
الايام -بديعة زيدان:ما بين “مرآة كرداسة”، و”صورة المرحوم”، و”عارية في الوزيرية”، و”مرارة”، و”الخوّافات”، و”مسدس من ذهب”، و”عمياء في ميلانو”، و”نخلتي”، و”المترجم رجب”، و”الكاميرا الأولمبس”، و”عهود وحدود”، تتجول بنا الروائية العراقية إنعام كجه جي، في “بلاد الطاخ طاخ”، عبر قصص تحمل إحداها عنوان المجموعة التي ضمتها.
وتتجول بنا كجه جي، في مجموعتها القصصية “بلاد الطاخ طاخ”، والصادرة عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة، حديثاً، ما بين جغرافيات متعددة ومحددة في غالبيتها، وأزمنة ضبابية، وشخوص تبدو حقيقية وإن كانت سرابية مُتخيّلة، وسط حقل ليس من الألغام فحسب، وغابات شائكة، والكثير من الأسلحة، بل في رحلة مع المرايا الجوّانية منها والبرّانيّة، تستعيد عبرها صوراً بالأبيض والأسود، ورسائل لم تصل بعد، وأغطية سميكة وبطانيّات، ومصباحاً يدوياً، وأنفاساً تلخص رحلة امرأة أخذتها “السنين عشرات المرّات إلى المطارات وإلى الحدود”، معترفة بأنها “مواطنة خائفة كذوب تنقض عهودها”.
تدور أحداث القصة الأولى “مرآة كرداسة” في مصر، حول رحلة للكاتبة، على ما يبدو، وصديقة تونسية لها مهووسة بتجميع التحف و”الأنتيكات” ونقلها إلى بيتها الباريسي الذي لا يتجاوز حجمه الثلاثين متراً، لتشتري مرآتين توأمتين مُصدّفتين بقيتا
تربطانهما منذ الرحلة التي كانت بهدف ترتيب لقاء ليلى مراد، التي تتيه “كميلة” التونسية عشقاً بها، وإن تعذر اللقاء لارتباطات المطربة الشهيرة، حتى كبرت الراوية التي اعترفت بأن قواها تراجعت، و”مرآتي شاخت وازدادت قيمتها بنظري، اصفر طلاء الجدار لكنه ظل يستمد زهوه منها. غابت سحنات ورحل أصدقاء، وبردت أقداح الشاي، وما زال الصوت يسرقني برموش العين. سقطت بروج في نيويورك، وقام زلزال في العراق، وطلع ربيع على مصر، وأنا أنفعل وافرح وأشتم وأهرب من الشاشة إلى مرآتي لعلها، بحكمتها، تشرح لي ما يجري من فوضى”.
وما بعد وفاة التونسية بالكورونا، “ما زالت مرآة كرداسة تتابع أحداثاً جساماً تنعكس على فضتها فتزداد إشراقاً”، وبقيت “تتشكل على صورتنا، تشهد صولاتنا وخيباتنا وتؤازرنا وتواسينا مثل رفيقة وفيّة”، مع أنها ومرآتها لم تتقابلا وجهاً لوجه يوماً، منذ ثبتتها على الحائط في مسافة أعلى من أن تصّورها وتقلبات وجهها كما الأحداث.
وكانت “هوارية” الجزائرية هي الشخصية المحورية في “قصّة المرحوم”، والتي حملت هذا الاسم من والدها لكونها خرجت إلى الكون في ذات يوم رحيل الزعيم الجزائري هواري بومدين، هي التي تلتقيه صورةً مُؤطرة في مرحاض منزل مهجور لعائلة جزائرية بباريس، في إطار عملها في شركة للتنظيف، فتصاب بحصر للبول، حتى تلتقي جارتها التي تستعيد من ذاكرتها ذلك المشهد حين كان يتم إغلاق المجلة التي عملت بها طويلاً، بعد خسائرها المتراكمة وفرار مالكها، بحيث يتم وضع اليد على جميع ما فيها، حتى الكراسي التي كانوا يجلسون عليها، باستثناء صورة مُؤطرة أخرى على أحد الجدران لشهيد لبناني يدعى “حسام أبو راس”، وعلى ما يبدو أنه اسم مستعار، أو متخيّل، اغتالته القوات السورية بعد تفجير مقر مكتب جريدته، لتنقل الصورة معها إلى منزلها، ومن ثم تودعها في المخزن بعد احتجاج زوجها، وما أن تقع عينا “هوارية” على صورة الصحافي اللبناني المعتّقة حتى تتخلص من آلامها، وتعود الأمور إلى طبيعتها!
وتدور حكاية قصة “عارية في الوزيرية” على لسان زوجة “سالم الشذري” الفرنسية، وهو أحد رموز الفن التشكيلي العراقي، وخاصة في مجال النحت، ويعيش ويموت في باريس، بعد أن يوصي بحرق جثمانه ونثر رماده في مقبرة بعينها في “الوزيرية” وسط بغداد، فتحمل الفرنسية رماده لعلها تنجح في مهمتها، قبل أن تستعين بطلابه الذين
يضعون ما تبقى من رماد نثرت جزءاً منه في المقبرة التي أراد، داخل تكوين صلصالي استحال تمثالاً على شكل امرأة.. “ذات فجر رائق من أول الصيف، استيقظ أهالي الوزيرية على نصب امرأة عارية يطل من سطح أكاديمية الفنون الجميلة.. جسد بالحجم الطبيعي يتحدى فتاوى تغطية النساء، وتحريم النحت، ولعن الغناء والموسيقى.. صار للفضيحة ساقان، ومضت تركض في شوارع الحي، وتدق على الأبواب (…) ثار الملتحون واستغفروا ربّهم وتوعدوا الفنانين بنيران جهنم، تهدلت الأحجبة عن رؤوس الطالبات ورحن يصفقن حبوراً.. خلعت الأمهات عباءاتهن السود ولوحن بها في الهواء.. كانت الوزيرية الحزينة المختنقة تريد أن تتنفس، وتستعيد مهرجاناتها، وكتبها، وألوانها، وعشّاق شوارعها الخلفية”.
في “مرارة” يتأسف الممرض الفرنسي للعربية في المستشفى، بعد إجراء عملية إزالة المرارة لها، وإدراكه أنها عراقية لا لبنانية، وكأنّ الهوية العراقية باتت عنواناّ بحد ذاتها للمآسي، في حين تتحدث “الخوّافات” عن أخوات سبع كل واحدة منهن تعيش حالة “فوبيا” من شيء ما، ما بين “سرطان الثدي”، و”الزوج”، و”المدير في العمل”، و”التجاعيد”، بل إن هناك من تخاف من نفسها!
وفي “مسدس من ذهب” تسرد كجه جي حكاية شاعر يستضيفه الرئيس ويكرمه ويهديه مسدساً ذهبي اللون، في حين تحكي “عمياء في ميلانو” حكاية صحافية عراقية تُدعى إلى مؤتمر في ميلانو عن النساء والحروب، قبل أن تتعثر بإعلان عن معرض فني وتتوجه إليه، لتستعين بمترجمة إلى الإيطالية تكتشف أنها كفيفة، قبل أن تدرك أن المعرض مظلم ليعيش زواره تجربة حياة المكفوفين، وفي “نخلتي” تطل على القارئ حكاية رجل وامرأة مسنّيْن يتواعدان ويلتقيان، أما في “المترجم رجب” فيعيش القارئ مع تفاصيل حكاية مترجم يترقى حتى يصبح المترجم الشخصي للرئيس، ويبات مزهواً بنفسه وهو برفقة “صاحب الفخامة”، حتى أنه في مرّة يضيف على ما يقوله الرئيس، شاتماً “سباق التسلح”، و”متأسفاً على الحضارات الإنسانية المهدّدة بالفناء”!
وفي “كاميرا الأولمبس” ترصد القاصة هنا التحولات السياسية في العراق منذ العام 1949، وما رافقها من تبعات، بينها هجرة اليهود العراقيّين إلى إسرائيل، والتحول من الحكم الملكي إلى الجمهوريات بتعاقباتها الانقلابية، وصولاً إلى احتلال “الأميركان” لبغداد، لتواصل السرد الزمني في القصة الأخيرة في المجموعة، والمعنونة بـ”عهود وحدود”، وتتحدث فيها عن اجتياح عراق صدّام للكويت، وتبعات ذلك على العراقيّين الذين فقدوا “ترف السفر بالطائرات”، وباتت الأردن معبرهم الوحيد إلى العالم.
أما القصّة العنوان “بلاد الطاخ طاخ”، فتتحدث بفتنازيا كما غالبية القصص، حول تمثال في متحف شمعي لواحد من الرؤساء المخلوعين، أودع في المخزن، بعد أن قلّ طلب الزوّار على التقاط الصور رفقته، فما كان منه إلا أن قام برشوة الحارس، والخروج من موقعه، ليكتشف أن هناك من يصنع فيلماً عن حياته، ليتفق مع المخرج المشدوه من فرط الصدمة، على أن يقوم بتجسيد دوره بنفسه عوضاّ عن “الممثل الفاشل”.
“يغادر الرئيس الشمعيّ موقعه ويمضي للتعرف على القاعات المجاورة، يضيء النور في صالة الملوك، ويراهم مصفوفين حسب الأرقام والسلالات، الجد ثم الابن ثم الحفيد، تفرّج على الجورجات الإنجليز، واللويسات الفرنسيين، ووالليبولدات البلجيك، والفياصل العرب.. كل منهم يرث كنيته من السابقين، كأن منابع الأسماء شحّت وجفّت.. أول، ثان، ثالث، خامس عشر.. ثم طاخ طاخ وتنقطع السلالة.. تنبثق الجمهوريات ولا يتوقف الطاخ طاخ”.
لغتها العميقة، وتركيبها الذكي للأحداث، يجعلان من الاستحالة بمكان التعاطي مع النص دون مجهر يكشف تكويناته الخفيّة، والمفتوحة على تأويلات لا حصر لها، بحيث طهيت القصص في فرن دقيق يراوح ما بين الطبخ على الحطب وما بين الرقمية من الأفران، فكانت عجينة سردية ذات نكهة فنتازية، رشّت عليها كجه جي حبوباً من سخرية ملونة تارة، وبيضاء وسوداء تارة أخرى، ورمادية في بعض الحالات، فمنذ القصة الأولى، لا بل الغلاف الذي ظهر فيه جيفارا بثياب راقصٍ صوفيّ حمراء، وحتى القصة الأخيرة في المجموعة، نلحظ أن ما وراء الحكايات هو السرد الفعلي لا النص ذاته، وهو ما ينطبق على الشخوص التي غابت عنها الأزمنة، كي لا تفقد إمكانية الإسقاط على بلاد لا يزال فعل “الطاخ طاخ” يسيطر على أزقتها، وحيوات سكّانها الذين تتقلب عليهم الأزمنة، وتبقى النكبات والمآسي ترافقهم والأجيال المتعاقبة من عائلاتهم، أما الجغرافيات وإن حُدّدت فهي قابلة للتغيير، مع بقاء السردية ذاتها، في أزمنة تتبدل فيها الأمكنة، أسماء وحكاماً ولغات وربما شعوباً، صعوداً وهبوطاً، زيادة ونقصاناً.