
الايام -يوسف الشايب:ليس من السهل عدم الخروج بنتيجة مفادها، أن ثمّة العديد من التأويلات سياسية، والإسقاطات على واقع تونس المُعاش، في الفيلم الذي يمثل الجمهورية في المنافسة على “أوسكار” أفضل فيلم دولي غير ناطق باللغة الإنكليزية، وأعني “تحت الشجرة” أو “تحت شجرة التين” (Under The Fig Tree)، وعُرض في الدورة التاسعة لمهرجان أيام فلسطين السينمائية الدولي، وانتظم في الفترة ما بين الأول والسابع من الشهر الجاري.
ففي أحداث أربع وعشرين ساعة، وتحت وفوق وبين “أشجار التين”، وفي إطار مهمة جمعه، ثمة الكثير من الأشخاص الذين يجمعهم العَوَز كما الحلم بغد أفضل، والكثير من الحبّ، كما الكثير من الاختلاف، وشيء من الصراع أحياناً، واستغلال النفوذ لمنافع مادية نقدية أو أخرى تتعلق بالانتفاع من أجساد قاطفات تلك الثمرة المقدسة.
وأبدعت أريج السحيري في إدارة فيلم لا يخلو من سحر خاص، ما بين أكثر من شوط فيما يمكن وصفه بـ”مباراة اليوم الواحد”، فما بين ارتفاع وهبوط على صعيد الهجوم والدفاع، والتنقل ما بين “اللاعبين”، تطلق المخرجة التونسية صافرة النهاية، دون الكشف عن ماهية الفائز وماهية المهزوم، في لعبة الحياة التي فيها الكلّ رابح والكلّ خاسر أيضاً، مشددة على أن رباط “الأخوة”، ولو كان هشّاً، يبقى هو الجسر القادر على نقل الجميع إلى برّ النجاة.
أبدعت الشابات من الممثلات كما الشبّان من الممثلين مجتمعين في تجسيد أدوارهم، دون التقليل من أداء كبار السن، فشكلوا سوياً لوحة أطّرتها بامتياز السحيري على المستوى الشكلاني والمضاميني، حيث الصورة المبهرة والإدارة المتميّزة للتقنيات المرافقة، كما الفنانين الذين قدموا حكايات ورصدوا حيوات تبدو بسيطة للغاية، لكنها في مجموعها تشكل أحلام وطن، ما بين بعض الدراهم الإضافية، أو قلم الحمرة، أو لباس أحدث أو أجمل أو وفق “الموضة”، على المستوى الماديّ الملموس، أو الظفر بحبّ الشاب الوسيم، أو التفاخر بإيقاع المزيد من الفتيات في شرك الغرام، على المستوى الحسيّ، دون إغفال تلك المقارنة ما بين ماضٍ كان ويعشعش في ذاكرات أصحابه، ومستقبل مُرتجى، وحاضر صعب يجمع ما بينهما، ويسعى الجميع عبره، بالبقاء على قيد الأمل، ولو متسلحاً بأغنية أو أمنية حتى لو كانت سرابيّة، أو “نكتة”، فكان الفيلم تونسيّاً بامتياز، وإن كان لا يقطر بالكثير من حلو التين الذي كان الجميع ينهمك على جمعه من فوق الأشجار أو تحتها.
والفيلم الحائز على عديد الجوائز العالمية والعربية، نجح في النجاة من العداوات الجديدة والقديمة، وحتى من تداعيات الصداقات التي تنبض بالحياة، رغم اقترابه منها، في حقول التين، حيث يشتهر هذا المحصول بصعوبة حصاده، فالتقاطه حتى من أعلى قمة شجره الباسق لا بد أن يكون بتقنية القطاف اليدوي، كي لا يفقد التين تألقه الشكلي، وهو ما نجحت السحيري في محاكاته فيلمياً، فلم تُهرس المشاهد، وبقيت نضرة، كما هي الحبّات السُمر، ودون تجاهل الحديث غير المغلف بالصراخ عن واقع الشباب التونسي “المطحون” تحت وطأة الفقر، بل والمزيد منه، وهو الشباب الذي لا يزال على قيد الحبّ حد العشق، فعليّاً أو في إطار المخيال لها كمؤلفة أيضاً أو لفريق عملها.
وكان لاستعانتها بممثلين من غير المحترفين، دور كبير، برأيي في نجاح الفيلم، ودون تكلّف أو صنعة مبالغ فيها، بحيث بدا، وكأنهم قدموا نسخاً، ولو مُغايرة بعض الشيء، عن أنفسهم، فكان فيلم “تحت الشجرة” أو “تحت شجرة التين” دراما مكثفة ومدروسة بعناية فائقة، لعبت فيها حركة الكاميرا دوراً محورياً، خاصة وهي تراقب العدد الأكبر من النساء، والقليل من الرجال، وترصدهم وهم يتحدثون، ويتشاجرون، وحتى حين يتبادلون عبارات الغزل، أو لمسات عفوية بعضها يعبّر عن عفوية المُحبّ أو الراغب فيه، وأخرى تعبّر عن تحرّش صريح، واستغلال فجّ تحت وطأة “الفاقة”، لكنه يبقى في النهاية فيلماً “حميماً”، و”حالماً”، وربما “ثورياً” على أكثر من مستوى، وكأن تونس الكلّ، أو كلّ تونس، كانت، ولو على الشاشة الكبيرة، في حقول التين.