الرئيسية زوايا ثقافة وادب الروائي المصري طارق إمام: ماكيت القاهرة احتفائي بثورة يناير ورثائي لها!

الروائي المصري طارق إمام: ماكيت القاهرة احتفائي بثورة يناير ورثائي لها!

 الايام – حاورته بديعة زيدان:”ماكيت القاهرة” بدأت كفكرة في العام 2011، وبالتحديد في شهر نيسان منه.. هذا ما كشفه الروائي المصري طارق إمام في حديثه لـ”أيام الثقافة”، لافتاً إلى أنه ذات مرّة ودون مقدّمات، وجد نفسه يكتب المقطع الأول من الرواية، والمتعلق بتلك الفنتازيا، حين يقتل الابن والده بإصبعه.
حينها لم يُدرك إمام تماماً كيفية توظيف هذا المقطع الذي أنجزه، لكنه أحسّ لاحقاً أنه مرتبط بـ”ثورة يناير” من جهة، ومن جهة أخرى لن يكون مجرد أقصوصة مستقلة، أو قصّة قصيرة، بل جزءاً من رواية، وتحديداً مدخلاً لرواية عنوانها الثورة.
بالتدريج بدأت الرواية تتكوّن، فرواية “ماكيت القاهرة” تتكوّن من جزئيات كما “البازل”، وكل جزئية ترتبط بجزئية أخرى، أو بالدارجة المصرية “تتعشّق” بها، فتكون معها مشهداً ما، أو جزءاً من مشهد، و”هكذا، حتى اكتمل المشهد برمّته”.
وأكد إمام: جزء من صعوبة كتابة رواية “ماكيت القاهرة”، أن لا فكرة كليّة تسيطر عليّ منذ اللحظة الأولى لكتابتها، بقدر ما كانت هناك مجموعة أفكار لها عمود فقري، كعلاقة الفن بالسلطة، مثلاً، وعلاقة الفن بالثورة، والفن كفعل تغيير، وغيرها، بحيث كان الفن هو مركز الرواية وسؤالها في علاقته بأمور متعددة.
“في قلب الرواية تأتي المدينة التي هي هنا القاهرة، وهي مدينة بحد ذاتها تشكل سلطة ما، خاصة أنني أتعاطى مع المدينة كنص، حتى في شكلها المعماري ويومياتها وحيوات سكانها، وهنا يأتي دور الفن ليقدّم نصاً موازياً لنص المدينة.. حالة الجدل هذه بين النص الفني ونص المدينة كانت تتملكني وتسيطر علي بشكل كبير”.
واعترف إمام مجدداً: عشر سنوات وقت طويل جداً لكتابة رواية، وهي تجربة غير مسبوقة بالنسبة لي على الإطلاق، لكن “ماكيت القاهرة” وارتباطها لاحقاً بـ”ثورة يناير”، ربما يكون وراء ذلك، فالثورة لحظة تاريخية ولكنها لم تتحول إلى تاريخ صرف، بمعنى أن الرواية تكتب، بطريقتها، حدثاً لم يغلق قوسه بعد، باعتبار أن هذه اللحظة التاريخية لم تنتهِ بعد، بحكم تبعاتها وظلالها، فكل ما يحدث اليوم في مصر يمكن إعادته وربطه بـ”ثورة يناير”، والفن عادة يكون أكثر قوّة حين يتعاطى مع لحظة مغلقة وأحكم إغلاقها، حتى في الحاضر.
وتابع صاحب “ماكيت القاهرة”: النسبة لي “ثورة يناير”، وكما كنتُ أقول لأصدقائي، هي ليست روايتي بقدر ما هي جريدتي اليومية، فكل يوم تأتينا الأحداث بجديد، وهذا الجديد لابد مرتبط بالرواية، ولكوني غير قادر على تجاوز هذا الحدث أو ذاك، فإني أعود إلى الرواية، وأفتحها مجدداً، وبالتالي فهي رواية خاضعة للتحديث المستمر، حتى أنني كنت على قناعة بأن الروية هذه لن تُنشر، وربما ذلك بحكم قناعة تولّدت لدي لفترة بأنها الرواية التي سأبقى أكتبها إلى الأبد.
“بدأت لفترة أكتب وأحذف، وأحياناً أتوقف عن الكتابة ومن ثم أعود.. ذات مرّة تخلصت من مسودة كاملة (درافت) للرواية، باستثناء بعض الجوانب المركزية، حتى شعرت بأن كتابتها بدأت تسير، ويتولد إيقاعها كما أريد.
وأكد إمام على أنه، ووفق تجربته، “لا يجد أن هناك مدخلاً واحداً لكتابة الرواية، فعندما نفصِل العناصر حين نتحدث عن أعمالنا، نجد أن عملية الفصل هذه إجرائية، وعادة ما تكون بعد الانتهاء من الكتابة، أو حتى بعد النشر، فنتحدث عن عناصر نعتبرها مستقلة، كاللغة، والموضوع، والحبكة، والتقنيات، وغيرها.. لكن اللحظة الروائية نفسها ملتبسة، فاللحظة الأولى في كتابة نص، تُخلق ملتبسة في العديد من عناصر النص الأصلية، أو التي من المقرر لها أن تكون أصلية”.
“لا يمكن أن أبدأ في كتابة رواية، دون أن يكون لديّ تصوّر أوليّ حول اللغة وشكلها، أما الموضوع فهو جملة من المواضيع.. صحيح أن مدخلي إلى هذه الرواية ثورة يناير، لكنه ليس المدخل الوحيد، فهناك مداخل أخرى كعلاقة الفرد بالمدينة، وأسئلة الفن، والمسافة بين المدينة الواقع والمدينة المتخيلة، ليس بمعنى المدينة غير الموجودة، لكن بمعنى المدينة التي من الممكن أن يخلقها واقع افتراضي، على سبيل المثال.. وفي الأدب، المسافة بين قاهرة طارق إمام وقاهرة نجيب محفوظ تشكل مدخلاً من مداخل الرواية أيضاً.. هذه المداخل وغيرها، لا يتأتى أحدها على حساب الآخر، ولا يمكنني القول إن واحداً منها أهم من الآخر، كما لا يمكنني القول إن أحدها انطلقت منه، والبقية جاءت تباعاً.. جميع هذه المداخل حضرت بالتوازي، كما هو حال أزمنة الرواية: 2011، و2020، و2045، والزمن المستقبلي الأبعد، وهي أزمة تحضر في الرواية بالتوازي أيضاً، وليس بالتعاقب”.
وشدد إمام “الفن قيمة عظيمة جداً، وفيه ما لا يمنحها الواقع إياه، فمن خلالها يمكن جعل كل الأزمنة حاضراً.. في الفن تستطيع أن تجعل ما حضر تاريخياً، حاضراً روائياً، وكذلك هو الحال من لحظة في المستقبل لم تقع بعد، وهو ما لا تتيحه الحياة بشكل واضح.. الفن كذلك يمكن أن يكون أداة داخل النص”.
وكان هدف إمام في الرواية كما يقول “إعادة قراءة القاهرة كمدينة، برأيي، لم تستهلك إبداعياً، رغم أن بعض الكتّاب الشباب استحضروها كلاسيكيّاً.. القاهرة تحتاج إلى قراءة مختلفة على الدوام تخرج بها عن قاهرة نجيب محفوظ، وما بعده، وليس بالضرورة أن أكون نجحت في ذلك بالمناسبة، لكنه طموحي ككاتب يقارب في عمله مدينة كالقاهرة”.
“كنت أسعى إلى القيام بنص يحاكي المدينة النصّ، برأيي، يحاكي أبناء أجيال عايشت أزمنة صعبة، فحاولت أن أعكس صورة مدينة وأشخاص فيها، بحيث يكون كلّ قاهري في الرواية تمثيلاً لأي شخص في الوجود.. وبقدر ما كنت أطمح إلى عكس خصوصية القاهرة في روايتي هذه، فإنني سعيت لتكون القاهرة نموذجاً لأي جغرافية في العالم”.
وحول تقنيات الرواية، أشار إمام إلى أن “ما يجعل من الخطاب الأدبي خطاباً أدبياً هو التقنية، أي الكيفية التي تحوّل بها عدداً من المعطيات، سواء جاءت من الواقع أو التاريخ أو من نصوص أدبية أخرى إلى طريقة بعينها، ودون غيرها في هذا القول المحدد الذي أنت بصدده.. بالنسبة لي أيضاً، فإن التقنية جزء من الرؤية، خاصة أنني غير مقتنع بالفصل ما بين الشكل والمضمون، فلو أردت الكتابة عن أشخاص ممزقين واستخدمت بنية روائية قائمة على هذا التمزق عبر الكولاج، فإن هذه البنية تعكس رؤية، وهكذا”.
“الرواية كحوارية، أو ككرنفالية، ليس فيها لغة أنقى من لغة، أو لغة أكثر سموّاً من غيرها.. الرواية قادرة على استيعاب توظيف لغة الشعر الجاهلي، ولغة الجريدة، ولغة الشارع، كما تستوعب الفصحى بأطيافها، مثلما تستوعب العامية بأطيافها المتعددة أيضاً.. جزء من روائية الرواية، برأيي، عدم التعالي من حيث المبدأ على لغة ما، لكن المهم أن تكون هذه اللغة أو اللغات تجد مبررات توظيفها داخل النص الأدبي”.
وختم الروائي طارق إمام حديثه لـ”أيام الثقافة” بالقول: ما زلت على قناعة بأن “القوس لم يغلق”، لكن عزائي بأن “لا كتاب ينتهي”، وهو ما وثقت له في الرواية نفسها، لكني شعرت بأنه آن الأوان لنشر “ماكيت القاهرة”، خاصة مع مرور عشر سنوات على “ثورة يناير”، وكأنها احتفالي الشخصي بهذه الثورة أو رثائي الشخصي لها.

Exit mobile version