الرئيسية زوايا ثقافة وادب “الزيواني”.. عن أدب الصحراء والمهمّشين وعجن التراث بالحداثة!

“الزيواني”.. عن أدب الصحراء والمهمّشين وعجن التراث بالحداثة!

الايام – بديعة زيدان:في حديثه مع “أيام الثقافة”، أشار الروائي الجزائري الصديق حاج أحمد، المعروف بـ”الزيواني”، إلى أن عجن التراث بالحداثة أمر يستوجب وقتاً طويلاً، وهو ما سعى إلى القيام به عبر مشروعه الروائي الذي كان أحدث إصدارته رواية “مَنّا: قيامة شتات الصحراء”، وسبقتها روايتا “مملكة الزيوان” (2013)، و”كاماراد: رفيق الحيف والضياع” (2015).
“تأثيث النص بالأسطورة والحكاية الشعبية والموروث، أو استلهام التاريخ، بات أمراً أساسيّاً في الرواية برأيي، ويضفي عليها حيوية وغنى، فلم تعد الرواية تقتصر على تقديم المتعة فحسب، بل باتت أشبه بوجبة معرفية ودراسة في علم الإنسان”، شدّد “الزيواني”، ليضيف: أسعى إلى تسليط الضوء على المنسي أو المهمل من التاريخ الشفهي أو حتى المكتوب، لذلك أتت رواية “مَنّا: قيامة شتات الصحراء” لتمنح المهمّشين مساحة للبوح أو ربّما الصراخ، وتقدّم أصوات من لا أصوات لهم.

وأكد الصديق حاج أحمد على محورية التخييل في رواياته، بل إنه يراه عنواناً لتصنيف هذا النص باعتباره رواية، مشدداً على أن التجريب، وتوظيف التقنيات السردية المتعددة، يجعل لأي عمل روائي تميّزه وتمايزه، هو الذي يمكن اعتباره أحد المؤسسين الجدد لأدب روائي صحراوي عربي.

وكشف “الزيواني” أنه في روايته التي نافست على الجائزة العالمية للرواية العربية بوصولها إلى القائمة القصيرة، تقصّد وضع القارئ في حالة التباس مبدئي، فمجمل النص عبارة عن مخطوط، تحصّل عليه المؤلف، واستفاد منه دون زيادة أو تغيير، في اشتباك بين المادة الأرشيفية واللغة الغرائبية لبناء حبكة خاصة في رواية جاءت فكرتها قبل ربع قرن.
“حين كنت أعدّ رسالة الماجستير في جامعة الجزائر المركزية، اخترت شخصية أدبية مغمورة من مالي تنتمي إلى قبيلة كوندا العربية، وكنت وقتها منشغلاً في الموضوع الأكاديمي، ولم أكن روائياً ولا أفكر أن أكون روائياً، ولكن ما استوقفني وقتها هو تلك المواجع التي أوردتها لي العجائز حول المآسي التي تعرضوا لها في شمال مالي إثر جفاف العام 1973.. تلك الروايات عدت بها إلى الجزائر، وركنتها في زاوية من الذاكرة، وحين انتهيت من رسالة الماجستير شاءت الصدف أن ألتقي بأحد الشيوخ ودار الحديث حول الجفاف، الذي ظل يسكنني، خاصة بعد روايتي “كاماراد”، لا سيما أنه أبلغني عن تجربة اعتقاله في جنوب لبنان، وهنا كانت نقطة التحول التي دفعتني لكتابة رواية “مَنّا: قيامة شتات الصحراء”.

روايته “مَنّا: قيامة شتات الصحراء”، قامت على طرح العديد من الأسئلة، وتعرية العديد من الحقائق المُغيّبة عن وجدان ومخيلة القارئ العربي، آملاً أن تكون قدّمت له مواضيع جديدة تخدم متن الرواية العربية، وتندرج في إطار التأسيس لأدب روائي عربي صحراوي.

ولفت “الزيواني” إلى أن روايته هذه يمكن تجنيسها على أساس أنها رواية تاريخية، أو بمعنى أدق “متخيّل تاريخي”، بحيث تبدأ منذ جفاف 1973 في شمال مالي، الذي أهلك المواشي، ولم يترك للبدو الرحّل شيئاً، ما جعلهم يفكرون بالهجرة قسريّاً نحو دول الجوار، منهم من هاجر إلى النيجر، أو بوركينا فاسو، أو موريتانيا، لكن الغالبية الساحقة منهم هاجروا إلى الجزائر التي فتحت لهم ملاجئ ومراكز للإغاثة، خاصة أن هناك علاقات قرابة ومصاهرة بين عدد من المُهاجرين من مالي وأقاربهم في جنوب الجزائر.

ترصد الرواية تعقد أحوال الطوارق والأزواد بدءاً من العام 1980، خاصة، وحسب “الزيواني”، قام الطوارق في العام 1963، وبعد ثلاث سنوات على استقلال مالي، بثورة طالبوا فيها بالانفصال، فما نراه في حرب مالي الآن تداعياته قديمة، بل قديمة جداً، حيث قامت حكومة مالي، وإثر ثورتهم، قامت بتشريدهم وقتل الكثير منهم، ما جعل موضوع الوطن بالنسبة له بمثابة “غصّة” لا تزال ترافقهم.

وأكد الروائي الجزائري أن الرئيس الليبي الراحل معمّر القذافي استغل عشق هؤلاء لوطنهم، وحلمهم بتكوين دولة لهم، فوعدهم بإقامة دولتهم الحلم، وبالفعل فتح لهم معسكرات للتدريب في العام 1980 بمدينة “بن الوليد”، وكانت توقعاتهم بأن هذه التدريبات ما هي إلا تمهيد لثورة ثانية على حكومة مالي، وبالتالي تأسيس دولتهم في شمالها، لكن وإثر صفقة بين القذافي وأحمد جبريل، مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة وتولى أمانتها حتى وفاته، نقلوا من مطار ليبيا إلى مطار دمشق، ومنه إلى معسكر في ريف دمشق، ومن ثم إلى جنوب لبنان، حيث اعتقلوا من قبل الإسرائيليين، وتم الإفراج عنهم بعد صفقة بين إسرائيل وأحمد جبريل، وعادوا إلى ليبيا ليدخلهم القذافي في تدريبات جديدة في معسكر جديد بطرابلس مع كافة الفصائل التي تحارب حكوماتها، أو المنشقة في بلدانها، وفي حرب تشاد العام 1983 شارك هؤلاء الطوارق والأزواد بعد وعد للقذافي لهم بإنشاء دولة لهم شمال مالي، وتحديداً في “كيدال”، فور الانتهاء منها، بل افتتح سفارة لليبيا هناك لإيهامهم بأن الأمر ليس مجرّد وعودات برّاقة.

في حرب تشاد، قتل من قتل من الأزواد والطوارق، وأسر من أسر، وفقد من فقد، وعند عودة من تبقى منهم من حرب تشاد العام 1988، طالبوا القذافي بتنفيذ وعوداته لهم، ولكنه مارس التسويف حتى تملكهم اليأس، لذا وفي العام 1990، قرروا التوجه من طرابلس إلى شمال النيجر، ومنها إلى شمال مالي، واستقروا في أحد جبال تلك المنطقة، وأطلقوا ثورتهم من جديد، وبدؤوا بوضع الكمائن للقوات المالية، بل ويستحوذون على مركباتهم وأسلحتهم، وقبيل تنفيذ الهجوم الذي كان بالنسبة لهم بمثابة الطريق الأولى نحو دولتهم المنشودة، قرروا الاستيلاء على شركة لحفر الآبار، لكونها تحتوي على مجموعة كبيرة من المركبات المؤهلة للسير بسلاسة في الصحراء، علاوة على مخازن الوقود الممتلئة، والعجلات المطاطية، وبطاريّات السيّارات، وكان لهم ذلك، لتنطلق الثورة في صيف العام 1995.

وعن سر التسمية “مَنّا..قيامة شتات الصحراء”، أوضح أن لفظ “مَنّا” بفتح الميم وتشديد الدال، لفظ تارقي (طارقي) في أصله، يفيد معنى الجفاف بالعربية، خاتماً بأنه آثر تأثيث هذه الرواية بالثقافة التارقية والحسانية، بداية من العنوان، وصولاً إلى متن النص، حتى تكون معبّرة بحق عن هذه الجغرافيا المجهولة وغير المحروثة في المدونة السردية الجزائرية والعربية.

Exit mobile version