيداً يحمل الكثير من طاقة إيجابية تكفي لتسير به في ظل يوميّات سلبية، ولو لبعض الوقت، ومنذ فترة لم نحظ بعرض كوميدي يستحق وصف “كوميدي”، بعد أن نجا من شرك التهريج والاستسهال.
ووُظفّت في العرض تقنيات أدائية عدّة، من بينها ليس فقط التقنيات المسرحية، بل الاستعراضية والأكروباتية أحياناً، علاوة على تلاقح فنون أخرى، كالموسيقى والغناء والرقص، للتعبير عن مشاكل بل مآسي “البلد”، وذلك بالاتكاء على تجارب خاصة، فكان العرض الذي فاض بما في نفوس الكثيرين من أهل فلسطين.
ستاند أب كوميدي “بلد”، ضحك في فرط الوجع، ونقطة تحوّل نحو كوميديا مغايرة في فلسطين.