الرئيسية زوايا أقلام واراء “حماس” والمقاربة السياسية … واقعية سياسية أم تحولات دراماتيكية!‏ بقلم: د. منصور...

“حماس” والمقاربة السياسية … واقعية سياسية أم تحولات دراماتيكية!‏ بقلم: د. منصور أبو كريم

لم يكن عدم رغبة حركة “حماس” وجهازها العسكري الدخول على خط المواجهة مع الاحتلال ‏الإسرائيلي خلال جولة التصعيد الأخيرة التي قادتها حركة الجهاد الإسلامي وجهازها العسكري ‏”سرايا القدس” بمفردها بمساندة بعض الفصائل الأخرى؛ إلا تعبيرًا عن تقديم الحركة المقاربة ‏السياسية على المقاربة العسكرية في مسعى منها للتجاوب مع تطورات الأوضاع الدولية ‏والإقليمية، وإكراهات الواقع المتردي في قطاع غزة بعد سنوات من الحصار والحروب التي ‏أنهكت الحجر والبشر.‏


منذ اللحظة الأولى لاندلاع المواجهة لم ترغب حركة “حماس” في الدخول على خط المواجهة لأسباب ‏تتعلق بسوء الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والانسانية في غزة وعدم رغبة الحركة في تكرار ‏سيناريو حرب ايار 2021، فهل هذا الأمر يمثل عقلانية سياسية جاءت متأخرة؟ أم يعبر عن ‏تحولات جذرية في سلوك الحركة السياسي تجاه آليات التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي الذي ‏يستخدم مع الحركة سياسة (العصا والجزرة).‏

لقد كشفت جولة التصعيد الاخيرة عن مدى التحولات التي طرأت على سلوك حركة “حماس” ‏السياسي بعد سنوات من دخولها النظام السياسي الفلسطيني وسيطرتها المنفردة على قطاع غزة، ‏فالحركة التي كانت تصنف على أنها رأس الحربة في مشروع المقاومة المسلحة باتت تفضل ‏العمل السياسي على العمل المسلح، هذا التحول ترافق مع رغبة الحركة في الحصول على ‏الشرعية الدولية والاقليمية في إطار صراعها الداخلي مع حركة “فتح” ومنظمة التحرير على زعامة ‏الشعب الفلسطيني، عبر الجنوح أكثر إلى التعاطي الإيجابي مع متطلبات المجتمع الدولي عبر ‏ضبط استخدام السلاح في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وتقديم المقاربة السياسية على المقاربة ‏العسكرية مع الاحتفاظ بورقة “القسام” كضمانة لاستقرار حكمها في غزة.‏

هناك مؤشرات كثيرة على قياس درجة ومدى هذا التحول، منها وثيقة المبادئ والسياسات العامة ‏التي شكلت نقلة نوعية في فكر الحركة تجاه التسوية السياسية، وتصريحات قيادة الحركة في ‏الداخل والخارج، التي باتت أقرب إلى برنامج منظمة التحرير الفلسطينية عبر القبول بدولة ‏فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967.‏

“حماس” لم تكن الاستثناء الوحيد في الحالة الفلسطينية؛ فهذا المسار سلكته من قبلها حركة “فتح” ‏ومنظمة التحرير عقب الخروج من بيروت عام 1982، عبر تقديم المقاربة السياسية والعمل ‏السياسي على الكفاح المسلح، وهو الأمر الذي ساهم في دخول المنظمة على خط التسوية ‏والتوقيع على اتفاق أوسلو عام 1993، وما يحدث بين الاحتلال الإسرائيلي وحركة “حماس” من ‏تفاهمات برعاية دولية وإقليمية يمثل تمهيدًا لدخول الحركة على خط التسوية السياسية المباشرة ‏مع الاحتلال إن توفرت المعطيات الدولية والإقليمية والفلسطينية التي تساند ذلك.‏

ربما هذا التطور في سلوك الحركة تجاه تقديم المقاربة السياسية على المقاربة العسكرية ناتج عن ‏مأزق حكم الحركة في غزة، بعد سنوات من الحصار والحروب؛ مما أدى لتردي الوضع الإنساني ‏في غزة في ظل ارتفاع معدلات البطالة والفقر وسوء التغذية، مما دفع الحركة لعدم الدخول على ‏خط المواجهة مع الاحتلال خلال جولة التصعيد الأخيرة، خشية منها من تكرار سيناريو حرب ايار 2021 التي أدت لتدمير البنية التحتية في غزة بشكل كامل.‏

ثمة مؤشرات كثيرة تؤكد أن حركة “حماس” تقف الآن على مفترق طرق جوهري ومصيري، بين ‏كونها جزء من محور مقاومة يقدم العمل العسكري على العمل السياسي في التعاطي مع ‏الاحتلال الإسرائيلي في إطار برنامج المقاومة الذي نجحت من خلاله الحركة في كسب تأييد ‏الشارع الفلسطيني، عبر رفضها لخيار مفاوضات التسوية السياسية، وبين كونها سلطة حكم ‏تدير الأوضاع في قطاع غزة، ومسؤولة عن تدبير شؤون السكان في ظل تحديات وإكراهات ‏الواقع المتردي، وبين متطلبات المجتمع الدولي والولايات المتحدة الأميركية التي تصنف الحركة ‏ضمن قوائم “الإرهاب”.‏

هذا المسار الصعب والمتعثر الذي تمر فيه الحركة يجعلها تميل أحيانًا للعمل العسكري من ‏خلال المواجهات العسكرية المتكررة مع الاحتلال، بينما تقدم الخيار السياسي الأقل كلفة في ‏كثير من الأوقات، لضمان التوازن بين المسارات، بما يضمن من جانب البقاء في محور ‏المقاومة كتموضع استراتيجي، ومن جانب آخر التعاطي الإيجابي من متطلبات المجتمع، ‏فحركة”حماس” عقب دخولها النظام الفلسطيني وسيطرتها على غزة تحولت من حركة مقاومة ‏عسكرية بشكل صرف، لحزب سياسي يقود سلطة؛ كما فعلت “فتح” عقب اوسلو.

عدم دخول “حماس” على خط المواجهة مع الاحتلال خلال التصعيد الاخير لم يترك حركة الجهاد ‏الإسلامي بمفردها في المعركة فحسب، بل جاء تأكيدا لعمق التحولات التي ضربت فكر وسلوك ‏الحركة تجاه تقديم المقاربة السياسية على المقاربة العسكرية، والتجاوب مع متطلبات المجتمع ‏الدولي، بهدف البحث لها عن مكانة في عالم متغير.‏

*كاتب وباحث سياسي

Exit mobile version