الرئيسية زوايا ثقافة وادب “هدوء مُركّب”.. إعلان الحرب على الحرب رقصاً وحُبّاً!

“هدوء مُركّب”.. إعلان الحرب على الحرب رقصاً وحُبّاً!

الايام- يوسف الشايب:لم يكن عرضاً عابراً، فقد استطعن أن يثبّتن أنفسهن في دواخل الحاضرين من جنسيّات وجغرافيّات وأجيال مختلفة، بما قدمنه من لوحات راقصة، نقشن خلالها على سبّوراتنا الجوّانية حوارات ما نبسن خلالها ببنت شفة.
كان لأجسادهن كلّ الكلام المفتوح دون مواربة على الكثير من التأويلات، لم يسكتن عن المباح وغير المباح منه، فلم يكنّ محض شهرزادات في قصر شهرياريّ مفترض، بل كنّ ثائرات على الكثير ممّا يعتمل حولهن، وفي دواخلهن، كما كنّ جسراً ينقل حكاياتهن وغيرهن، كما حيواتهن وحيوات أخريات كثيرات، إلى المتلقيّات والمتلقين في “عليّة” مركز خليل السكاكيني الثقافي بمدينة رام الله، مساء أول من أمس.
الحديث عن العرض الراقص “هدوء مركّب”، وقدمه كل من: حلا سالم، ورند طه، وريما ناصر الدين، وشهد جبارين، وعدن عزام، وليال مزراوي، بمرافقة موسيقيّة حيّة لم تكن عابرة هي أيضاً لكل من: معن الغول، وكنعان الغول.
كان لكل واحدة من الفنانات الشابات لمستها في العمل “غير الارتجالي”، فقد كان مدروساً لجهة التعبير عن الحروب التي تخوضها كلّ واحدة منهن، منذ المشهدية الأولى، حيث كانت تحضن أولاهن الأرض، فيما ترتمي الثانية في حضن الثالثة، وتتكئ الرابعة والخامسة كل منهما على عمود أبيض في تقابل ليس عشوائياً، قبل أن تقتحم السادسة المشهد لاحقاً، لتبدأ الصراعات الجوّانية تتوحّد مع البرّانية في بلادهن التي تعيش النكبات المتتالية، والحروب المستعرة على الدوام، منذ ما قبل النكبة.
هنا تتشكل بوعي المتمرّسات لوحات ثنائية أو ثلاثية أو رباعيّة، قبل أن يتوحدن كلهن في الحالة، كتلة ومعنى، بعد سلسلة من الحوارات الجسدية العميقة التي عكست قدرات كامنة لدى كلّ منهن منفردات، ولديهن كفريق، إن واصل التوحّد، يمكنه أن يشكل حالة في فترة قياسيّة، كما كان في العرض، فهدوؤهن كان عواصف، كما أدائهن تماماً، الذي حمل في بطء اللحظة، صخباً، وفي صخبها عنفاً، وفي عنفها رقة، وفي رقّتها حبّاً، وفي حبّها حرباً، وفي حربها عملاً مُبهراً.
العرض، الذي انتظم شراكة بين مركز خليل السكاكيني الثقافي و”ستوديو كوليكتيف” الساعي إلى “انخراط عالم الرقص في المجتمع الفلسطيني”، تميّز بطبقات متعددة قد تكون وليدة لحظتها، في شيء أو القليل منها، لكنها مدروسة لجهة تقديم عمل يحمل مضامين عدّة، ليس أقلها التمرّد، والرفض، وإعلان الحرب على الحرب بمزيد من الرقص والحبّ، فامتزجت الأجساد دون تصادم ودون صدام، واندلقت الأنوثة على الأرضية المُعتّقة، كما الحكايات في “ميتا” اللوحات الراقصة التي ضُربت في خلاط الموسيقى الحيّة، مُشكلة ذلك الذي اتفق مقدموه على تسميته بـ”هدوء مركّب”.
لقد قدموا، الراقصات الستّ والعازفان، إبداعاً صرفاً تحت مظلة الرقص المعاصر، في تجريد جسدي رمانا بأفكار ومشاعر ليس من السهل تجاوزها سريعاً، عبر مجموعة من الحركات المدروسة دون تكلّف، وكأنهن قد تحرّرن للتو من الجاذبية، ومن أي حدود، ما جعلهن يقدمن عرضاً فريداً، فرغم ضيق المساحة اتسعت الحالة على قدر الإبداع والشغف.

Exit mobile version