الايام -بديعة زيدان:”وقت قصير للهلع”، هو العنوان الذي اختاره الكاتب العُماني يحيى سلام المنذري، عنواناً لأحدث مجموعاته القصصية، والتي تسلط الضوء في جلّها، على معاناة العمالة الوافدة في السلطنة، وتحديداً الخادمات والعاملات والعمّال في قطاعات عدّة، وهو ما ينسحب على الكثير، إن لم يكن جميع دول الخليج العربي، وعدد من الدول العربية الأخرى.
في قصّة “غليان الشاي”، وتقسم إلى أجزاء ثلاثة، كانت أولها بعنوان “هدية أختي حسينة”، وتناولت يوميّات أربعيني بنغالي لم يكمل تعليمه يعمل في قطاع البناء، أمضى في عُمان خمسة عشر عاماً، ويحكي فيها عمّا يتعرض له من تنمر وتمييز، وصعوبات في العمل تحت أشعة الشمس الحارقة، فيما حملت الثانية عنوان “الكتاب الإسمنتي”، ويستمر فيها ذات العامل بقصّ حكاياته في السلطنة، ولكن بسرد متواصل بعيداً عن يوميّات القصة السابقة، فيحكي لنا حكايته مع الكتب، هو المولع بالقراءة وخاصة المجموعات القصصية، بل إنه يروي كيف قدّم له رجل ذات يوم كتاباً تكدست عليه البقع وبقايا الإسمنت، بعنوان “بيت وحيد في الصحراء” لكاتب عُماني مترجما إلى الإنكليزية.
“حينما دخلتُ البيت، وضعتُ الكتابين على الطاولة، ودخلتُ لأستحم.. استقر الكتاب الإسمنتي بين كتب أخرى متناثرة، وكلّما كنت أشاهده على الطاولة أتذكر العامل الهندي.. صرتُ أسخر من نفسي، أعدّ القهوة وأجلس على الكرسي، وأرمقه على عجل وأتجاهله.. أحتسي القهوة وأفتح التلفاز، وأتساءل: ما قصته؟ كم بقعة إسمنت لطّخت غلافه؟.. كان الكتاب صامتاً متعجباً، مُستلقياً بسلام (…) بعد انقضاء شهر، انتبهتُ إلى الكتاب الإسمنتي، فتناولته وتصفحته.. لم يكن فقط قصص الكاتب العُماني بل أكثر من ذلك.. وجدتُ في صفحاته البيض، وهوامش بعض صفحاته كتابات متناثرة دُوّنت بخط اليد، استخدم كاتبها حبراً أزرقَ جافّاً، وكانت بخطٍ جميل.. يوميّات بالإنكليزية، قرأتها بتلهف وترجمتها”.
والثالثة في “غليان الشاي” جاءت بعنوان “صيّاد العاملات”، وفيها يذهب العامل البنغالي ليبحث عن الذي أعطاه “الكتاب الإسمنتي”، فيكتشف من مسؤول العمّال أن من يبحث عنه طرد من عمله وتم ترحيله إلى بلده بادعاء أنه يتسبب بالعديد من المشاكل، بل ويمارس السحر، حيث يكتب على الورق ويدفنه.
و”الكتاب الإسمنتي” هو مجموعة قصصية سابقة لكاتب هذه المجموعة، يحيى المنذري، ليقتحم بنصّ سابق له عوالم شخصيات نصوصه الأحدث، في محاولة ما للتماهي مع حكاياتهم، بل ومعاناتهم، وفي عتبة تؤسس للقصص التالية، التي لا تبتعد عن أجواء سابقاتها، ولكن بتنويعات مختلفة، صيغت بسردية متماسكة، ولغة رشيقة، وبراعة في استبدال الحكّائين، وتنقل القص بين ألسنتهم.
وتحت عنوان “صندوق المفاجآت الملوّنة” يقص الكاتب في ثلاث قصص فرعيّة حكايات ثلاثة عمّال باكستانيين وغيرهم، ففي “خفّة الصندوق” يرصد ما يكابده العمّال الوافدون من مشاق كثيرة، فيما تنحو “كائنات الأوهام والتوجس” للحديث عن زوجين عُمانيّين يتوجهان إلى “سوق الشغالات” لاختيار واحدة عوضاً عن السابقة التي غادرتهما.. كنّ من الفلبين وسريلانكا والهند، وفيها أوصاف مهينة خرجت على لسان الزوجة العُمانية تجعل منهن مجرد سلع، أو “نحلات” كما جاء في وصف آخر في “رهافة نحلة” التي تستكمل السرد عن “ماري”، المُستخدمة الفلبينية التي اختارها الزوجان للعمل لديهما في المنزل، ومن حكاياتها كيف اقتحمت مجموعة رجال ملثمين منزلهم حين كانت طفلة، وقتل والداها أمام ناظريها.
وكان المنذري استهل مجموعته “وقت قصير للهلع”، والتي لا تحمل أي قصة اسمها، وصدرت حديثاً عن دار عرب للنشر والترجمة بالعاصمة البريطانية لندن، بقصة “الإصبع” التي تتناول حكاية مريض يخشى أن يبتر الطبيب خلال العملية إصبع قدمه السليمة عوضاً عن المصابة خطأ، أي أن يتجه إلى اليسرى عوضاً عن اليمنى.
لكن الستيني الذي يعيش وحيداً بعد أن تركته زوجته وأولاده بسبب عناده، تأكد في أعقاب استفاقته أن البتر كان في اليمنى، لكنه تجاوز الأصبع نحو القدم كلّها.
“دخل المريض غرفة القلق: إصبعه ستبتر، وربما سيتناولها كهدية، وسيخرجها من الكيس البلاستيكي، ويضعها على الطاولة ليصوّرها بهاتفه.. راودته فكرة أن الطبيب لا يزال شابّاً وقليل الخبرة، فسأل نفسه: لماذا بالذات هذه الإصبع؟ الألم في كامل قدمي.. وأخذ يفكّر: هكذا فجأة دون سابق إنذار، قرّر الطبيب أنها تالفة؟ لعله موهوب، لعل عقله الصغير يراوده طموح كبير ليصبح أشهر جرّاح في العالم، ويتطلع إلى جائزة نوبل للطب، ربّما.. ولكن لحظة، ربّما درس الطب بسبب إلحاح والده، لكي يفتخر به أمام عائلته وأصدقائه، ولعله أصيب بالتعاسة لقلّة راتبه، فخطط للانتقام من المرضى، وأنا منهم”.
في غرفة القلق السردية هنا، والتي تتسع لتكون جغرافيا موطن الكاتب أو يزيد، فقد الستيني قدمه، لكن العمّال الوافدين من الجنسين، لا يزالون يفقدون الكثير من إنسانيّتهم، فالشر جائحة أصابت معظم سكّان الأرض، وصوت سعال الرجل البدين المنهك يملأ المكان، كما هي الأخشاب المطعّمة بالمسامير التي تنتظر قدماً جديدة لتثقبها، أو الرغبة القسرية باغتيال الاشتياق، فالهلع كثير والوقت يبدو قصيراً.
