الرئيسية زوايا ثقافة وادب “الشغف” لجانيت وينترسون.. رحلة في عوالم نابليون الخفيّة!

“الشغف” لجانيت وينترسون.. رحلة في عوالم نابليون الخفيّة!

الايام -بديعة زيدان:عبر شخصيتي “هنري”، الخادم الشخصي لبونابرت والشغوف به في إحدى ضفتَي العالم، و”فيلانيل”، النادلة في حانة بالبندقية وتكره الإمبراطور الفرنسي، تكشف البريطانية جانيت وينترسون حكايات من عوالم نابليون الخفيّة، عبر أربعة فصول، وفي أكثر من جغرافيا تشكل مبنى روايتها “الشغف”، الصادرة بالعربية حديثاً عن دار رؤية للنشر والتوزيع في القاهرة، ترجمة عماد العتيلي.
في الفصل الأول “الإمبراطور”، يقرر “هنري” كتابة مذكراته عن يوميّاته في العمل مع نابليون، هو الذي انضم إلى جيشه لكونه من العاشقين له، مُنتقلاً من عالم الموسيقى المُرتجى، حيث كان يتمنى أن يكون عازف إيقاع (طبّالاً)، ليجد نفسه في فريق الطهاة، بصفة “مُنتزع رقاب الدجاج”، فقد كان الإمبراطور الفرنسي عاشقاً نهماً لأكل الدجاج حتى أنه كان يبقي طهاته يعملون على مدار اليوم!
“كانت تلك مهنتي الأولى، بدأت العمل بصفتي منتزع رقاب، الآن صرت أحمل أطباق الطعام، وأقطع بها عدة بوصات في الوحل وصولاً إلى خيمته، لقد أحبّني بسبب قصر قامتي، بالغت هذه المرة في مدح نفسي، كلا هو لم يحبّني، بل بالأحرى، هو لم يبغضني، فهو لم يحب أحداً سوى جوزفين، وكان حبه لها شبيهاً بحبه للدجاج”.
وتبرز في هذا الفصل شخصيات مُساندة كـ”دومينو” مدرب الخيول الخاص بنابليون، الذي قدم من أوروبا الشرقية إلى فرنسا، وتحديداً إلى “بولوني”، بحيث كان خبيراً “في النساء وفي الخيول”، وكان مقرباً من “هنري” الذي كان يطمح لرؤية نابليون “بشحمه ولحمه”، وهو ما كان له مراراً.
وتتكشف في مذكرات هنري، أن “جوزفين” عشيقة نابليون الشهيرة، هي في الأساس من جزيرة “مارتينيك” السويسرية، وكانت تدير “ماخوراً”، ودائماً تتفوق على بونابرت في لعبة “البلياردو”.
إلا أن الحدث الانقلاب، يأتي في العشرين من تموز من العام 1804، فبسبب إصرار نابليون على إبحار الجيش في ظروف مناخية صعبة، لمباغتة الإنكليز، لقي ألفا جندي من جيشه حتفهم غرقاً، لم يُعر نابليون- لفرط عنجهيته- هذه الأحوال الجويّة الصعبة بالاً، والتي دفعت “هنري” ورفاقه إلى ربط “باتريك” النحيل ببرميل التفاح كي لا يسقط في البحر!
هذه العنجهية التي أودت بحياة ألفين من رفاق “هنري”، جعلت الأخير يفقد شغفه بنابليون وعشقه له.. “بعدما انقشعت العاصفة، وألقينا في خيم مبللة فيها أباريق قهوة ساخنة، لم ينبس أي منّا ببنت شفة، لم يقل أحد فلنتخل عنه أو فلنكرهه، بل حمل كل منّا وعاء قهوته وشربها، ومعها حصة الخمر التي خصصها بونابرت لكل جندي.. كان لزاماً عليّ أن أخدمه تلك الليلة، وقد أماطت ابتسامته عن مخيلتي ذكرى حشود الأيدي والأرجل التي كانت مكوّمة قرب أذني وفمي.. لقد كنتُ مغطى بجثث الجنود”.
كما يكشف هنري من بين ما يكشفه أن نابليون أمر بإرسال “نساء الحرب” إلى معسكرات خاصة، وأنهن من النساء ذوات الأعمال المساندة في الجيش، وقد كنّ مصدر تفاؤل ومتعة، كما أرسل نابليون أيضاً “العاهرات اللواتي لا عمل لهن إلى تلك المعسكرات الخاصة أيضاً.. لقد كان طبخهن أسوأ من طبخنا، وكنّ يمضين في إمتاعنا ساعات طويلة دون نتيجة مرضية.. أشفقتْ عاهرات المدينة المتمرّسات على حالهن، فصرن يأتين إلى المعسكرات، ويجلبن خبزهن وألحفتهن”.
وفي الفصل الثاني “ملكة البستوني”، وهي ورقة الحظ السعيد في لعبة الورق، ورمز مدينة البندقية، تسلط الرواية الضوء على حكاية الفتاة “فيلانيل” التي ولدت لأب بحّار ترك قاربه واختفى، وبقيت هي جنيناً في بطن أمها، حيث وُلدت بقدمين مكففتين. أتمت عامها الثامن عشر، بالتزامن مع احتلال بونابرت لمدينتها في العام 1797، أما ما قبله بقليل فعملت في إحدى حانات البندقية، وكانت ترتدي ثياب فتى في العمل داخل الحانة، كون أن روّادها يستمتعون بلعبة “تخمين الجنس”، في وقت كانت فيه البندقية تستقبل “طالبي اللذة من الفرنسيين والنمساويين، والإنكليز، وبعض الروس”.
وكانت “فيلانيل” ممن يقدمن اللذة للزبائن، كما كانت تمارس الجنس مع النساء والرجال، دون أن يخطف قلبها أحد، إلى أن تعلقت بامرأة ذات عينين خضراوين، وشغفت كل منهما بالأخرى، على أن تكون العلاقة دون تماس جسدي، متحدثة عن فكرة “الشغف” وفكرة “الحاجة”، بين بني البشر أنفسهم، وبينهم وبين خالقهم، في طرح وجودي وروحاني مُغاير عمّا هو سائد.
“على الرغم مما يقوله الرهبان، فإنك تستطيع لقاء الله دون أن تستيقظ باكراً، تستطيع لقاء الله حتى وأنت مسترخٍ في أريكتك، إن الإنسان هو الذي رسم لله صورة معقدة وطريقاً مرصوفاً بالشوك، ذلك لأن الإنسان لا يستطيع أن يحيا دون شغف، وإن الدين، كما الشغف، يقع في مكانٍ ما بين الخوف والشهوة”.
في “البرد القارس”، عنوان الفصل الثالث، تعود الرواية إلى مذكرات “هنري” وعلى لسانه، بحيث يكشف مجدداً عن عنهجية نابليون وكِبْره وغروره الذي يدفع ثمنه جنوده.. “لم يسبق لنا أن غزونا إنكلترا قط، زحفنا مغادرين بولوني، تاركين قواربنا للخراب، وتوجهنا لقتال تحالف الدول الثلاث، قاتلنا في ألمة، وأوسترلينز، وآيلاو، وفريدلاند، قاتلنا وأمعاؤنا خاوية، وأحذيتنا متهتكة.. كنّا ننام ساعتين أو ثلاث كل ليلة، وفي الصباح نُقتل بالآلاف.. فقدتُ عينا في معركة أوسترلينز، كما أصيب دومينو، وصار باتريك الذي كان لا يزال معنا عاجزاً عن الرؤية تقريباً، كان يجب أن ينتهي الأمر عند هذا الحد، كان يجب أن أعتزل وأختفي مثلما فعل كثير من الجنود، وأن أبدل اسمي وأبني بقالة في إحدى القرى الصغيرة، وأتزوج فيها ربّما”.
كما تحدث “هنري” عمّا عانوه بسبب إصرار نابليون على الوصول إلى موسكو، وكيف تجمّد الكثير من الجنود في برد روسيا وماتوا، بينما زعيمهم ملتحف بمعطفه الفرو الدافئ (…) “وبعد ذلك بعامين، وقف بونابرت في بارجة وسط النهر، واحتضن القيصر الروسي معلناً حلول السلام”!
في موسكو يقرر هنري الهرب رفقة صديقه “باتريك”، وفي رحلة الهروب هذه تنضم إليهم فتاة تم اقتيادها لإسعاد ضبّاط جيش بونابرت، وتبدأ بقص حكايتها عليهم، لنكتشف أنها ليست سوى “فلانيل”، بحيث تواصل هي و”هنري” الطريق المليئة بالمتاعب، كما الجوع والبرد الشديد، إلى البندقية، بعد أن توفي “باتريك”، إلى أن يصلوا في نهاية المطاف إلى بيت والدتها وزوج والدتها في مدينتها الإيطالية.
أما الفصل الرابع والأخير، فكان بعنوان “الجزيرة”، ويتحدث عن نفي نابليون إلى جزيرة “سانت هلينا”، إحدى جزر المحيط الأطلسي، وكيف بقي فيها إلى أن رحل.
وتكشف الرواية علاوة عن حكايات غير معلومة للكثيرين من سيرة نابليون بونابرت، عن فلسفة عميقة للروائية التي تناولت مواضيع جدلية عدّة، حيث “هناك ما بين التجمد والذوبان، والحب واليأس، والخوف والشهوة، يقع الشغف”، وحيث “تلك الكراهية التي تدهم الإنسان بعد الحب، تكون كراهية عظيمة ومفرطة”، وحيث “إن كان الحب شغفاً فإن الكراهية استحواذ”، طارحة أسئلتها غير المباشرة بأسلوب شيّق للغاية حول نابليون وما إذا كان عظيماً أم نرجسياً مخبولاً؟ وما إذا كان الإنسان جُبِل على نهم الحرب والقتل، وهل الحب حقيقة أم خيال؟، وليس انتهاء بما إذا كان للإنسان وجه واحد وحياة واحدة، أم وجوه عديدة وحيوات؟!

Exit mobile version