الرئيسية الاخبار المجتمع الدولي.. المفهوم الغامض

المجتمع الدولي.. المفهوم الغامض

207768


باريسعلى الرغم من كثافة استخدام مصطلح “المجتمع الدولي”، فإنه يصعب تمييز المعنى الدقيق لهذه العبارة –كما هو حال منشئها. وكما أظهر تدخل فرنسا مؤخراً في مالي، فإن هذا الغموض يكمن في جذور العديد من مشاكل السياسة الخارجية الأكثر إلحاحاً اليوم.
يرى البعض أن هذا “المجتمع الدولي” لا وجود له ببساطة. ويرى آخرون أن المصطلح يشير على نحو أكثر براغماتية إلى جميع الدول عندما تقرر العمل معاً. لكن هناك تعريفا آخر أكثر دقة، والذي يشمل كافة الدول ذات النفوذ الدولي -أي دولة ذات هوية وسيادة معترف بها، وتختار المشاركة في المناقشات العالمية وصنع القرار العالمي.
لكن هناك وراء الدلالات اللفظية السؤال الأكثر أهمية، والذي لا يقل غموضاً بدوره، عن الدور الذي يلعبه المجتمع الدولي ومسؤولياته. فتماماً كما قد يقوض التعريف الأوسع مما ينبغي سيادة أي دولة، فإن التعريف الأضيق مما ينبغي -مثل ذلك التعريف الذي يبدو سائداً اليوم- قد يسمح بانتشار العنف وعدم الاستقرار.
طوال قرون من الزمان، كانت الدول ذات السيادة حريصة على تنظيم علاقاتها -من إنهاء الحروب وترسيم الحدود إلى إنشاء الامتيازات الدبلوماسية وإدارة التجارة- من خلال المعاهدات. وفي مجموعها، تشكل هذه الاتفاقيات الرسمية القانون الدولي الذي يعوض عن افتقاره إلى العقوبات المحددة من خلال إنشاء مفاهيم صارمة ولا لبس فيها، فضلاً عن عقوبة سائدة واحدة -اللوم العالمي عن انتهاك القانون الدولي- تمثل أهمية بالنسبة للجميع.
وبالرغم من ذلك، ظل العنف بين الدول متواصلاً بلا انقطاع على مدى كل هذه القرون من إبرام المعاهدات والاتفاقيات. ومن هنا، بدأت الدول في تعميق وتطوير القانون الدولي من خلال بناء مؤسسات مشتركة. وبدأت هذه العملية بهدوء مع إنشاء الاتحاد العالمي للبريد في العام 1874، ثم أصبحت غير ملحوظة تقريباً لدى العاملين في المجالات التي لا تحتاج إلى اتفاقيات عالمية تنظمها. غير أن الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الأولى أبرز الحاجة إلى قيام تعاون دولي أكثر قوة وقدرة على حفظ السلام، الأمر الذي أدى إلى إنشاء عصبة الأمم المتحدة.
لكن المنظمة كانت ضعيفة وغير فعالة، وكان ضعفها راجعاً في الأساس إلى رفض الولايات المتحدة التصديق على ميثاقها. ونتيجة ذلك، فشلت المنظمة في تحقيق هدفها الأساسي المتمثل في منع نشوب حرب عالمية أخرى.
وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، تأسست منظمة أكثر قوة ونفوذا -الأمم المتحدة. ونجحت الأمم المتحدة، التي أنشأت هيئة متخصصة لكل جانب من جوانب المجتمع الإنساني، في دعم إنهاء الاستعمار، وساعدت في بناء الدول، وتمكنت من وقف انتشار الصراعات الإقليمية، وخاصة ذلك الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين. كما أدت جهود الأمم المتحدة إلى القضاء على العديد من الأمراض المعدية؛ وتبني اتفاقية قانون البحار في العام 1982، والإطار الأساسي للتعامل مع النزاعات البحرية؛ وتأسيس الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ في العام 1988، والذي تلعب تقاريره الدورية المنتظمة دوراً بالغ الأهمية في تقييم المخاطر المرتبطة بتغير المناخ. ولكن الأمم المتحدة عجزت عن تفادي الحرب الباردة، والحروب في الجزائر وفيتنام ويوغوسلافيا، أو منع حملات الإبادة الجماعية في كمبوديا ورواندا.
خلافاً للتوقعات، لم يفض انهيار الشيوعية إلى تعزيز أواصر التعاون الدولي. بل كان ما حدث هو العكس تماما، فقد فشلت كل المفاوضات الدولية -حول قضايا مثل الانحباس الحراري العالمي، والتنظيم المالي، ونزع السلاح النووي (بالرغم من كل الجهود التي بذلها الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف من أجل إتمام الاتفاقية الثنائية لنزع السلاح النووي)- منذ نهاية القرن العشرين.
إن الأمر يحتاج إلى قوة أخرى -الرأي العام العالمي- من أجل تعزيز وتوسيع نطاق القانون الدولي. وقد تمكن الرأي العام العالمي، المدفوع بعمل المنظمات غير الحكومية، من دفع الحكومات إلى التوقيع على المعاهدات، مثل معاهدة حظر الألغام في العام 1997، وإنشاء المؤسسات الدولية، مثل المحكمة الجنائية الدولية في العام 1998.
وهكذا، لا بد من توجيه الرأي العام العالمي بشكل أكثر فعالية من أجل إرغام المجتمع الدولي على تحمل المسؤولية في مناطق جديدة. وسوف يتطلب ذلك قدراً أعظم من الإدراك الجماعي لأعمال العنف والفوضى التي تهدد مناطق وشعوب في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك الصومال، وهايتي، وليبريا، وسيراليون، ومؤخراً مالي.
في شهر كانون الثاني (يناير)، استجابت فرنسا، التي لم تعد لها مصالح استراتيجية أو اقتصادية في غرب أفريقيا، لطلب من مواطني مالي والحكومة المؤقتة هناك بالتدخل من أجل منع متمردين إسلاميين من ليبريا والجزائر من اجتياح البلاد. وبعد أربعة أشهر من نجاح العملية العسكرية الفرنسية هناك في طرد القوات المحتلة من شمال مالي، تتجه أغلب القوات الفرنسية والمعدات الآن عائدة إلى الديار.
والواقع أن هذا التدخل كان مفتقراً إلى الدعم من المجتمع الدولي، الذي فشل -باستثناء المملكة المتحدة- في فهم وإدراك حس المسؤولية الذي استند إليه القرار الفرنسي. ولكن، مع بدء خروج القوات الفرنسية وفي ضوء حاجة مالي الماسة إلى إعادة البناء، يتعين على المجتمع الدولي أن يتبنى منظوراً جديداً وأن يعرض دعمه هناك.
الحق أن الأمم المتحدة، التي تتحمل مسؤولية المجتمع الدولي، أرسلت بالفعل قوة حفظ سلام إلى مالي. وعلاوة على ذلك، وبما يتفق مع لوائحها وممارساتها، دعت الأمم المتحدة إلى عقد انتخابات رئاسية في ذلك البلد، والتي تقرر موعد إقامتها في الثامن والعشرين من تموز (يوليو). ولكن، ولأن مالي تفتقر إلى وجود أحزاب سياسية تتمتع بتأييد شعبي، ومرشحين يحظون بالقدر الكافي من الاحترام، ونظام دائم لإدارة مراكز الاقتراع، ساد التوقع بأن إجراء انتخابات قبل الأوان ربما يأتي بمسؤول يعيد تكرار النظام القديم إلى السلطة -وهي النتيجة التي قد تشعل الصراعات الداخلية من جديد.
إن استعادة الأمن في مالي تتطلب إجراء الحوار بين زعماء القرى والقبائل. وعلى نحو مماثل، ستعتمد إعادة بناء البنية الأساسية للبلاد على المحادثات بين أي سلطات بلدية متبقية وزعماء القرى. وسوف تستغرق كل من هاتين العمليتين وقتاً طويلا، ومن غير الممكن أن تكتمل أي منهما بنجاح دون دعم خارجي.
إن الدولة التي تفتقر إلى حكومة تدير شؤونها لا يمكنها أن تعيد بناء نفسها بعد أزمة من دون مساعدة. وهذا لا يعني إرغامها على اتباع طقوس انتخابية غير واقعية، بل وربما خطيرة، لمجرد أن هذا هو ما تمليه لوائح الأمم المتحدة. وإنما يتعين على المجتمع الدولي أن يدعم عملية تدريجية من التجديد في مالي وفقاً لظروفها الخاصة -وعلى الأرض بين المجتمعات التي مزقتها الصراعات في البلاد. والأمر متروك للرأي العام العالمي للدفاع عن هذه الفكرة.
ميشيل روكار
*
رئيس وزراء فرنسا الأسبق، وزعيم الحزب الاشتراكي الفرنسي سابقا.
*
خاص بـ “الغد”، بالتعاون مع خدمة “بروجيكت سنديكيت”، 2013.

 

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version