تصاعدت خلال العقد الأخير التيارات القومية المتطرفة ويتسع الخطاب اليميني الشعبوي انتشارا بين دول العالم وخصوصا في أوروبا، فالنزعات والأفكار القومية المتطرفة التي تراجعت بعد هزيمة النازية والفاشية خلال الحرب العالمية الثانية عادت لتبرز من جديد، من خلال الأحزاب اليمينية والقومية التي أصبحت تحظى بتأييد متزايد، ما دعا الكثيرين من أصحاب الرأي لانتقاد “القومية غير الصحية” معتبرين أن النزعة القومية الخارجة عن السيطرة مليئة بالسم والخداع.
ورغم عدم وجود تعريف محدد لليمين المتطرف لكن السمة الغالبة التي تجمع بين أحزابه ومؤيديه هي الحديث باستمرار عن وجود تهديد عرقي أو ثقافي ضد قومية معينة (أصلية) من قبل مجموعات تعتبر دخيلة على المجتمع، مع ضرورة الحفاظ على الهوية القومية، ومن هنا يظهر معارضة أحزاب اليمين المتطرف للهجرة.
وتشترك جماعات اليمين المتطرف بالنزعة القومية التي ترقى للنظرة العنصرية للأقليات والثقافات الأخرى، حيث تعمل على تعزيز الشعور بأن بلدا أو شعبا هو أرقي من غيره، وأن اندماج ثقافات أخرى يمثل تهديد على الهوية الوطنية، وهذا ما يمثل خطابا شعبويا يستهدف شرائح واسعة من المجتمع الأوروبي والأمريكي. وتعتبر تلك الجماعات المتطرفة نفسها مدافعة عن الدين المسيحي تحت ذريعة الحفاظ على القيم المسيحية، وهذا ما يكون السبب وراء إثارة الصراعات مع الديانات الأخرى خصوصا تجاه المهاجرين المسلمين.
وقد تم استغلال الهجوم الإرهابي في سبتمبر 2001 للربط بين الإسلام والمسلمين والإرهاب، وزرعت الولايات المتحدة في تلك الفترة كل دوافع التطرف لدى المجموعات التي غضت عنها الطرف سابقا مثل القاعدة والإخوان المسلمين، وسنت مجموعة من القوانين العنصرية في مواجهة المسلمين والعرب، وفرضت مزيدا من التحكم على العالم بعد احتلاها أفغانستان والعراق، ومررت سياساتها الخبيثة حول العالم تحت ذريعة محاربة الإرهاب، التي غذت عبرها النزعات القومية وأبرزت أحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا. وفي هذا السياق ظهر مصطلح الاسلاموفوبيا.
في المقابل يرى الكثيرون أن مبادئ اليمين المتطرف تتعارض مع قيم التسامح المسيحية، وهذا ما دعا البابا فرانسيس في ديسمبر 2021 لإدانة الطريقة التي تتعامل بها أوروبا مع المهاجرين، ودعا إلى معالجة أسباب الهجرة مثل “الحروب المنسية” بدلا من معاقبة أولئك الذين يشعرون بآثارها.
من غير الأخلاقي أن تصبح النزعات القومية والمطالب العنصرية في صلب برامج الأحزاب السياسية المتنافسة على الحكم، وهو خطاب يستهوي الناخبين الوطنيين، ويستخدمه القادة والسياسيين لحشد الأنصار والمؤيدين، لذلك تسعى عديد من الحكومات لإقرار إجراءات ضد الجاليات المسلمة واللاجئين عموما.
وتبرز خطابات اليمين المتطرف ورسائله التي تنقلها وسائل الإعلام وبرامج التواصل الاجتماعي، والغريب أن العديد من وسائل الإعلام الدولية والرسمية أصبحت تتناول وتناقش مسألة تصاعد الحركات القومية المتطرفة ليس من منطلق مناقشة صوابها أو خطأها، وإنما من باب استقطاب الدعم والتأييد لتلك الأفكار المتطرفة والعنصرية، ومنها ما تبلور على شكل تشكيلات وميليشيات منظمة.
في الولايات المتحدة الأمريكية تحاول الجماعات القومية الدفاع عن فكرهم اليميني المتطرف وإيجاد الحجج لتبرير مواقفها التي يعتبرها الكثيرون نسف للمبادئ الأساسية “للديمقراطية الليبرالية” الغربية، لكن هذا الخطاب رغم قدمه إلا أنه تصاعد بشكل كبير مع بدء دونالد ترامب حملته الانتخابية ومن ثم فوزه برئاسة الولايات المتحدة عام 2016م حيث اصبح يعرف فيما بعد بمصطلح “الترمبية”، وتلقفته اغلب التنظيمات والأحزاب اليمينية سواء بأمريكا اللاتينية أو آسيا وصولا لأوروبا، ويرتكز على ركائز ثلاثة ” القومية، الدين، العرق “.
كذلك تم استخدام تلك الركائز الثلاث بخطابات اليمين المتطرف الأوكراني للحشد والقتال بالساحة الأوكرانية والمتمثلة بكتيبة “أزوف” ضد سكان شرق أوكرانيا بإقليم “الدونباس” الموالي لروسيا، ولا يتسع المقال لذكر الجرائم التي ارتكبتها تلك التشكيلات بحق السكان المدنيين العزل هناك والتي تعتبر جرائم ضد الإنسانية يعاقب عليها المجتمع الدولي، ليس هذا وحسب إنما أصبحت تلك الميليشيات والجماعات مدعومة من الولايات الأمريكية المتحدة وبريطانيا وتعطيها الغطاء المادي والمعنوي والعسكري وتستثمر بكياناتها وبأفرادها لتمرير مخططاتهم لإضعاف الخصم التقليدي “روسيا” بغض النظر عما اذا كانت تلك الدول تصنف تلك المجموعات علي أنها مجموعات إرهابية متطرفة، وهنا لا بد من الإجابة علي سؤال مهم.. لماذا الآن تحصل تلك المجموعات على الدعم المادي والإعلامي رغم أنها مجموعات صغيرة منتشرة بأوروبا ودول الغرب ولا تمثل الميول العام لسكان دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، مع علم دول الغرب بأن تنامي تلك التشكيلات لا يأتي إلا بمزيد من البلبلة والاضطرابات والجريمة، وهنا نجد أن دعم الغرب لتلك التشكيلات يأتي ضمن خطة لافتعال مزيد من الاضطراب وحرب عصابات تستهدف الأقليات الأخرى، كما تجدر الإشارة إلى أن الإرهابي المتطرف برينتون تارنت مرتكب مجزرة المسجدين بنيوزيلندا في التاسع من مارس/آذار 2019م كان أحد أعضاء حركة آزوف اليمينية.
إن تنامي الجماعات اليمينية والمتطرفة والنزعات القومية بين الشعوب بمختلف ثقافاتها ينتشر كالنار بالهشيم، ومما لا شك فيه أن منطقتنا العربية كان لها النصيب الأكبر بالعقد الفائت من تلك الخطابات التي أثارت الكثير من الفتن، وهو ما يستدعي انتباه الساسة والمفكرين والأدباء لمحاربة هذا الفكر المتطرف باعتبار أن مؤيديه ينفذون مشيئة الخالق في أرضه، وبذلك يحصلون على العفو والرضا من الرب.
