في رواية “عين الديك” للروائي الفلسطيني سليم البيك، الصادرة عن “نوفل” (هاشيت أنطوان) في بيروت، هناك تقاطعات حد التماهي بين الروائي والراوي “سمير”، الشخصية المحورية التي ورثت النكبة عن جدّها فوالدها، وبقي رغم تغيّر جغرافيّاته كما أزمنته ومن أورثوه فلسطين التي يعرفها ولا يعرفها، يبحث عن مفتاح ما لبيت في خريطة لبلاد يجهل كنهها، ولا يدرك ماهيتها، لكنه على قناعة بأن له فيها شيئاً منه، وأن لها فيه شيئاً منها.
اعتمد البيك تقنيات متعددة في “عين الديك” التي يحتكر فيها “سمير” السرد، من بينها مخاطبة القرّاء بشكل مباشر، أو إبلاغهم سلفاً بخطته السردية القادمة، ونواياه في مقتبل الصفحات، بتنحية شخصيات بعينها أو الحديث عن زوايا محدّدة، وكذلك اعتماد تقنية الإيهام أو الخديعة كما كان في مطلع الرواية عند حديثه عن تسجيلات صوتية للجد “أبو محمود”، الذي يقرر الراوي أن يتقمصه، فينتقل بنا مما قبل 1948 وخلالها وما بعدها، كما كنّا نتوقع ولم يكن، للحديث عن النكبة الجديدة لكل من الروائي والراوي، ومن شابههما.
هي رحلة لجوء جديدة ما بعد “ترشيحا”، من مخيم “النيرب” في حلب إلى باريس، حيث يصادف أكثر من فلسطين فيمن يلتقيهم كـ”هديل” و”زياد”، وأوروبا واحدة يسكنها وربّما تسكنه، كانت “لويز” إحدى تجلّياتها.. هي رحلة بحث عن هويّة جديدة، عن “عين الديك” التطريز الذي زيّن قميص الفلسطينية منذ أول لقاء بينهما في العاصمة الفرنسية، وبات وشماً دائماً في عينيه.. رحلة بحث عن وصف جديد في أمكنة جديدة وبين أناس جدد، بعد أن كان لاجئاً ابن لاجئ وحفيد لاجئ في سورية.
أسئلة الهويّة في الرواية موجعة بقدر ما هي حقيقية وشفافة، ولا تركن إلى الشعاراتيّة الزائفة، فـ”سمير”، كما سليم ربّما، كان يرى في قدومه إلى باريس وخروجه من المخيّم اقتراباً من العودة إلى ترشيحا، أجنبيّ الوثائق الرسمية، في رحلة “ذهاب أو زيارة أو عودة” بعيداً عن التوصيفات التي لا تهمه، أو لا تهمهما، لكنّ العاصمة الفرنسية التي لا تمنحه وطناً أو انتماءً، تأسره بمغناطيسية جعلته يألف غربته فيها، وتألفه مُغترباً، مع أنها لا تمحو رغبته بالعودة التي يريدها لكنها تقلقه.. تقلقه لدرجة يقرر أن يبقيها في ذهنة “زيارة مؤقتة، بتاريخيّ قدوم ومغادرة واضحَيْن مُلزِمَيْن”، كضيف أو غريب لبق يعود أخيراً إلى بيته.
التطرق لجدلية الاغتراب كفعل ديمومة، أمر يتناوله البيك ببراعة مؤلمة، تجعل القارئ يتعاطف مع النقيضين، بل كل الأضداد في دواخل فلسطيني يقارب الأربعين، بات يرى أن الوقت تأخر “لتأليف حياة ما في وطن، ولتأليف حياة أخرى غير الاغتراب”، بل إن الوقت فاته ليتخذ من “فلسطين وطناً”.
كانت الأفكار في ذهن “سمير” أو سليم، أو كليهما، تتوالد بسرد يصل حد الفجيعة بشوكه وشكوكه “إن كانت فلسطين قادرة، أساساً على أن تمنح نفسها كوطنٍ لحفيد لاجئ عنها، عاد يوماً إليها”، ليبقى في حالة لا يقين لطالما رافقت ولا تزال الفلسطيني أينما كان، وخاصة ورثة اللجوء ومعايشيه الجدد، ممن يريدون ولا يريدون أن يكون اغترابهم وطناً، ولو لم يعد أو لن يعود بعد حين “اغتراباً”، خاصة إذا ما عاش فلسطينيته في الجغرافيا حيث هو، لا حيث “هناك” الجغرافية، التي كانت لجدّه، وربما فقد من ميراثه لها الكثير مع الوقت، وتتالي العقود، وقناعته التي تزداد صرامة بأن “فلسطين لم تكن يوماً المخيم”، المكان الذي يعرفه، بل “كانت ترشيحا دوماً”، المكان الذي لا يعرفه.
وفي إقراره على لسان قرينه السردي بأن “فلسطين هي ذلك الخيال، المقابل لواقعي، هي نفيه”، يتساءل أو يتساءلان إن كانت شخصياته في رواية “عين الديك” فلسطينية، وإذا ما كانت حكايته هذه فلسطينية بمكانها خارج فلسطين.
كالخروج من المنام، وما بين تخيل وحلم ورؤية، لم يُرِد البيك أن تكون الرواية “تامة، لا بشخصياتها ولا بحكايتها”، ولا “بهوية شخصياتها، وانتماءاتها، وفلسطينيّتها”، باعتبارهما، هو و”سمير” ناقصيْ “الهويّة، والانتماء، والمكان، والاطمئنان”، وإن كانا مكتملين في تقديم سردية فلسطينية حقيقية، بعيداً أيضاً عن إيهام الحكاية التي قد يراها البعض محورية، في تنقل “سمير” ما بين سريري “هديل” التي تدير غاليري في باريس، و”لويز” التي ستعرض لوحاتها هناك، أو ما بين اكتراث الأولى ولا اكتراث الثانية به.. سردية تخطف اكتراث القارئ بعمق ما تطرح، وطرائق التعبير عن أطروحاتها، كأنه “يدخل في الحكاية مباشرة”.. يفعل ولا يفعل أيضاً.
“عين الديك” لسليم البيك .. سرديّة “الفلسطينيّة المنقوصة”!
الايام – بديعة زيدان:قد يبدو السرد للوهلة الأولى مُشتّتاً، مُرتبكاً، وفوضوياً، لكنه في واقع الأمر يعكس دراية لدى صاحبه في التعبير بمتن الكلمات التي شكلته، عن دواخل شخصياته، ومشاعرها الجوّانية في الوعي واللاوعي، والحقيقة والخيال، فأمسك زمام السرد بإحكام دون أن يفلت رغم المحاولات الواعية لإيهامنا بذلك.
