الرئيسية زوايا أقلام واراء بوادر الأمل تلوح وسط اضطرابات الشرق الأوسط … بقلم :توني بلير

بوادر الأمل تلوح وسط اضطرابات الشرق الأوسط … بقلم :توني بلير

Key Speakers At The Milken Institute Global Conference


لندنفي الشرق الأوسط، تحولت سورية إلى كابوس حي، ومصر تتأرجح الآن على حافة الهاوية. ولكن، وكما ينبئنا افتتاح محادثات السلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، فيبدو أن بوادر الأمل تلوح هناك بالفعل. ورغم أن هذا القول قد يبدو متعارضاً مع البديهة، فإن الاضطرابات التي تجتاح المنطقة بدأت تُظهِر على السطح أخيراً تلك المشاكل الجوهرية التي تقض مضجعها على النحو الذي يسمح بمواجهتها والتغلب عليها. وهكذا، فإن هذا ليس وقت اليأس، وإنما هو وقت المشاركة النشطة.
لم يكن لأحد أن يعطي فرص إحياء عملية السلام بين إسرائيل وفلسطين أكثر من الحد الأدنى. ورغم هذا، حدث ذلك. وهذه ليست محادثات حول المحادثات، وإنما هي إحياء كامل لمفاوضات الوضع النهائي، مع تعهد الجانبين بالبقاء في العملية لمدة تسعة أشهر على الأقل.
بالنسبة لهؤلاء منا الذين كدحوا، ومن دون جدوى في كثير من الأحيان، في سبيل حل هذه القضية في الماضي، فإنه إنجاز كبير ذلك الذي تحقق بفضل العزيمة الراسخة التي أبداها وزير الخارجية الأميركية جون كيري، واستعداد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لخوض المخاطر السياسية التي تجلبها المفاوضات في مواجهة الرأي العام المحلي.
وهناك أيضاً الزيارة التي قام بها الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي إلى واشنطن. فرغم كل العقبات، يشهد اليمن الآن عملية تحول سياسي كبرى، حيث يعمل خمسمائة مندوب من مختلف أنحاء المجتمع اليمني على إعداد خطة لتحقيق الديمقراطية والعدالة والمساواة.
وفي العراق، بعد سنوات من انحدار العنف الطائفي، عادت أعداد الضحايا إلى الارتفاع، وهو ما يرجع جزئياً إلى تأثيرات الحرب الدائرة في سورية المجاورة. ورغم ذلك، وحتى في العراق، أصدر رجل الدين الشيعي الأكثر نفوذا في البلاد، آية الله العظمى علي السستاني، بياناً بالغ الأهمية مؤخراً، والذي أعلن فيه أن البلاد في حاجة إلى دولة مدنية وليس دينية، في ظل حريات متساوية يتقاسمها الجميع. كما أعرب السستاني عن معارضته لأولئك المقربين من إيران الذين يريدون إرسال الشيعة إلى سورية للقتال من أجل نظام بشار الأسد جنباً إلى جنب مع حزب الله.
وعلى نحو مماثل، وفي بداية شهر رمضان، أصدر عاهل المملكة العربية السعودية وخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بياناً قوياً طالب فيه المسلمين باسترداد عقيدة الإسلام من هؤلاء الذين يريدون تشويهه وتحريفه باسم السياسة.
وفي ليبيا وتونس، ما تزال الأمور بعيدة عن الاستقرار، كما أظهر اغتيال المعارض السياسي البارز محمد البراهمي مؤخراً في تونس، ووجود ميليشيات منفلتة من عقالها في البلدات الليبية. ولكن الديمقراطيين لم ولن يستسلموا في هذين البلدين.
وعبر القسم الشمالي من منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، هناك الآن تحديات هائلة تفرضها الجماعات الإرهابية جيدة التسليح والتمويل، التي استوردت إيديولوجية إسلامية سامة من منطقة الشرق الأوسط. وقد عانت بلدان مثل نيجيريا إلى أبعد الحدود من الإرهاب الذي يستند إلى نوع من التطرف الديني الغريب على المجتمعات هناك. ولكن، مرة أخرى ورغم كل هذا، تشهد البلاد الآن نمواً اقتصادياً سريعاً، كما نفذت للتو إصلاحاً كبيراً -كان يعد مستحيلاً حتى وقت قريب- في قطاع الطاقة.
في الوقت نفسه، وفي ظل دستور شامل حقاً ومطبق بموضوعية، تستطيع مصر أن تعود مرة أخرى إلى مسار الديمقراطية. وهناك وعد بإجراء انتخابات في أوائل العام 2014، وسيكون بوسع كل الأحزاب، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين المصرية، أن تشارك في هذه الانتخابات. وبخلاف ذلك، سوف تصاب مصر بالشلل وتصبح عاجزة عن تصحيح وضعها الاقتصادي المتردي واستعادة النظام العام الذي سيكون إحراز أي تقدم في غيابه أمراً مستحيلاً.
بيد أن الانقسامات الداخلية في مصر تعكس صحوة أكثر عمقاً في المنطقة بالكامل، وتنطوي هذه الصحوة في صميمها على قدر عظيم من الأهمية. والواقع أن الدروس حول الحكومة والحكم والديمقراطية، والتي استغرق الغرب قروناً من الزمان قبل أن يتعلمها، يجري استيعابها هناك الآن بسرعة غير عادية.
لقد بات من الواضح الآن أن الوضع الراهن الصعب في المنطقة لن يستمر طويلاً. فقد ولت إلى الأبد فكرة حكومة “الرجل القوي” المستبد -باعتباره نظام الحكم القادر على الحفاظ على النظام، والذي تفضل بقية دول العالم التعامل معه بسبب إمكانية التنبؤ بسلوكه. ولا يهم ما إذا كان ذلك “الرجل القوي” مختلاً عقلياً مثل صدّام حسين، أو معتدلاً مثل حسني مبارك الذي حافظ على السلام في المنطقة. غير أننا نعيش الآن في القرن الحادي والعشرين، ومن المؤكد أن الناس العاديين يريدون المشاركة في صياغة مستقبل بلدانهم. والآن، بات الخيار الوحيد المتاح أمام شعوب الشرق الأوسط هو: إما التطور أو الثورة.
من الواضح أن التطور، إذا كان تحقيقه ممكنا، هو الخيار المفضل. والحقيقة أن سورية كانت لتصبح أفضل بانتهاج ذلك الخيار. فقد ذاق الناس هناك طعم سياسات النزاع والصراع. وفي مختلف أنحاء المنطقة، نستطيع أن نلمس ذلك النوع من الإجهاد الذي تجلبه وحشية وفوضوية سياسات الصراع. وهناك إدراك متنام في عموم المنطقة لحقيقة مفادها أن من الأفضل أن يكون التغيير مصحوباً بالاستقرار، وأن الديمقراطية لا تعمل إلا إذا جرت إدارة حوار في جو يسمح بطرح القضايا والحجج الجريئة، بل وحتى القاسية، وإنما ليس التحريضية.
وهناك أيضاً قبول متزايد لحقيقة أخرى مفادها أن الحريات الدينية تشكل جزءاً ضرورياً من المجتمعات الحرة والمفتوحة. والآن، أصبح الدور الذي يلعبه الدين في الحكم والمجتمع مفتوحاً أمام الحوار في وضح النهار. وهذا أمر صحي وبالغ الأهمية. فللمرة الأولى يدور حوار نشط وذكي حول هذه القضية، والتي هي في صميم المشاكل التي يعاني منها الشرق الأوسط.
إن المجتمعات المفتوحة لا تتوافق مع الاقتصادات المنغلقة. وفي هذه المجتمعات، يكون القطاع الخاص القائم بوظيفته قادراً على خلق العدد الكافي من فرص العمل، وإنشاء المدارس التي تتولى تعليم الشريحة الضخمة من السكان الشباب لإعدادهم للعيش في عالم اليوم المترابط، وهما شرطان أساسيان للتقدم.
تشكل القضية الإسرائيلية الفلسطينية أهمية حاسمة لكل الأسباب الواضحة المتعلقة بها. ولكنها تُعَد أيضاً اختباراً لقدرة المنطقة على صياغة مستقبل مختلف وأفضل. فإذا كان بوسع هذين الشعبين أن يجدا أرضاً مشتركة لإقامة دولتين ديمقراطيتين تتمتعان بالحرية، بعد عقود من المرارة وإراقة الدماء، فإن المنطقة سوف تجد في ذلك نموذجاً بالغ القوة للأمل.
لكن افتتاح محادثات السلام في واشنطن ما كان ليحدث في غياب المشاركة الكاملة من جانب الولايات المتحدة وغيرها من الشركاء الدوليين. وهذا هو الدرس الذي يتعين علينا أن نأخذه في الاعتبار فيما نرى سورية وهي تتفكك أمام أعيننا. وبقدر ما قد نرغب في تحويل أنظارنا بعيداً، فإن العواقب المترتبة على السماح لحمام الدم في سورية باستكمال مساره إلى النهاية قد تكون مأساوية بالنسبة للمنطقة بالكامل، وبالنسبة لأمن الغرب والعالم أيضاً.
من المؤكد أنه بات بوسعنا الآن أن نرى بعض الخيوط المشتركة التي تجري عبر حادث الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2011 وأفغانستان والعراق والثورات العربية وإيران وسورية ومصر، فضلاً عن انتشار الإرهاب الذي يستند إلى التطرف الديني. ويتعلق أحد هذه الخيوط بالكيفية التي تخرج بها الدول من سنوات من القمع لكي تبني المؤسسات القادرة على الاستجابة لاحتياجات العالم الحديث. ويتمثل خيط آخر -متصل بوضوح- بالجهود المشهودة التي تبذل في البلدان ذات الأغلبية المسلمة لتحديد العلاقة بين الدين والسياسة. والحق أن العالم أجمع لديه مصلحة كبرى في التعرف على ما قد تقودنا إليه مثل هذه الخيوط.

*رئيس وزراء المملكة المتحدة (1997-2007)، والمبعوث الخاص للجنة الرباعية في الشرق الأوسط.
*
خاص بـ “الغد”، بالتعاون مع خدمة “بروجيكت سنديكيت”، 2013.

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version