الرئيسية زوايا ثقافة وادب “شا طا را”.. ولا يزال أمين ناسور يتفوّق على نفسه!

“شا طا را”.. ولا يزال أمين ناسور يتفوّق على نفسه!

كتب يوسف الشايب:مع كل عمل يقدمه المخرج المسرحي المغربي أمين ناسور، تضع يدك على قلبك، بعد أن تتملكك الدهشة ويسكنك العرض بتفاصيله، ألا يقدّم جديداً في قادم الأعمال، لكنه في كلّ مرة يتفوّق على نفسه، هو الذي سبق أن كان، برأيي، يستحق جائزة مهرجان المسرح العربي بدورتيه السابقتين، في العاصمة الأردنية عمّان عن عمله “النمس” العام 2020، وفي العاصمة المصرية القاهرة عن عمله “شابكة” العام 2019.
يعود ناسور في مهرجان المسرح العربي بدورته بالدار البيضاء، وتأتي بعد ثلاثة أعوام من سابقتها – بسبب تداعيات “كورونا” – بـ”شا طا را”، العمل الذي استطاع فيه صاحبه ليس فقط التفوق على نفسه مخرجاً على مستوى إدارة الممثلات المتميّزات قدس جندول، وشيماء العلاوي، ومونيا لمكيمل التي كانت من الممثلات الاستثنائيات في المهرجان، والتوظيف الدقيق للأدوات السينوغرافية للمبدع طارق الحر، والتعاطي بحرفية عالية كعادته مع نص سعيد أبرنوص والفريق، بل أكثر من ذلك، في عمل لفرقة “ثفسيون” المسرحية المغربية.
دخل ناسور منافسات المهرجان العربي للمسرح بدورته الثالثة عشرة، متوجهاً، بعد أن حازت “شا طا را” على تقدير عالٍ في مهرجان القاهرة التجريبي بدورته الأخيرة في أيلول الماضي، بحيث حازت على أبرز جوائزه (أفضل عمل في المهرجان، وأفضل مخرج، وأفضل أداء جماعي)، ولعل هذا نابع من كونه عملاً متكاملاً، على مستوى النص والسينوغرافيا والكريوغراف والأداء، وكذلك تعدد الوسائط الفنية تبعاً لتنوع التصورات والفضاءات في إطار رؤية عارفة ومُجيدة، لم تكن الموسيقى الحيّة لإلياس المتوكل، والغناء الحي بصوت الفنانة الشابة “تيفيور” فائق الجودة خارج حساباتها.
وكان لافتاً ولوج ناسور، الذي أعد دراماتورجيا العمل أيضاً، إلى العالم الرقمي، دون إقحام أو تكلف، وبما يتوافق مع طبيعة العصر وتطوراته، ومن قبل ذلك مع طبيعة العمل، الذي يعالج درامياً، وبعيداً عن الكوميديا السوداء، أو السمراء باعتبارها ليست سوداء تماماً، حكايات لثلاث سيدات عشن الاضطهاد من ثلاث جغرافيات وإثنيات متعددة، إحداهن عربية، والثانية أمازيغية، والثالثة مهاجرة أفريقية بيضاء، لذا كان العرض بثلاث لغات: الفرنسية، والعربية، والأمازيغية، لكن بروح لم تكن غريبة لمن لا يتقن أياً منها، وهذا مكمن إبداع آخر في العمل.
والعمل المتميز والمتمايز لم يأتِ بالتقنيات على حساب النص أو التجسيد أو السينوغرافيا وغيرها، فكانت الأمور محسوبة بدقة ما بين الأداء، والصوت والموسيقى الحيّيْن، والتقنيات، والشاشة، واللغة المكتوبة على الشاشة والمنطوقة، والتبويب الذي يجعلك أمام رواية بصرية أدائية صيغت باحترافية عالية، لم نشعر معها بأي ملل أو اغتراب، وهي حرفية تجسدت في مختلف مفاصل العمل، ومن بينها ذلك التنقل السلس والمدروس ما بين الحكايات الثلاث، كما كان بين مكوّنات العمل.
واللافت في “شا طا را” أنه أنسن المسرح، ليس بطرح قضايا إنسانية فحسب، بل بتحويل العمل المسرحي برمته إلى كائن بشري، رافقنا في الحافلة إلى الفندق، مستوطناً أدمغتنا كما مشاعرنا، وسيّالاتنا العصبية، بل أكل وشرب ونام معنا، وواصل التجوال كظل يخالف كل قواعد الفيزياء الكلاسيكية، باعتباره بالأساس كان قد خالف قواعد المسرح الكلاسيكية، لكن دون أن يخدش الأساسات المتينة التي يقوم عليها أي عمل مسرحي.
يعبر ناسور في عمله هذا الزمكان، عبر رحلة أدائية بصرية محكية تناقش الأضداد، ليس بعيداً عن أسئلة الوجود الأساسية، لكن بأسلوب قادر على صنع الفرجة التي هي الهدف الأسمى والأساس للعمل الفني عامة، والمسرحي على وجه الخصوص، ولكن ليس من أجل الفرجة فحسب، وإلا كانت محض تقنيات فارغة تستحيل استعراضاً لا معنى له، فالمعادلة الصعبة الكامنة في اكتمال العمل المسرحي بالمواءمة بين الفرجة وعمق الطرح، لطالما أجادها ناسور بل بات مرجعاً من مراجعها الحديثة على مستوى المسرح في المغرب والأقطار العربية، سواء في أعماله السابقة، أو في “شا طا را”.
وعبر حكايات “شاني”، و”طاليا”، و”ربيعة”، يناقش العمل المسرحي “شا طا را”، المأخوذ من الحروف الأولى لأسمائهن، معاناة ثلاث نساء غادرن ديارهن، ويمكن وصفهن تجاوزاً بـ”المُهاجرات”، بحيث يقدمن حكايات منفصلة متصلة في الوقت نفسه، يحططن الرحال في ذات المكان، أولاهنّ قادمة من دول جنوب الصحراء، وهي ابنة أم أفريقية وأب غربي، ومرفوضة من المجتمعين، لذا هاجرت إلى أوروبا للبحث عن والدها وهويتها، أما الثانية، فمشرقية عربية تم تزويجها رغماً عنها وهي قاصر، وظل قلبها متعلقاً باليافع الذي عشقته في صباها، لكن تبعات الحرب والصراعات الداخلية دفعتها للهرب، بحيث التقت بمعشوق السنوات الغابرة، فيقرران الهجرة إلى الضفة الأخرى للبحث عن مستقبل جديد، فيما تنصل معشوق الثالثة من مسؤولية طفله الذي في أحشائها، فتقرر الهجرة إلى أرض أخرى.
لم يقع إيقاع “شا طا را” في أي نشاز مسرحي، وبقي متصاعداً منذ أول المشاهد إلى آخرها، وجعل التصفيق الداخلي لدى المتلقين يتواصل لأيام، ولا يزال، بانتظار إعلان تتويج مستحق هذه المرّة، لم يأت، ليخدل للمرةّ الثالثة على التوالي، بعد خذلان لا يستحقه لمرّتين متتاليتين، هذا “الأمين” على المسرح المغربي، والمناضل من أجل فن حقيقي، لكن يبقى القرار رهن مداولات لجنة التحكيم وإعلانها الذي انتهى بلا فوز “شا طا را” ناسور.
ومع ذلك، وبصرف النظر عن رجع الصدى الرسمي عند إعلان النتائج، سيبقى الصوت الجماهيري المُتوافق بأن “رائع.. برافو” يرافق مبدعي “شا طا را” أبداً.

Exit mobile version