عندما استؤنفت المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية في القدس يوم 14 آب (أغسطس)، سادت التكهنات بأن الجوقة المألوفة من غلاة المحتجين القوميين المتدينين اليهود، سوف تصاب بدوار. فقد سعت لأكثر من عقدين إلى نسف أي تسوية ممكنة مع الفلسطينيين، والتي تقوم على أساس حل الدولتين. وقادت في العام 2005 حملة عصيان مدني في محاولة لإفشال الانسحاب الإسرائيلي من غزة. ولأنه وفيّ للتقاليد، هدد نافتالي بينيت، زعيم حزب الوطن اليهودي الذي يمثل المستوطنين ومعسكر القوميين المتدينين على نطاق أوسع، بالانسحاب من الحكومة عشية استئناف المفاوضات. وقال في المساء الذي سبق استئناف المفاوضات: “إن حزب الوطن اليهودي تحت قيادتي لن يكون شريكاً -ولو لثانية واحدة، في حكومة توافق على التفاوض على أساس خطوط العام 1967”. ورغم كل صراخه، اختار السيد بينيت الذي يشغل حقيبة وزارة التجارة الاحتفاظ بمقعده في الحكومة.
تبقى المسوغات لاتخاذ هذه المواقف عديدة. أولاً، تتسم التوقعات بأن تفضي المفاوضات إلى شيء ما، بأنها منخفضة جداً. فلماذا الضجيج عندما تبدو فرص التوصل إلى اتفاقية بائسة جداً؟ كما يتساءل بعض المستوطنين الذين كانوا قد شنوا حملة في السابق ضد أي محادثات تبحث في انسحابهم من مستوطناتهم في الضفة الغربية (المحتلة).
لقد ضمن المستوطنون وداعموهم بذلك اتخاذ تدبير وقائي ممكن ضد تنفيذ أي اتفاقية محتملة. فقد أضفى الكنيست الشرعية، البرلمان الإسرائيلي، وضع أي صفقة يتم التوصل إليها أمام الاستفتاء. وأعطت استطلاعات الرأي العام قراءات مختلطة حول الكيفية التي سيمضي بها هذا الاستفتاء، لكن المستوطنين يشيرون بابتهاج إلى استطلاع حديث يشير إلى أن معظم الإسرائيليين سيصوتون لغير صالح الانسحاب إلى خطوط العام 1967. وبالإضافة إلى ذلك، وعد بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، المعسكر القومي المتدين بالاستمرار في البناء في بعض المستوطنات القائمة. وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الإسكان الإسرائيلية يوم 11 آب (أغسطس) عن إنشاء حوالي 1200 منزل جديد، في محاولة لاسترضاء أولئك الذين يعارضون تأييد إسرائيل المتزامن لإطلاق سراح 100 سجين فلسطيني. ودفع البيان إلى صدور انتقادات من مفاوضين إسرائيليين سابقين، كما ومن أميركا والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن الفلسطينيين، ورغم أن جون كيري، وزير الخارجية الأميركي، حث الفلسطينيين على عدم إصدار رد فعل معاكس للخطط، ودعا كل الأطراف إلى المضي قدماً في المفاوضات.
لكن أقوى مسوغ لهذا الهدوء الديني القومي فيما يبدو هو خوف المتشددين من خسارة هالتهم. وعلى الورق، يبدو المعسكر الديني القومي الأكثر قوة في إسرائيل. ويحتفظ حزب الوطن اليهودي بنسبة 10 % من مقاعد الكنيست، فيما يحتل المستوطنون أماكن مرموقة في “يش عتيد”، حزب الوسط الذي يتزعمه مقدم البرامج التلفازية السابق يائير لبيد. لكن الحملات المؤيدة للاستيطان تمتلك سطوة على أضخم حزب في إسرائيل، حزب الليكود بزعامة نتنياهو. ويهيمن الناخبون الدينيون القوميون على عضوية حزب الليكود. ومن بين 60.000 عضو الذين يقبلون على التصويت للحزب، ثمة 22000 عضو هم من القوميين الدينيين الذين يصوتون بشكل جمعي. ولم يسبق أن كسب أي برلماني مكاناً في قائمة الليكود من دون دعمهم.
ومع ذلك، فإن القدرة على شق الصفوف تبدو محدودة. ويقف مصير حزب “كاديما” ليكون تذكرة قوية بالكيفية التي يقدم المقترعون من خلالها وبسرعة على الانتقام من المنشقين. وكان ذلك الحزب قد تفرع عن حزب الليكود في العام 2005، وكسب 29 مقعداً في العام 2006، وقاد الحكومة. لكنه وخلال حملتين انتخابيتين، تلاشى كلية جامعاً مقعدين وحسب في وقت سابق من هذا العام. وتبدو تهديدات السيد بنييت بترك المجلس الوزاري جوفاء وفارغة بالمقدار نفسه. وهو إذا ما ترك المجلس الوزاري، فسيكون بإمكان السيد نتنياهو الالتفات إلى الحزب المغالي في التشدد، شاس، الذي يمتلك 11 مقعدا في الكنيست، أو حتى حزب العمل الذي تقول زعيمته شيلي ياشيموفيتش أنها ستدعم السيد نتنياهو إذا ما تفاوض على تسوية من أجل دولتين. وبدلاً من يوري أرئيل، المستوطن من كفار أدوميم في الضفة الغربية، كوزير للإسكان، قد يغامر المستوطنون بأن يكون لديهم سياسي علماني من حزب العمل معاد للاستيطان.
وحتى الحاخامات المتصلون في العادة من أقصى اليمين، والذين يعتبرون أنفسهم الزعماء الروحيين لحزب الوطن اليهودي، أثبتوا أنهم براغماتيون على نحو يناقض شخصيتهم، وقد خففوا من حدة مطالبهم لكي يغادر السيد بينيت الحكومة. ولو اعتزموا تقويض القيادة الشعبية للسيد بينيت، فإنهم يعرفون أن تمثيل حزب الوطن اليهودي في البرلمان يمكن أن يتراجع عن مجموع 12 مقعداً التي يحتفظ بها الآن إلى أربعة مقاعد وحسب.
كل ذلك يشير إلى شعاع نادر من الضوء، والذي يشع على المفاوضات التي تبدو أصلا وأنها مشوبة بالاتهام المضاد. وقد تتوافر حكومة من دون جماعات الضغط المؤيدة للاستيطان على مساحة أكبر للمناورة لضمان التوصل إلى اتفاقية مع الفلسطينيين. لكن عدم اشتراكهم في الحكومة ربما يثبت لساسة الاستيطان أنهم سيكونون مخربين بقدر أكبر بكثير.
تقرير خاص – (الإيكونوميست) ترجمة: عبد الرحمن الحسيني– الغد الاردنية .
*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
Israel Politics: A Little ray of Light
