الرئيسية زوايا ثقافة وادب “سنة واحدة تكفي” لهاشم غرايبة.. سرديّة شيوعي عن “حياة” السجن!

“سنة واحدة تكفي” لهاشم غرايبة.. سرديّة شيوعي عن “حياة” السجن!

الايام – بديعة زيدان:”أنا من قرية اسمها حوّارة، حيث النجوم لا يمكن إحصاؤها، وقد حذرنا أهلنا صغاراً من التحديق بها حتى لا تنبت على جلودنا الثآليل.. أما أنا فكنت أستغرق في عدّها.. هناك كانت السماء قريبة، وكان أهل القرية الصالحون والطالحون يشعرون بأنهم أبناؤها دون تبجّح.. حوّارة مكان الغولة القاطنة في المغارة الغربية، والشيخ الذي يفكّ الأسير ويشفي المريض.. حوّارة رائحة العشب العالقة في صدر أبي.. حوّارة القمح، والشجر، والمطر، والبرق، وياسمينة أمي.. لكنّي انتُزعت من تلك الجنّة وسجنت!”.
بهذه العبارات التي تصدّرت الغلاف الخلفي لكتاب “سنة واحدة تكفي”، قدّم الروائي الأردني هاشم غرايبة، سيرة حول سنوات اعتقاله العشر في سجون بلاده، بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي، متحدثاً في العديد من تفاصيل الاعتقال وظروفه.
ويضيف غرايبة: “في السجن جرّبت أسوأ أنواع العيش، لكن الحياة كانت دائماً، بالنسبة لي، تستحق أن أناضل في سبيلها.. أدّعي أن السجن معلّم صادق، علّمني، دون مقدّمات، الاشتباك مع عالم شاسع مليء بالملائكة والشياطين، ودلّني على سؤال الحرية.. الآن، ودائماً، نحن ذاهبون إلى ذلك العالم الذي لا نعرفه.. لقد وُجدنا في هذه الحياة مع الكثير من النقص، علينا أن نكمله بجهودنا الذاتيّة.. بحكاياتنا الخاصة”.
إنها سيرة تلامس الرواية بسرديّتها، صياغة وتكويناً، حيث الشخوص، والأحداث الأقرب إلى اليوميّات، وفيها يحكي غرايبة عنه وعن رفاق السجن، منذ لحظة اعتقاله في سبعينيّات القرن الماضي، مستعيناً بذاكرة يقظة لتعداد من كان يلتقيهم في الزنازين كـ”القط”، و”أبو حديد” شاويش المهجع، و”حيدر”، وابن عمّه “عسّاف”، و”بو زهرة”، وغيرهم.
“ذاكرة الألم قصيرة.. ألفتُ أناقة عسّاف المفرطة، وخفّة القط المضحكة، ووشم ذراع بو زهرة القبيح، وشلاطيف أبو حديد التي تهتز إن تكلّم وإن سكت، وصمت الشكّيك المريب، وأنف الختيار المتورّم”.
السيرة أو الرواية أو اليوميّات، الصادرة عن دار هاشيت أنطوان في بيروت دمغة الناشر “نوفل”، تسرد بنفس أدبي تلك التفاصيل الصعبة، ومن بينها التعذيب خلال التحقيق، وكيف رفض طلب التبرّؤ من الحزب الشيوعي لينجو بنفسه.. “كأنما كنتُ أمارس نوعاً من التنويم الذاتي لحواسي، فتحملتُ الفلقة، والفرّوجة، والضرب في ساحة التحقيق على أنحاء جسمي بعصيّ الخيزران.. وبعد كلّ جولة يلقى بي في الزنزانة مُدمى وسعيداً، أوطد العزم على أن أتجاوز بحزم ساعات الشبح التي كانوا يربطون خلالها يديّ إلى قضبان الكوّة الكحليّة في أعلى الباب، وأبقى واقفاً زمناً رصاصيّاً لا أدري هل هو مستقطع من الليل أو من النهار”.
وتحدث أيضاً عن تبدل الروائح والعادات لديه مع الوقت، بحيث نسي رائحة الياسمين، وألف البراغيث وشمّيسة الصبح، وحوض الماء، وشبك الزيارة، وتعوّد “نكهة القضامة المتفحمّة، التي تغلي مع قهوة الطمّوني”.
وكان لافتاً تصنيفه للسجناء إلى خمس طبقات، باستعاره من “الختيار”، أولها “العفش” وهي الطبقة العليا، أو النخبة المختارة، وأطلق عليهم ذلك لأن “عفشهم وأغطيتهم وأوانيهم وطعامهم من خارج السجن”، وثانيها “النواطير”، وهم عرفاء المهاجع ومن والاهم أو حاباهم أو رشاهم، أما الطبقة الثالثة، فهي طبقة “النزلاء” كأصحاب الدكاكين، أو من يتلقون دعماً ماليّاً من ذويهم، ومن بينهم هو وابن عمه عسّاف، فيما تُعرف الطبقة الرابعة باسم “الزقرط”، وهم الذين بلا سند من أهل أو عصابة تدعمهم، وينامون متراصيّن متكوّرين على أنفسهم في المساحات الميتّة، وخامستها “السفراء”، وهم “شمّيمة الآغو، والسكّرجية، وضرّيبة الشفرات، والنشّالون، ومن لا والي لهم”.
ومع تقليب الصفحات نتعرف على يوميّات هاشم، وعلى حكايات رفاقه، ما سبقت سجنهم وما تلتها، وعن مشاكلهم التي قد تصل حد العراك الشرس، والتي عادة ما يتم حلّها عشائريّاً خارج السجن، وعن انتظار “الفرج” بعفو ملكي في هذه المناسبة أو تلك.
ولم تغب عنه جغرافيا السجن، رغم مرور عقود على السنوات العشر التي قضاها بين الزنازين شيّوعياً رفض التخلّي عن مبادئه.. “كلّ مكان يشتق رائحته الخاصة، رائحة الزنزانة بول ودم.. رائحة السجن سناج ودي. دي. تي، ورائحة القاووش فساء بشري وبصل مقلي، ورائحة القبو تراب مُعتّق وعطن الرطوبة، ورائحة الدار البيضاء تبغٌ وشحم حيوانيّ”.
و”سنة واحدة تكفي” تندرج بصرف النظر عن توصيفها سيرة أو رواية أو يوميّات، في إطار “أدب السجون”، علاوة على كونها تؤرخ لزاوية بعينها من حقبة ما، في حين أن العنوان يظهر قسوة تجربة السجن ومرارتها، فلعلها سنة واحدة لا عشر كانت تكفي بالفعل، أو هكذا رأى، أو شعر، كان وربّما لا يزال، فالذاكرة التي لا تخون أصحابها كانت تتأتى من منطقتي اللاوعي والوعي معاً، بتقديري.
وفي السرديّة التي لا تخلو من سخرية تأتّت من فرط الوجع، ختمها غرايبة بما يمكن وصفه برؤية فلسفية إزاء جدلية الأسر والتحرّر، حيث أكد أن طريقاً واحدة لا غيرها للتحرّر من السجن.. “إذا صمدت، ولم تنكسر، فأنت حرّ”، وهو بذلك يدلّل على أن الحرية من عدمها ترتبط بمواقف الإنسان ودواخله، لا كونه داخل زنزانة أو خارجها، فكم من سجين يعيش حريّته، وكم من طليق يعيش أسره الجوّاني كل يوم، باستبداله الصمود بالسكوت.

Exit mobile version