استئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران تأتي بعد سبع سنوات عجاف ، إشارة واضحة إلى القوة المتزايدة لبكين في الشرق الأوسط، ليس فقط على مستوى النفوذ الاقتصادي، ولكن على المستوى الدبلوماسي لتزاحم بذلك نفوذا تاريخيا للولايات المتحدة في المنطقة. وتشكل ضربة للعدو الصهيوني ، ومدخلا لإنهاء الحرب في اليمن، وإنجازا مهما للصين في هذه المرحلة، وتقلل من احتمال اتفاق تسوية مع السعودية، الذي هو احد أهداف نتنياهو.
في الوقت الذي كانَ فيهِ اسم الرئيس الصيني شي جي بينغ يكتسحَ وسائل الإعلام بعدَ إعادة انتخابهِ كرئيسٍ للبلاد ، كانت الصين تحقق انتصاراً سياسياً مدوياً عبر إعلان نجاحِ مبادرتها لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران
الصين سعت إلى أداء دور الوسيط لإنهاء الحرب الأوكرانية الروسية فهي ليست بالدولة الباحثة كما غيرها عن الدور والمكانة بأي ثمن لكي تطرح مبادراتٍ في الهواء، لأنها تمتلك أساساً كل هذه المقومات، كما أن أنها لم تخف طموحها بهذا الدور وهذهِ المكانة، فالرئيس شي جي بينغ أعادَ قبل عقدٍ من الزمن فكرةَ طريق الحرير الصيني إلى الواجهة لإعادة الربط بين القارات الخمس ، بل أن الصين وفي قمة طريق الحرير 2019 ذهبت أبعدَ من ذلك بتقديم نفسها كقوةٍ عظمى .
إن إستراتيجية الصين بالتعاطي مع الصلَف الغربي بُنيت على فكرة أميركا لا تَسقط بالشعارات , والبيانات ، ولأن فكرة طريق الحرير أساساً بُنيت على فرضية ربط الرخاء الاقتصادي بالأمن العابر للحدود، إن إنهاء الخلافات بمعزل عن أسبابها يبدو جوهرَ السياسة الصينية وهو ربما أكثر ما قد يقلق من يقفونَ إلى الجانب الآخر لتعاظمِ الدور الصيني على لعب دور الوسيط النزيه وليس المنحاز، وهو بالمناسبة ما تعاني منه السياسة الدولية، فالولايات المتحدة التي استحوذت على دورِ الأمم المتحدة بصناعةِ الخلافات وإعادة تدويرها بدلَ حلها عانت فقدان المصداقية بسبب عدم الحياد، فاليوم تتمكن الصين من تحقيقِ هذا الإنجاز .
كثيرون اليوم لم يرق لهم الحديث عن تغريد السعودية خارج السرب الأميركي، فاعتبروه ضرباً من الجنون، على حد وصفهم .
عندما نتحدث عن عودة العلاقات الدبلوماسية بين إيران والسعودية لا نتحدث عن مجرد دولتين متجاورتين على ضفتي الخليج العربي، بل عن دولتين بإمكانهما نزع أهم فتيلٍ ممن يتربصون للوقيعة بينهما خدمة للمشروع الصهيو امريكي ، وهنا نقرأ ما كتبته النيويورك تايمز«الاتفاق انتصار كبير للصين سيعيد تشكيل الشرق الأوسط من جديد» ، واعتبرت أنّ “عودة العلاقات الإيرانية السعودية، نتيجةً للوساطة الصينية، هو خسارة كبيرة ومضاعفة للمصالح الأميركية وانتصار للصين، التي توسطت في المحادثات بين الخصمين التاريخيين”.
ونشرت صحيفة “ديلي تلغراف” مقال رأي لمايكل ستيفنز، حول الصفقة التي رعتها الصين بين السعودية وإيران، قائلا ” ان خريطة الطريق بين السعودية وإيران والتي وقّعت في بكين أعطت العالم صورة مدهشة حول عصر جديد من الجيوسياسة التي لم تعد فيها الولايات المتحدة المتحكم الوحيد بالشؤون الدولية”.
في السياق ذاته قال مسؤولون في الكيان الصهيوني : اتفاق إيران والسعودية انتكاسة وفشل لجهود “إسرائيل” لمواجهة طهران.. وضربة لواشنطن و على تبجحات نتنياهو الأخيرة بقرب التطبيع مع المملكة .
وقال عنها رئيس الكيان الصهيوني إنها «تهدد وجودنا» وخرجت صحيفة «هاآرتس» الصهيونية لتقول: «انتهى وإلى الأبد حلم «الناتو العربي لضرب إيران».
الخلاصة
عودة العلاقات السعودية الإيرانية تشكل نقطة تحول استراتيجية في المنطقة. هي ضربة لحكومة نتنياهو الفاشية , والولايات المتحدة ، ومدخل لإنهاء الحرب في اليمن، وهي إنجاز مهم للصين التي أصبحت لاعبًا مهما في منطقة الخليج العربي على أنقاضِ الوهن الأمريكيّ وعبر البوّابة السعوديّة .
عضو اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني
