الرئيسية زوايا ثقافة وادب أسماء عزايزة.. أقدام صغيرة في حذاء الثورة الواسع!

أسماء عزايزة.. أقدام صغيرة في حذاء الثورة الواسع!

الايام – كتب يوسف الشايب:حافية القدمين كانت تطأ أرض القصيدة غير اليباب، كما أرضية قاعة مؤسسة عبد المحسن القطان في رام الله، كأنها أرادت أن تضع بصمات أصابع قدميها ربّما على رمل الشاطئ على الشاشة خلفها، أو تدوس بلا حذاء وسيط على لغم منسيّ من جولة قصف في بغداد، أو لتصعد على الأريكة حيث السيدة حافية القدمين أيضاً، تجلس معها فيما تبقى من حيّز ضيق، وتحدّثها.

أسماء عزايزة، الشاعرة الحقيقيّة في زمن سرابيّ، كانت تتجول، وبلوح كنعاني وشمته على ظهرها، في حقل البصل الأخضر يد أمّها تُعشّبه، ويد والدها مقبورة فيه، متقمّصة أربعين بدناً وخارجة من خمسين.. تسير وتسير لعلها تقنع الناس بأن عمرها أربعة آلاف سنة.. تمشي “في الفناء الخلفي”، وتبحث “عن ذيل السمكة التي أكلتها قبل ثلاثين عاماً”، وعن “القطة المُرقّطة”، وعن “القصص البوليسيّة” التي تقمّصتها، وأيضاً عن “الفزاعة” التي أنقذتها من الموت الذي كادته آلاف المرّات في نومها.

وبينما كانت الأمومة تتفرج من بعيد، عَمِدتْ إلى إخفاء بندقية والدها، بانتظار “حكم الغزلان”، لكن “شعب الله المختار” بات “يختار رؤوسنا واحداً واحداً”، ويجرّنا “إلى المسلخ الكبير”.

برفقة الفنانة هيا زعاترة، نصبت عزايزة مع حافية القدمين الثانية صوتاً شجيّاً وموسيقى، كما نصبت سيركها الخاص، حيث النكات، وحيث القصيدة تستحيل مشهداً سينمائياً لمخرجة هزلية من فرط عمق ما تقدّم.. كانت فيلسوفة لا شاعرة فحسب، فمع كل صيحة “Cut”، تعيد للمشهد حضوره اللائق، بل تزيده بهاء، وتقذفنا بجرعات من الحكمة، بلا تنظير، وصراخ، واستعراض، حيث “الإنصات بأفواه مفتوحة”، كما كانت حالتنا إزاء ما قدّمته من نصوص، “ممنوع”، كما “التذكّر”، و”مداعبة فرو الحيوانات”، و”الحب من النظرة الأولى”، و”الضحك الذي يصيبك بالعدوى”، و”التباكي الأهبل على الماضي”، و”الأمل الذي ينزل” من القلوب “مثل حليب فاسد”.

ولمواجهة قائمة الممنوعات في ذلك السيرك “المحترم” و”المهجور”، ثمة سيناريوهات تحدث ما كانت لتحدث، سيناريوهات تزجنا في أسئلة الوجود، وما قبل، وما بعد، فما وراء نصّ شعريّ مُغاير، ثمة صيحة مشروخة من فمّ مرّ، يبتسم، فليمع ضرسه الذهبي، وكأن العمر ليس إلا محض “نكتة”، أو ثلث كلمة.

وفي قصيدتها المشروخة من مجموعة “الجسد الذي تسلقته يوماً”، وبينما فيديوهات آدم زعبي تكمل اللوحة ثلاثية الأبعاد أو يزيد، ترى الشاعرة تتحدث عن قصص الأنبياء وتقاربها بورق اليانصيب، حيث الفنتازيا القويّة عن الحياة الهانئة، بينما فراغ وكمال واكتمال، ملتحفة لباس صوفيّة تارة، ولباس رفضويّة تارة أخرى، وعباءة المتسائلة بلا إجابات، وكأنها “استعارة” لحرب مضت، وحروب نعيش، وحروب قادمة، منها ما يترك أثره على الشوارع والمباني والغابات، ومنها ما يعلق في المطبخ، حيث تلعن الأم “سقوط بغداد”، أو في الذاكرات، أو على الجسد المنخور، أو في متن القصيدة، حيث “الطائر ثقيل المعدة”، وحيث يكون “الحب أعمى كالمذابح”.

كان عرض رام الله، مساء أول من أمس، هو الأخير لهذا العام من “حوض من البصل الأخضر”، بعد عرض في البرتغال، وخمسة في مهرجان “أفينيو” بفرنسا، والثاني هنا، في مقرّ مؤسسة عبد المحسن القطان أيضاً، وبعد ثلاث سنوات، مع عدد من القصائد وربّما الوجوه ذاتها.. عرض لم ينتهِ مع آخر كلمة في القصيدة التي عنونت الأمسية الشعرية الفنيّة، فكلمات الشاعرة الكنعانية لا تزال تدق جدراننا، متسللة عبر شرايين القلب، والسيّالات العصبية، لتقرع دواخلنا بعصبيّة وهدوء في آن، محدثة ما أحدثته فينا.

خرجتُ بعد وشوشات الأصدقاء.. “نص رائع”، “صوت جديد ومغاير”، “حضور مميّز”، “قدرة فائقة على تقديم صياغة غير مسبوقة”، “ثمة حكمة هنا وطرح فلسفي”، “هذا نص وجوديّ”.. “ياااه خدشني هذا الخطأ اللغوي قراءة”، “لا بأس”، “هذا مشهد مرعب”، “إنها تكتب سينما وليس شعراً فحسب”.

نغادر المكان أنا وصديق لي، تلسعنا نسمات شارع “المطل” خارج المبنى، نواصل الحديث عن العرض الصوتي البصري وأسماء عزايزة وشِعرها.. أكاد أجزم أن نيلسون مانديلا العملاق الثابت في مكانه هزّ رأسه قليلاً.. اتجهتُ يميناً واتجه يساراً، وظلت ترافقني القصائد حتى ما بعد وصولي إلى البيت.. وظلّ رجع الصدى يتردّد بأنّ “الثورة حذاء واسع وأقدامنا صغيرة”.

Exit mobile version