الايام -بديعة زيدان:”حكايتي هي وقفة لحظية أمام الضياع.. وقفة زمنية لمقاومة الزمن، تشدّني إلى الخلف لأمسك خيوط المستقبل في عالم تمرّد وانقضى، وكاد يطمس جذور الحكاية. فما العمل؟ كيف نوقف الزمن ونفرض نظاماً على ما انقضى؟ تلك هي الحكاية، وقفة مع الذات لاستنطاق الساكن والمسكوت عنه في جلاليب الزمن، ذلك الجزء المُغتصب من الوعي والرهبة، هي الحكاية في معناها ومغزاها.. بحثٌ في الطين لمقاربة اليقين، وتخليص المعنى من سطوة المبنى، وانزلاق محكوم بين تلام التاريخ”.
وجدتُ في هذه العبارات الواردة في سرديّة “مواقد الذكرى” للروائي والأكاديمي د. أحمد حرب، الصادرة عن دارَي “الناشر” في رام الله و”الأهلية في عمّان، تعبيراً عمّا دفعه لكتابتها، هي التي تأرجحت ليس فقط بين الأزمنة والجغرافيّات المتلاصقة، بل ما بين صنوف عدّة تندرج في إطار الإبداع السردي، مُقدّمة شهادة ذات سطوة عالية تنطلق من الخاص إلى العام، والعكس، لتقدّم حكاية فلسطينية غير مسبوقة.
وتنقسم “مواقد الذكرى” إلى حقبتين زمنيّتين تمتد الأولى منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى هزيمة العام 1967، فيما تذهب الثانية إلى يوميّات حرب حزيران وتداعياتها.
في الجزء الأول من هذه السرديّة نلمس انحياز حرب الكبير لتفاصيل يوميّات طفولته ومراهقته، في مزج ما بين شخصه وعائلته الممتدة والأحداث المحيطة به، الاجتماعية منها والسياسية، خاصة في الجغرافيا التي يعيشها وتعيشه، كالظاهرية، والدوايمة، وبيت جبرين، وقرية “حورة”، وخور “أبو شعرة” أرض العائلة الأكثر خصوبة، وغيرها.
تحدث عن حسن، ابن عمّه، وكان يملك ملحمة، قبل أن يتحوّل مقاوماً للعصابات الصهيونية، ومن ثم شهيداً، وهو الحدث الذي شكل نقطة تحوّل بالنسبة للعائلة، التي انتقلت إلى “المغاور” إصراراً منها على حصاد أرض الخور، رغم إخلائها، ومن ثم إعلانها ضمن الأراضي الإسرائيلية، لكونها تقع فيما عرف بـ”المنطقة الحرام”.
وفي حديثه لـ”أيام الثقافة”، قال حرب: كتبتُ حسب ما أدركته الذاكرة، وما ورد في “مواقد الذكرى” حول أحداث وشخصيات في العقود الأولى من القرن الماضي تأتّى بناء على ما نقلته لي والدتي، وهي ذاكرة وجدتُها مؤثرة للغاية، وخاصة حكاية الشهيد حسن، ابن عمّي، وكل ما أحيط بها من مقولات وأساطير وغيرها، وشكّلت مدخلاً لتقديم صورة عن النضال الفلسطيني والارتجاليّة فيه، والواقع الفلسطيني في تلك المرحلة وما واكبه من شعور بالضياع، بما يفتح المجال للنقاش حول “الأسطرة” التي تجعلنا ننسى الواقع، والإعداد اللازم لمواجهة العدو، تبعاً لتوجّه “الفزعات”، وكان سائداً في ذلك الوقت، مع عدم غياب مجموعة مدرّبة من الثوّار وعناصر الجيش الأردني، لافتاً إلى أنه لم يتجه إلى البحث في التاريخ كي لا يفسد سرديّته القائمة على “تجربة حدثت، وكيفية التفاعل معها مشاعريّاً وعاطفيّاً ووجدانيّاً، ولها انعكاساتها السياسية والواقعية”.
وحول “الأسطرة”، أضاف حرب: لا أريد أن أتلاقى مع الفكر الاستشراقي فيما يتعلق بالثقافة والعقلية العربية، لكنْ في جذور ثقافتنا، ثمة توجّه نحو رؤية الأشياء بمنظورها الرمزي أكثر من منظورها الواقعي، وهذا يعبّر في التحليل النهائي عن حالة ضعف داخلي، وعدم قدرة على مواجهة التحدّيات في الواقع، ولذلك اتجهتُ في جزء من “مواقد الذكرى” إلى تقويض هذه “الأسطرة” المرتبطة أيضاً بحالة من خداع الذات طوال الوقت، فنحن لا نؤسطر الأشخاص فحسب، بل نؤسطر المكان أيضاً، كمقامات “الأولياء” المنتشرة في أنحاء فلسطين كافة، بحيث شكل بعضها تكويننا الروحيّ وحتى الفكري أحياناً، كما في حال “الغماري” مثلاً.. الرمزية مهمة، ولكن الخطر حين تُستغل من قبل الساسة، بحيث يتم تقديس الرمز، بشكل أو بآخر، وتجاهل المرموز إليه.. أنا على قناعة بأنه لا يجب أن نُخرج الإنسان عن إنسانيّته.
وأضاء حرب في “مواقد الذكرى” على جوانب قد تبدو خفيّة أو غير معلومة للكثير منّا نحن الفلسطينيين، كما غيرنا، من أحداث وشخوص، أبرزهم عبد الحليم الجولاني، المعروف بلقبه “الشلف”، وكانت له صولات وجولات في النضال الفلسطيني ضد الإنكليز والعصابات الصهيونية، بل كان له الفضل في الحيلولة دون سيطرة العصابات الصهيونية على الخليل واحتلالها وغيرها من المدن الفلسطينية، والتقاه الكاتب في العام 1990، هو الذي “هزم اليهود واحتل مستعمراتهم نحالين والحبيلة وبيت إسكاريا حول كفار عتصيون، وأمّن طريق القدس الخليل، وأوقف محاولات اليهود لاحتلال الخليل”، وكان اللقاء في بيته على تل يطل على “وادي الملح” غرب الخليل.
وعُرفت تلك الجغرافيا بمنطقة “شعب الملح”، وأسس فيها “الشلف” ورفاقه “دولتهم” الخاصة، قبل تحرير الخليل في 5 أيار 1938 لأربع وعشرين ساعة، حيث رفع الثوّار العلم الفلسطيني على المباني الحكومية البريطانية.
وعنه كشف حرب لـ”أيام الثقافة”: عرفت الجولاني أو “الشلف” في مرحلة متقدمة نسبيّاً، لكن في سرديّته إضاءات تعزز ما قالته أمّي عن حسن، وكأن السرديّتين تكاملتا بما يشكل جاذبية أكثر للقارئ، وبشكل ربّما يكون مُحزناً.. بصراحة، وفي أكثر من موقف، وأنا أكتب عن هذه المواقع والشخوص كان يغالبني البكاء، خاصة حين يتعلق الأمر بحسن.. التقيتُ الجولاني مرّة بعد أن نشرت روايتي “الجانب الآخر لأرض المعاد”، وعلى إثر تنظيم فيصل الحسيني ندوة عنها في القدس، وهو ما ذكرته في “مواقد الذكرى”، حيث أبلغني الدكتور عيسى أبو شمسية بضرورة مقابلته، ولم أكن أعرفه.. شعرتُ بالخجل أنني أمام كل ما يحيط بـ”الشلف” من سمعة ومقولة، هو الذي أنقذ عبد القادر الحسيني في معركة بني نعيم كما أخبرني.
وكان حرب في روايته “الجانب الآخر لأرض المعاد”، أشار بوضوح إلى أن “الزمن كرة أينما تضع إصبعك تكون نقطة الارتكاز”، لكن ما يثير الانتباه في “مواقد الذكرى” طغيان حضور المكان، وكأنه يقود العمل.. وعن ذلك أشار حرب لـ”أيام الثقافة” إلى أن الزمان والمكان مرتبطَين عموماً، وهما عنصران أساسيّان في بناء أي سردية، والفارق هو في كيفية التعاطي مع كل منهما، وهذا يعتمد على الكاتب أو على طبيعة العمل، وكذلك عناصر اللغة.. في “الجانب الآخر لأرض المعاد” كانت الانتفاضة هي الحدث المركزي، والرؤية التي كانت تدور في ذهني حين كتبتها، وعكسها العنوان، تقوم على دحض الرواية الإسرائيلية، وبالتالي فالحدث غير مرتبط بمكان ما بعينه، لذا كان الاتجاه نحو زمن تاريخي بأبعاده المختلفة، أو بزمن يلتقي فيه الماضي والحاضر والمستقبل، وعليه كان الزمن دون الربط بمكان بعينه، علماً أن فلسطين هي المكان في الرواية، هو الطاغي بحكم طبيعة تكوين العمل السردي ورؤيته ومراميه، وهو زمن إنساني غير مُؤطّر كما هي الانتفاضة الأولى (1987) بأبعادها، مع أن الزمن لم يكن يوماً صديقاً للفلسطينيين، تاريخياً، ما قبل النكبة ووعد بلفور وإلى يومنا هذا.
ولفت حرب إلى أن “مواقد الذكرى” سرديّة بالأساس عن طفولته في مكان تفاعل معه هذا الطفل، لدرجة أن المكان هنا شكل خارطة داخلية لمسيرته الحياتيّة وتطوّره، فالأماكن التي ذكرت والتي لم تذكر كانت تشكل المعايير والرؤية، فمنطقة “عراق الأبرق” مثلاً كان لها أهمية كبيرة بالنسبة لعائلته، وفي ذاكرته المتوارثة عن المنطقة التي كانت العائلة تقيم فيها بكثرة قبل السطو عليها واحتلالها في العام 1948.
وعمّا إذا كان بالإمكان اعتبار المكان على عكس الزمن صديقاً للفلسطينيين، رغم استلابه اليومي من قبل الاحتلال وقطعان المستوطنين، أجاب حرب: للمكان خصوصية لدى الفلسطيني، رغم أنه في “مواقد الذكرى” يعكس حكاية طفل منذ وعيه الأول وحتى سن الرابعة عشرة.. بالفعل، المكان هنا بالعموم معرّض للاستلاب، سواء في ظل الهجمة الصهيونية، أو تبعاً لفهم الناس لأهمية المكان الذي يخضع لتغييرات إما داخلية، أو تبعاً لسياسات قوى خارجية، وهو المفعول به من ناحية الزمن، ومع ذلك وبصرف النظر عن التغيّرات يبقى المكان عكس الزمن بطبيعة الحال قابلاً للاسترداد، ولكن الأهمية تكمن في كيفية حدوث هذا الاسترداد، فحين زرت أماكن الطفولة بعد حين لم أعرفها، فهي على أرض الواقع لم تعد تلك الأماكن التي بقيت وستبقى ثابتة لا تتحول في ذاكرتي.. الحديث عن استرداد المكان قضية كبرى، فحتى لو استرددت المكان فيزيائيّاً أو جغرافيّاً فمن الصعب استرداده كما عشته.
وعن هوية العمل، وغياب تصنيف قاطع له على الغلاف، وإذا ما كان يشكل إعلاناً صريحاً عن شطب الحدود ما بين الأشكال السردية هنا.. أكّد حرب: التصنيف أمر قد يريح النقّاد، وخاصة الأكاديميّين منهم، وكأنهم يريدون للكاتب أن يضع العمل تحت يافطة بعينها، ويُعملون عناصر ذلك التصنيف في كتاباتهم النقدية، وكدارس في الرواية ومتعمق في الكثير من التفاصيل المتعلقة بها وبتاريخها، يمكنني الحديث بثقة أنني لم أجد رواية، لا قديماً ولا حديثاً، تخلو من عناصر السيرة، وهذا طبيعي كون أن الكتابة الإبداعية، والإبداع عموماً ينبعان من الذات.. عملياً لا حدود بين أشكال الكتابة الإبداعية، والتي تتغيّر سمات كل منها مع الوقت، فحتى السيرة لم تعد كما كانت، من حيث العلاقة بـ”الأنا” والأحداث التاريخية وغير ذلك.. من الصعب عليّ تصنيف ما كتبت في “مواقد الذكرى”، خاصة أن “الأنا” تذوب في السرد.. في هذه الأيام، باتت تذوب الحدود ما بين الأشكال السردية وما بين الأشكال الفنيّة، وبالنسبة لي في “مواقد الذكرى” لم أكن معنياً بالتصنيف بقدر التجسيد الكتابيّ لما شاهدت أو عايشت أو سمعت عنه أو تماهيت معه كطفل، وكيفية منحه البعد الروحي والإيحائي والجمالي.
وعن معضلة الكاتب الفلسطيني ما بين الشخصي والعام، والسياسي والجمالي، أشار حرب إلى أن “التحدي يكمن في الخروج بسرديّة جمالية تمزج بتناسبيّة ما بين كل تلك العناصر، وذلك يكون عبر التركيز على التجربة بإيحاءاتها، على أن يكون الظرف السياسي أو الواقعي معادلاً موضوعيّاً للجمالي وليس العكس، ودون الوقوع في المباشرة باعتبارها تفسد العمل.
وفيما يتعلق بتسارع وتيرة السرد في الجزء الثاني مع العمل، الموسوم بـ”لهيب حزيران”، رغم أهمية ما جاء فيه لجهة الشكل والمضمون واللغة وطريقة الطرح، وإذا ما كان يرتبط بكون حرب ركّز بالأساس على سنيّ طفولته، أم باعتباره تناول تلك الحقبة في العديد من رواياته، أجاب: نحن من جيل النكبة أو ممّن عايشوا آثارها، كما أنّنا جيل النكسة التي أعتقد أنها النكبة الحقيقية التي قتلتنا، خاصة أنني ممّن عشت يوميّاتها، وعشت الوهم الذي زجّنا العرب في أتونه.
“أتذكر أن البلد وقعت تحت الاحتلال، بينما كنّا نصلّي في المسجد، وكان الإمام يدعو الله للانتصار في الحرب.. كانت نقطة تحوّل بالنسبة لي على الصعيد النفسي، وعلى صعيد الوعي، حين خرجت من المسجد، وكنتُ الطفل الذي يؤّذن فيه، فوجدت مدرّعات الجيش الإسرائيلي أمامي، لذا لم أعد إليه ثانية.. الحديث عن هزيمة حزيران وتأثيراتها خاصة على مستوى الوعي موجود في رواياتي، لا سيما رواية “الصعود إلى المئذنة”.. “في سرديّتي الأخيرة توقفت عند مواقد أعطت الشرارة، ولخصّت الكثير عن حرب الأيام الستّة، وكيف عشتها، هي الحرب التي بدأت وأنا على ظهر الحمار”!
