
الايام -بديعة زيدان:في ليلة الخامس من حزيران من العام 1967، تغادر “وجدان” المستشفى، لكنها لا تستطيع الوصول إلى المنزل عبر “وسط البلد” بالعاصمة الأردنية عمّان، فتتوجه إلى حانة “الريفيرا” المُجاورة، لتقضي الليلة مع “ذيب”، ويعمل ساقياً في حانته (بارتندر)، فكلما حاولت المغادرة، تتراجع، خاصة مع ارتفاع وتيرة أصوات القصف وإطلاق النار.
و”وجدان”، قابلة قانونيّة، ورثت مهنتها عن والدتها “وداد الزحّار”، القابلة الأكثر شهرة، وقتذاك، في جبال عمّان الشرقية.
ويطرح الروائي قاسم توفيق، في روايته الأحدث “ليلة واحدة تكفي”، والصادرة عن “الآن ناشرون وموزعون” في عمّان، سرديّة جديدة لحرب حزيران (النكسة) وانعكاساتها، وهي الرواية التي ترشحت مع خمس عشرة أخرى ضمن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) 2023.
“منذ الصباح لم يجد من يحكي معه”، أي “ذيب”، “وهو الذي يحبّ الحكي، لكنه أحسّ بضرورة أن يجد من يحمل معه هول صدمة الحرب التي لم يعرف شكلها بعد.. خرج، راقب الشارع من جديد، وجده مثلما تركه، فاقداً للحياة، عاد يبحث في الراديو عن أخبار يمكن أن تنقذ فكره من التشظي.. يتملكه فرح خرافي عندما يسمع أخبار الانتصارات على طول الجبهات المحيطة بفلسطين، فرحٌ قد يدفعه لأن يغلق باب (الريفيرا) أو يتركه مُشرعاً”، و”يمضي نحو البحر.. سوف يكون أول عربي مدني يدخل فلسطين بعد أن تحرّرت”.
لكن سرعان ما يصعقه “زامور الخطر الطويل الذي سبق ارتقاء الطائرات الإسرائيلية سماء عمّان بثوانٍ، والذي لم يملك الوقت لفهم ما يعنيه، لم يُعنه على تقبّل صدمة المفاجأة .. سماعه للأخبار لَجَمَه، شدّ وثاق لسانه”، خاصة “عندما دفعت الزيتونة الوحيدة باب (الريفيرا)، ومدّت عنقها إلى الداخل”، بل إنه لم يبدر عنه “ما يُوحي بأنه يضع خطة للنيل” من “وجدان”، فـ”لا إشارة، ولا حركة، ولا كلمة غزل”، بل “هي التي بادرت، وإن لم تقصد بتغزّلها بابتسامته نحو هذا المدى”، فهو “مشغول بكلّه في أمر الحرب”.
تغادر وجدان الحانة، وتقرر التوجه إلى منزلها في “جبل القصور” بالجزء الشرقي من عمّان، مشياً على الأقدام، إلا إذا لحقت بها سيارة أجرة، فخفّفت عنها عناء مشوارها.
وفي “الطريق إلى البيت”، عنوان الفصل الثاني من الرواية أيضاً، تعود بنا “وجدان” إلى ماضيها، فتحكي عن قصة حبّها و”عيسى بركات” الذي كان يعمل مدرّساً في الكويت، ولولا تأخر ولادة شقيقته لما التقت به ثانية، ولما طلب منها أن يوصلها إلى بيتها، ولما أقنعها أثناء الطريق بقبول دعوته للعشاء، ولما اتفقا أن يلتقيا مرّة ثانية في اليوم التالي.
أما الفصل الثالث، فيعود به “ذيب” إلى طفولته، ويحدّث “وجدان” بعد إلحاح، ومن قلب الحانة الملجأ، عن شيء من سيرته، هو الذي جاء إلى الدنيا قبل خمسة وأربعين عاماً، وكان فاشلاً في المدرسة، وتأثر بشدة لوفاة والدته، وعمل أجيراً (صبيّاً) في مقهى بعد أن حصل على شهادة “الماتريك”، وكيف أنه وبعد أن ادّخر مبلغاً جيداً من المال غادر عمّان إلى بيروت، وجرّب فيها أكثر من عمل، قبل أن يستقر في حانة تملكها “عجوز طيّبة” تُدعى “جوزيت”، التي لم يفارقها حزنها على زوجها وأشقائها الذين فقدتهم في “سفر برلك”، وبعدها فقدت ابنها الوحيد في واحدة من تظاهرات العام 1958، والتي انتظمت “احتجاجاً على التدخل الأميركي في شؤون لبنان، لحماية الرئيس كميل شمعون الذي طلب دعمها ضد المد القومي والشيوعي”، كما حكى “ذيب” عن مرضه طفلاً، وكيف لم يتوقع أحدُ له أن يخرج منتصراً في معركته هذه، لكنه لم يخبرها عن اغتصابه من ثلاثة فتية، وكيف بقي صامتاً ولم يبلغ حتى أهله بهذه الحادثة.
وبعد أن سرد الروائي حكاية “وجدان” و”عيسى” إلى أن توفي الأخير متأثراً بمرض أصابه، يذهب بنا للحديث عن والدها “أيوب الزحّار”، وحكاية تهجيره وزوجته وابنته من حيفا.. “عندما أُخرج أيوب الزحّار من حيفا مُخلّفاً وراءه بيته وبضاعته، بقي متعلقاً بفرح النجاة بكل ما ملكته يداه، زوجته وداد وابنته.. خبرته بالتنقل بين الأزقة والاختباء سهّلت عليه قطع نصف الطريق الطويلة المتجهة صوب مرج بن عامر، لاحقاً بأهل حيفا الرّاضخين لقرار الحاكم العسكري الإنجليزي بالجلاء عن المدينة”.
وكان لافتاً أن أول ما استهل به الروائي الفصل الرابع من “ليلة واحدة تكفي”، عنوان جانبي كان “نورمان بيتس”، وهو اسم الشخصية المحورية في فيلم “المريض النفسي” (Psycho) للمخرج الشهير ألفريد هيتشكوك (1960)، حيث إن “وجدان” و”عيسى” يذهبان إلى قاعة السينما بدعوة من صديقه لمشاهدة الفيلم.
وهنا يُحاول قاسم توفيق شحن مخيّلة القارئ بعملية مقارنة ومقاربة ما بين شخصيّتي “ذيب” عامل الحانة و”نورمان بيتس” الذي “كان يقتل نزلاء فندقه الصغير دون هدف وبلا وعي”، فعندما “كان يحكي لها ذيب عن حياته، وكأنه يعيد إليها الفكرة التي في الفيلم بأن كلاً منّا يعيش في ورطة خلقها لنفسه، ولا يستطيع أن يخرج منها”.
وفي لحظات يقرّر “ذيب” البوح حد التعرّي بمفهومه المجازيّ أمام “وجدان”، وكأنه “يكلم نفسه”.. “فكرتُ أن أعاين عمري بطريقة لا تشبه البشر، قررتُ أنا الولد الصغير قليل الكلام الذي كُنته لم يعد كذلك، اختفى إلى الأبد واختفى معه عمري الأول.. الصبي والشاب الذي عمل قهوجي على جسر رغدان غاب هو الآخر عندما سافرتُ إلى بيروت، فتركتُ عمري الثاني هنا في عمّان.. أما عمري الثالث فقد ابتدأ عند جوزيت، صرتُ واحداً جديداً، وتمنّيت أن أظلّ فيه، ولأني أحمق، تخلّيتُ عنه برضاي.. عدتُ إلى عمّان، وهنا ابتدأ مأزقي”.
لم تكن رواية “ليلة واحدة تكفي” لقاسم توفيق سرديّة صافية عن “نكسة حزيران”، فقد طالت بانعكاساتها ولا انعكاساتها “نكسات” الشخصيات على أكثر من صعيد، لا سيما تلك الكامنة في دواخلهم، فكما جاء على لسان “ذيب”: “الجرح الذي لا يلتئم في أعمارنا، ويأبى أن يُفارقنا طوال حياتنا، هو أننا لا نعرف شيئاً عن الحقيقة”.
والجرح الفلسطيني منذ نكبة “أيوب الزحّار”، والد “وجدان”، ونكسات الكثيرين من فلسطينيين وعرب، لا يزال ينزف، سواء على الصعيد الجمعي، أو صعيد المنكوبين والمُنتكسين فُرادى، فمن جهة “العالم أبشع من أن يُعاش”، ومن جهة أخرى ثمّة “كرنفال وحشي” يصطخب في دواخلهم، وإن كانوا لا يزالون، أو بعضهم، قادرين على الحبّ.