الايام -بديعة زيدان:على الرغم من كون “نوافذ للبوح والحنين” مجموعة قصصية، إلا أن شخوصها ثابتة تتجول ما بين قرابة التسعين حكاية شكّلت جديد الروائي والقاص محمود شقير، بحيث نرافق “الكاتب ومحرّر النصوص محمد الأصغر بن منّان العبدللات”، وزوجته “سناء”، و”الرهوان” المشاغب ابن عائلته، ويعمل سائق سيارة عمومية، في رحلة سردية مُغايرة عبر نوافذ تسع.
السرد كان شائقاً، وشفّافاً دون استسهال أو تسطيح، ما يجعل القارئ يقهقه بينه وبين نفسه، وهو يقلب الصفحات، ويصطدم بحكايات “الرهوان”، الذي تارة يباغت الكاتب ويخاطبه بـ”العم” برغبته في تأسيس عصابة على أن يكون “محمد الأصغر” رئيسها، ويكشف في تارة أخرى عن حيازته “بطاقة جاسوس” يبرزها عند الحواجز العسكرية الإسرائيلية كي يعبر بسلاسة، وفي ثالثة رغبته في اقتناء مسدس أو بندقية سريعة الطلقات ليس ليصدّ بها اعتداءات المستوطنين التي طالته كثيراً خلال عمله بين الطرقات الفلسطينية المتخمة بعصابات “شبيبة التلال” الإرهابية وجنود جيش الاحتلال، وليس ليطلق الرصاص في الأعراس، بل ليحمي نفسه من حالة فوضى السلاح التي تغض سلطات الاحتلال الطرف عنها.
كما أن الحال لم يختلف عندما سئم “الرهوان” عمله، وطلب من “العم” باعتباره كاتباً معروفاً، التوسط له للعمل في فضائية ما، ليس مراسلاً ميدانياً كي لا يستشهد كما حصل مع شيرين أبو عاقلة، بل فناناً كوميدياً كدريد لحّام أو مقدّم برنامج كباسم يوسف، لتتواصل طلبات “الرهوان” المضحكة من فرط الوجع الفلسطيني، وبينها طلبه من “محمد الأصغر” كتابة رسالة رصينة إلى الرئيس الأميركي بايدن لمنحه البطاقة الخضراء، مع إمكانية التوجه إلى “ابنتنا” رشيدة طليب أو إلهان عمر للتوسط لديه، وكتابة رسالة أخرى إلى الرئيس التركي أردوغان لعله يستثمر “قدراته الخارقة” ويقبل أن يكون ضمن حاشيته مسؤولاً عن أمنه وأمن حرمه أمينة، دون تجاهل حادثة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي.
ولم تذهب الابتسامات بعيداً حين طلب “الرهوان” من “العم” مساعدته على الاختيار فيما يتعلق بجنسية عروسه المرتقبة: تونسية أو مصرية أو سودانية، قبل أن يجيبه بأن الاحتلال لن يسمح له بإدخال زوجته إذا ما كانت من جنسية عربية لترافقه العيش على أرض فلسطين، ليطلب منه لاحقاً “وصفة تحمي عروس المستقبل” من الشيخوخة وتجاعيد الوجه وابيضاض الشعر وسقوط الأسنان.
وما بين نافذة وأخرى يغيب “رهوان” لتظهر عائلة “محمد الأصغر” متسيّدة السرد: والده “منّان”، وزوجاته تتقدمهن والدته “وضحا”، وأشقاؤه: “محمد الكبير” اليساري خرّيج السجون والمعتقلات ومعه زوجته المسيحية المقدسية “مريم”، و”ع” و”فليحان” على كرسيه المتحرك ومعه زوجته “رسمية” التي اختطفها من خطيبها “سرحان”، وابن العائلة “قيس منّان” وزوجته “ليلى” وابنتهما المتبنّاة “قدس”، و”نفيسة” وطفلها اليتيم “قيس”، مع حضور عابر وليس بعابر لبعض الأصدقاء والمعارف كـ”إميل” الذي اضطر إلى إغلاق مقهاه بعد تلقّيه تهديدات من أصوليّين متطرفيّن لا يقرّون وجود مقهى في القدس ترتاده النساء مثلما يرتاده الرجال، وغيرهم.
وفي المتتاليات “غضب” و”مفاوضات” و”معجزة” من النافذة الثالثة، استخدم شقير تقنية سردية لافتة، بدأها بتعبير شقيقه “فليحان” عن غضبه بمصيرٍ دائم على كرسي متحرك جرّاء رصاصة من “سرحان” الغاضب، تسبّبت بتعطيل قدراته، ليطلب من “محمد الأصغر” التعديل في النص السردي، وجعله يمشي على قدميه مُجدداً، ومن ثم تبدأ المفاوضات فيما بينهما، حتى ينجح “فليحان” بإقناع الكاتب بما أراد، باعتبار أن “سرحان” مقاوم للاحتلال وأسير في سجونه، ولا يستقيم إقحام سلاح المقاومة في صراعات شخصية، وهنا يستحضر شقير أيضاً قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، خاصة عبر تعزيز فكرة تشبثهم بالحياة، ولو من داخل زنازينهم، من خلال الارتباط أو الإنجاب بالنطف المهربّة.
وكان لافتاً استعادة شقير في المجموعة الصادرة حديثاً عن دار طباق للنشر والتوزيع في رام الله، شخصيّات من سرديّات سابقة له، وخاصة ثلاثيّته الروائية: “فرس العائلة”، و”ظلال العائلة”، و”مديح لنساء العائلة”، كما استحضر شخصيّات شهيرة على نمط تلك التي كان وظفها ببراعة المتجدّد في وقت سابق كالمغنية الكولومبية لبنانية الأصول “شاكيرا”، ووزيرة الخارجية الأميركية السابقة “كونداليزا رايس”، وعارضة الأزياء “نعومي كامبل” وغيرهن، لتظهر عبر نوافذه هذه شخصيّات أخرى كـ”ماريّا زاخاروفا” الناطقة باسم الخارجية الروسية، “رغم انشغالها في الردّ على الدعايات المعادية لبلدها جرّاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا”، و”إيفانكا ترامب” التي تطلّ في النافذة الثامنة ويتناول فيها بجرأة كبيرة، وسخرية لاذعة، الواقع السياسي الفلسطيني في أكثر من زاوية، مدشناً ما فعل في افتتاحية كلّ نافذة بمقوله نسبت هذه المرّة إلى “حاكم مستبد”، جاء فيها: “دسّ السم في طعامنا هو هاجسنا الدائم”.
ولم تغب سيرة الكاتب الشخصية، عن نوافذه القصصية هذه، وتحديداً في النافذة الخامسة، التي تبدأ قصصها بحرف الجرّ “في”، فيتحدث عن الزنزانة، والاعتقال الإداري، والمنفى، والمساومة على السفر، وانقلاب الأوضاع، والمقهى، وذكرى الأب، وربوع الوطن، وتذكّر الأحفاد، والخشية من الابتعاد، وشرفة البيت.
ومن المقولات التي شكّلت عتبات للنوافذ التسع، مقولة دوستويفسكي: “القيام بخطوة جديدة هو أكثر ما يخشاه الناس”، ومقولة ماركيز: “الحياة (…) لا تكمن عظمتها إلا في أدبية ما نكتبه عنها”، ومقولة تشيخوف: “حياتي حزينة في يوميّاتي، لكنّي عرفت كيف أجد السعادة في أمكنة محايدة، منها الكتابة”، ومقولة علي بن أبي طالب: “الصبر صبران، صبر على ما تكره، وصبر على ما تحبّ”، ومقولة باولو كويلو: “قد تقصر الحياة وقد تطول، فكلّ شيء مرهون بالطريقة التي نحياها بها”، ومقولة أبو يزيد البسطامي: “سبحاني سبحاني ما أعظم شأني”، ومقولة (م.ش) التي تؤشر لصاحب المجموعة: “لنفتح نوافذنا على العالم لأنّ الانغلاق موت”، ومقولة شمس الدين التبريزي: “فليكن همّك السعي لا الوصول”.
ويمكن اعتبار “نوافذ للبوح والحنين” عابرة للتجنيس، فعلى الرغم من عنونتها كمجموعة قصصية، إلا أنها لم تخلُ من تقنيات السرد الروائي، كما تحضر فيها السيرة الذاتية بتقنيّاتها أيضاً، فيما تشكل الفنتازيا والسخرية السوداء مدخلاً يتجاوز البوح والحنين، لجهة التعبير عن وجع فلسطيني يتواصل، ليس فقط منذ خمسة وسبعين عاماً هي عمر النكبة، بل أبعد من ذلك بكثير، فالنكبات لا تزال تشكّل فعلاً مستمراً يفجعنا، ولكنّنا، وكما يقول شقير في السطور الأخيرة لنوافذه هذه: “لن نيأس أو تخور قوانا مهما واجهنا من معضلات”.
