
الايام – بديعة زيدان:”استمر على هذا المنوال لعدّة أيام.. في النهار يجوب شوارع بغداد حاملاً لافتته التي تطلب السماح والمغفرة من الشعب، وعندما يحلّ الليل يلجأ إلى أقرب حديقة لينام فيها، ولم تكن الشرطة تتركه بعيداً عن رقابتها، خصوصاً في الليل حيث يتطلب وقايته من البرد.. كل المحاولات بخصوص إقناعه بالعودة إلى البيت لم تحظ بالنجاح.. في النهاية تم إقناعه بالمبيت في أحد البيوت العائدة للدولة”.
الحديث هنا عن “طالب أمانة”، وهو الشخصية المحورية في رواية “ناقص خمسة” للروائي العراقي “شهيد”، والصادرة حديثاً عن دار الرافدين، وكان قد شغل منصب رئيس وزراء الجمهورية العراقية لعدّة سنوات، وكان قبل ذلك يكتب مقالات وينشرها في وسائل إعلام متعددة، قبل أن يشغل منصبه، وهو ما حال دون استمراره في الكتابة والنشر، وإن لم يمنعه من مواصلة قراءة الصحف بشكل منتظم، وتدوين ملاحظات حول شيء مما يرد فيها بدفتر خاص، تمهيداً لنشرها في كتاب بعد أن يغادر منصبه.
وهذا البيت الذي يدخله رئيس الوزراء السابق “طالب أمانة”، وهو الاسم المستعار له، يصبح محجاً لمسؤولين كبار وكثر، بعد أن يحوله إلى ما يُسمّى “بيت المغفرة”.
“أمانة وبعد أيام قليلة من دخوله إليه، بدأت العديد من الشخصيات بالتوافد عليه، كان أغلبهم من المسؤولين الذين تولوا السلطة في العراق بعد العام 2003.. مع ازدياد النزلاء، لم يعد البيت يتسع لهم، ما اضطر الدولة إلى توسعته.. كما قامت بتعيين موظفين للعمل فيه”.
والحديث هنا للراوي العليم، الذي يتابع السرد: “كنت أنا أول الملتحقين بالعمل في هذا البيت.. أنا وزملائي استقبلنا المئات من الشخصيات في تلك السنة والسنوات التي لحقتها.. أعضاء برلمان، ورؤساء جمهورية، ورؤساء وزراء، ووزراء، ومدراء عامون، وأعضاء مجالس محافظات، ومحافظون، وأعضاء مجالس بلدية، ورؤساء كتل سياسية.. عناوين وظيفية مختلفة استقرت في هذا البيت طلباً للمغفرة.. هكذا بدأت قصة هذا البيت”.
واللافت أن الأحداث مستقبلية، وتجري تحديداً في العام 2035، لكن الروائي يعود بنا في إلى عشرة أعوام قبلها، أي إلى العام 2025، عند افتتاح “بيت المغفرة”، عبر “طالب أمانة”، الذي دشّن البيت وبقي دون غيره ممن كانوا زوّاراً أو مقيمين لفترات طال بعضها أو قصر.
وعلى مدار عدد من صفحات “ناقص خمسة”، يدور حوار محوريّ ما بين “سمير”، الذي يأتي كمساعد لـ”طالب أمانة” في “بيت المغفرة”، ومن ثم الاعتناء بساكني البيت، وبديله المُفترض “أمين”، الذي كان التقى “طالب أمانة” في مهرجان “المحبة العراقي”.
ورئيس الوزراء السابق، وعلى مدار عشر سنوات من تجواله بالشوارع حاملاً لافتة “الغفران”، وإقامته في “بيت المغفرة”، كان يحمل مكنسة بشكل مستمر، تبدو عكازته، ولكن ما وراءها كان أبعد من ذلك بكثير، فقد صارح “أمين” ذات مرة، قائلاً: “أنا لا أكنس الشوارع فحسب.. أنا أكنس بها ما تراكم على ذاتي من غبار الخطايا.. أنظف روحي بهذه المكنسة”، هو الذي شدد أنه لن يتخلى عنها حتى رحيله، بل أوصى بدفنها برفقته في قبره.
وعلى الرغم من أن جميع العابرين إلى “بيت المغفرة” يغادرونه، إلا أن “طالب أمانة” يبقى مقيماً فيه، ما يدفع “أمين” لسؤاله: عشر سنوات مضت وأنت تكنس، ألا تشعر بأن نفسك أصبحت نظيفة بعد كل هذه المدّة، فيجيبه: لقد بقيت في “بيت المغفرة لوحدي، الجميع غادره، أنا الوحيد لم أتمكن من مغادرته، أتدري لماذا لم أتمكن من ذلك؟.. لأني بحاجة إلى وقت أطول للتطهر من خطاياي”، فيقول أمين: لكن الشعب قد غفر لك وسامحك، فيعود ويرد عليه: لكني لم أسامح نفسي، ولن أسامحها.. هذه المكنسة تقول لي أشياء كثيرة، وأنا أصدقها، مكنستي لا تكذب عليها”.
“أنا أعيش الذنب وليس عقدة الذنب.. اللطف الذي يعاملني به الناس يعيدني إلى تلك الأيام التي كنتُ فيها سارقاً.. كل ابتسامة يمنحني إياها مواطن عراقي تصفع ذاتي الخاطئة.. كل كلمة طيبة أسمعها أشعر أنها تقول لي لماذا كنت سيئاً عندما كنت في السلطة.. ما يؤلمني أكثر هو هذا الواقع الذي يعيشه البلد الآن”.
وفي رحلتنا مع “طالب أمانة”، الذي بدأ يسير في شوارع بغداد حاملاً لافتة بأن “سامحوني”، نلتقي بفتاة عشرينية تدعى “ود”، وهي معلمة وناشطة سياسية تشاطره السكن في البناية ذاتها، كما في مساحة السرد على الرواية.
مع تقليب صفحات الرواية المختلفة في فكرتها، وطريقة السرد التي حكيت وحيكت بها، وتناولها الجريء، من قبل روائي سمّى نفسه “شهيد”، تتكشف تفاصيل أكثر حول تلك العلاقات التي ظهرت واختفت سريعاً في مطلع “ناقص خمسة”، فملفات نزلاء “بيت المغفرة” تحط رحالها عند “مارون”، صديق “ود”، كجزء من عمله في “مديرية التاريخ العراقي”.. ملف عن كل نزيل، ومن بينها يطلعنا الروائي والراوي على الفساد في العراق، التي يصورها في العام 2035 باعتبارها “المدينة الفاضلة”، حيث الرقابة سيّدة الموقف، وحيث الإدارة الحكيمة، وغير ذلك مما يصب لجهة إعادة صياغة التاريخ العراقي، ما بعد سنوات طويلة من فساد مالي أو استغلال مناصب أو غير ذلك، بالممارسة أو بالصمت عن ممارسات معلومة تندرج في هذا الإطار.
تم تحويل الملفات بغرض مناقشة فكرة إغلاق الدار (بيت المغفرة)، بحيث تم تشكيل لجنة لمناقشة الأمر، فـ”وجود ذلك البيت يمثل حالة غير صحيّة.. وجوده إشارة إلى الجانب السلبي من التجربة الحديثة للبلد، هذا البيت في حال بقائه ربما سيلفت انتباه الجيل الجديد إلى الرموز السلبية التي كانت تحكم العراق، وربما سيندفع بعض الشباب إلى البحث عن تاريخ أولئك الأشخاص، وبالتالي فإن ذلك سيُحدِث شرخاً في وعي الجيل الذي علينا حمايته من خطر التاريخ الأسود.. وجود هذا البيت يتعارض مع حالة القطع التاريخي التي انتهجتها الدولة على مدار العشر سنوات الماضية”.
في فصول الرواية القصيرة، تطل من بين السطور شخصيات عابرة لكن وجودها ذو دلالات ليست بعابرة، كحال المفكر “ريماز وجدي”، والد “ود”، صاحب نظرية “ناقص خمسة”، القائمة على “نفي” تكوينات خمسة، هي: الدين، والتاريخ، والقبيلة، والقومية، والرمز المقدس، وهي النظرية التي يفترض الراوي كما الروائي أنها “ساهمت في تغيير الواقع العراقي”، حيث قامت الحكومة العراقية في العام 2008 بنصب تمثال لصاحبها، تكريماً له، علاوة على تسمية الساحة التي فيها التمثال باسمه، هي التي باتت مزاراً، بحيث، و”منذ ذلك العام لم ينقطع مريدو صاحب نظرية (-5) عن زيارة هذا المكان”.
كان رئيس الوزراء “طالب أمانة”، قد حضر تظاهرة في الساحة، وتسلم من “ود” والمتظاهرين مطالبهم، التي وجد فيها طلباً غريباً مفاده رفع تمثال والدها المفكر العراقي “ريماز وجدي” من الساحة.. شرحت “ود” سبب هذا المطلب، مبررة ذلك باعتباره يتعارض مع المبدأ الخامس من مبادئ نظرية (-5).
رفض “طالب أمانة”، بعد تشاوره مع وزرائه طلب المتظاهرين، قبل أن يصدر قراراً بناء على توصية أعضاء البرلمان، مفاده “حظر وجود أي معلم فني كالتماثيل والنصب التذكارية والصور التي يُلحق وجودها ضرراً أو أثراً سلبياً على الوعي المجتمعي، والتي يمكن أن تتحول إلى رمزية مقدسة تتعارض مع الثوابت الإنسانية التي تحكم المستويات الفردية المتوازنة لكافة أبناء الشعب العراقي”.
أزيل تمثال “ريماز وجدي”، وبقي أو لم يبق “طالب أمانة” وحيداً مع مكنسته حتى التاسع من نيسان 2035، على مقربة من نهر دجلة، في رواية يقتحم فيها “شهيد” بذكاء، منطقة سياسة مثيرة، يُعرّي من خلالها الواقع العراقي المدجج بالسواد على مدار عقود، ولا يزال، بفكرة مُبتكرة لا تخلو من “فنتازيا الألم”، والافتراض الذي يفوق أي خيال علمي أو غير علمي بتمسك مسؤول فاسد بفكرة التطهير حتى النهاية أو اللانهاية من خطاياه التي ارتكبها خلال اشتغاله وانشغاله في منصبه، ما يحيل القارئ للتساؤل بسخرية ربما لا تقل عن سخرية الروائي “شهيد”: هل سيأتي يوم نشهد فيه “بيتاً للمغفرة” في كافة الأقطار الناطقة بالعربية، أو واحداً منها، حيث الفساد سيّد الموقف، أو أن النهاية ستكون بأن حتى التجربة المُتخيلة، والتي تبدو شبه مستحيلة، باعتبار المستحيل مستحيلاً، محكوم عليها بالإعدام أيضاً، وتحت ذرائع “وطنية”، فلا بد من تطهير الوطن من “تاريخه الأسود”، ولو كان حقيقياً، أو حقيقياً في جزء كبير منه.