الرئيسية الاخبار الرهان الإسرائيلي الإستراتيجي على الأزمة الإنسانية في القطاع

الرهان الإسرائيلي الإستراتيجي على الأزمة الإنسانية في القطاع

بقلم: تسفي برئيل/ىرسم وزير الخارجية الأميركي، أنطوني بلينكن، في هذا الأسبوع الخطوط الأساسية للخطة الأميركية لفترة ما بعد الحرب. بعد اجتماع الـ “جي7” في طوكيو قال إن “الولايات المتحدة تعتقد أن المبادئ الأساسية يجب أن تتضمن عدم تهجير الفلسطينيين بالقوة من غزة، ليس الآن وليس بعد الحرب. لأن غزة لن تستخدم كقاعدة للإرهاب أو لهجمات عنيفة أخرى، وأنه لن يكون هناك إعادة احتلال لغزة بعد انتهاء الحرب (الصراع حسب تعبيره)، ولن تكون محاولة لفرض حصار على غزة، ولن يكون أي تقليص لمساحة القطاع. يجب علينا ايضا أن نضمن أن لا يكون تهديد إرهابي يخرج من الضفة الغربية”.
هذه فقط المرحلة الأولى من الخطة التي تم فيها تحديد مجال النشاطات الإسرائيلية الذي ستكون واشنطن مستعدة لتحمله. ليس فيه مطالبة بتخفيف نظاق العمل العسكري، لكنه يحدد اطار الاضرار الانسانية المسموحة الذي تم خرقه في السابق بشكل كامل. بلينكن يمكنه أن يعلن كما يريد بأنه لن يكون هناك تهجير للسكان اثناء الحرب أو بعدها، لكن التهجير يحدث الآن. وهناك تكملة، التي تهز القيادة في اسرائيل لأنها تكشف بكل الوضوح خطوط المواجهة المتوقعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
“يجب علينا العمل على الأسس المطلوبة من اجل التوصل الى سلام ثابت. وهذه يجب أن تشمل أصوات وتطلعات الفلسطينيين الذين سيقفون في مركز طبيعة الحكم الذي سيقوم بعد الحرب”، هذا تصريح غامض لا يمثل العملية التي فيها “ستسمع أصوات الفلسطينيين”، لكن على الفور تأتي الوصفة العملياتية – التي بحسبها هذه الخطوات “يجب أن تتضمن سلطة فلسطينية في غزة بحيث تكون موحدة مع الضفة الغربية تحت قيادة السلطة الفلسطينية، وهم يجب عليهم اقامة آلية قابلة للحياة لإعادة إعمار القطاع وقناة للإسرائيليين والفلسطينيين للتعايش الواحد بجانب الآخر في دولة خاصة بهم، مع وسائل متساوية من الأمن والحرية والفرص والكرامة”.
هذه الخطة متناقضة بشكل مطلق مع تصريح نتنياهو الذي بحسبه “ستكون لاسرائيل سيطرة امنية كاملة على غزة”، وبدون تقييد في الوقت. بلينكن، كما يبدو، ايضا لا يوافق على هذه الصيغة الضبابية والخالية من الأفق التي عرضها بني غانتس الذي قال في هذا الاسبوع في لقاء مع مراسلين اجانب بأنه “عندما تكون غزة آمنة فان المنطقة الشمالية ستكون آمنة. ويهودا والسامرة ستهدأ. ونحن سنجلس ونفحص آلية بديلة لغزة. أنا لا اعرف ما هي الآلية”. من الجيد أنه لم يطلب سلاما عالميا كشرط لمناقشة الخطة المستقبلية.
صحيح أنه ايضا في خطة بلينكن لا يوجد أي جدول زمني لتطبيقها. ولا يوجد أي تفصيل للآليات التي سيتم تطبيقها من اجل إجراء المفاوضات حول الخطة وحتى لا يوجد شرح عملي بشأن من الذي ستلقى عليه المسؤولية لإعادة إعمار القطاع. ولكن يوجد فيها سياسة أميركية حازمة ستلزم اسرائيل بمواجهتهم. اقوال بلينكن نشرت بعد ايام كثيرة نسي فيها كيف يبدو بيته وهو يقوم بجمع نقاط المسافر الدائم في رحلاته المكوكية بين العواصم العربية، بين الرياض وعمان، وبين القدس والقاهرة، وهي تعكس القاسم المشترك الذي توصل اليه بعد محادثات كثيرة، بالأساس مع الزعماء العرب، لكن أيضا مع نظرائه الأوروبيين. هذه هي الخطة التي يمكنها أن تحل محل كل الصيغ التي سبقت الحرب وفشلت، بما في ذلك مبادرة السلام العربية.
مقابل إسرائيل التي لا تطرح أي خطة فان الإدارة الأميركية تقول بشكل واضح، حتى لو كانت لا تقول ذلك بصراحة، بأنها تتبنى الصيغة التي عرضها محمود عباس عندما التقى مع بلينكن والتي بحسبها “السلطة الفلسطينية لن تتحمل المسؤولية عن غزة بدون حل سياسي شامل”. يصعب التفكير في فجوة سياسية اكبر بين الموقف الأميركي والموقف الفلسطيني والموقف الاسرائيلي، ليس فقط في مسألة الرؤيا المستقبلية. في الوقت الحالي لا يزال لا يوجد حتى اتفاق حول قضية توسيع نطاق المساعدات التي ستعبر من مصر الى القطاع. حسب منظومة القتال الإسرائيلية فان غزة مقسمة الآن الى قسمين، في الشمال تدور حرب كاملة ضد البنية التحتية لحماس، في حين أن الجنوب يعتبر “منطقة آمنة” لسكان غزة. هذا تقسيم مضلل. فالشمال اصبح منطقة تحت سيطرة كاملة لإسرائيل، في حين أنه في جنوب غزة يتشكل مخيم كبير للاجئين، الذي خلال فترة قصيرة عندما سيبدأ الشتاء، لن يكون مكانا مناسبا للسكن. ولا نريد التحدث عن الامراض وربما الأوبئة التي ستنتشر فيه. لا يوجد أي شيء آمن لن يكون فيه.
زيادة عدد الشاحنات التي يمكن أن تنقل الغذاء والأدوية لجنوب غزة، التي لا يوجد حتى الآن أي موافقة حولها، لا يمكنها حل الأزمة الإنسانية التي تتفشى في قسمي القطاع تحت مسؤولية إسرائيل. ولكن حتى لو افترضنا أنه لن تكون هناك أي قيود على نقل المساعدات وحتى الوقود الى جنوب القطاع، فإنه لن يكون هناك أي مناص من انشاء آليات محددة تتولى توزيع المساعدات واعداد الاطباء ونقل المرضى والجرحى الى مستشفيات خارج القطاع وتوفير المياه والكهرباء، في الوقت الذي فيه البنى التحتية في الجنوب غير معدة لاستيعاب مئات آلاف اللاجئين دفعة واحدة. لأن هذه الحرب يمكن أن تستمر لأشهر كثيرة وإعادة إعمار القطاع سيمتد لسنوات فانه ستكون هناك حاجة الى العثور على حل أيضا للخدمات المدنية الأخرى مثل التعليم وإخلاء القمامة والمواصلات وإدارة أموال المساعدات، هذا اذا وصلت. هذه الآليات، التي هي نوع من الإدارة المدنية المؤقتة، ستعتمد على موظفين بعضهم بالتأكيد عملوا تحت إدارة حماس والآن كثيرون منهم هربوا من مدينة غزة ويوجدون في جنوب القطاع.
هناك شك اذا كانت السلطة الفلسطينية ستوافق على تحمل المسؤولية، حتى في المرحلة المؤقتة، عن ادارة جنوب القطاع لصالح اسرائيل. النموذج الاقرب للازمة الانسانية المتوقعة في جنوب القطاع يوجد في سورية، التي فيها الملايين من المهجرين اضطروا الى ترك بيوتهم والعيش في خيام واكواخ ومبان مهجورة وسيارات، الى أن أقامت حركات التمرد، منها منظمات تعتبر منظمات إرهابية، مجالس محلية التي مع جمعيات إغاثة محلية ودولية بدأت في توفير الخدمات المدنية. مرت 12 سنة على اندلاع الحرب في سورية والأزمة الإنسانية في مناطق المهجرين ما زالت صارخة، وصندوق منظمات الاغاثة فارغ وانتقال قوافل المساعدات مرهون بحسن نية النظام والدول المتورطة في الحرب مثل تركيا وروسيا.
لكن مقابل الحلول الجزئية التي توجد لمهجري سورية، مثل الانتقال الى لبنان أو تركيا أو الاردن أو العراق، ومؤخرا امكانية العودة الى بيوتهم في سورية، فانه للاجئي غزة لا يوجد مثل هذه الخيارات. مصر، العنوان الفعلي الوحيد لاستيعابهم، أوضحت بشكل قاطع بأنها لن تستوعب أي لاجئين من غزة. ولا توجد أي دولة عربية أو غربية عرضت فتح أبوابها أمامهم، مثلما فعلوا مع اللاجئين السوريين. حتى قبل الحرب بقيت في غزة مناطق كاملة لم تحظ بإعادة الإعمار بعد الدمار الكبير الذي تعرضت له في عمليات سابقة. فقط في هذه السنة بدأت مصر في تشغيل طواقم بناء وشق طرق في مناطق معينة في القطاع. بعد الدمار العظيم الذي حدث في شمال القطاع في هذه الحرب ستمر سنوات كثيرة الى أن يتمكن المهجرون من العودة الى بيوتهم. هذه ارض خصبة لتطور عصابات محلية، “لجان شعبية”، التي ستعمل في ظل غياب الشرطة وقوات الأمن المحلية. وفي الوقت الذي سيكون فيه الجيش الإسرائيلي مشغولا بتطهير شمال القطاع من قواعد حماس فان جنوب القطاع، “الملجأ الآمن”، سيتحول الى منطقة مشاع.
يكفي فحص الواقع الذي تطور في مخيم جنين للاجئين أو في مخيمات اللاجئين التي فيها لم تتجرأ السلطة الفلسطينية على العمل، من اجل فهم ما الذي نتوقع حدوثه في جنوب القطاع. “الانجاز” الاستراتيجي الذي يكمن في احتلال شمال القطاع يمكن أن يعمل كمنظومة أدوات مستطرقة، التي فيها الأمن في شمال القطاع سيزيد عدم الأمن والتهديد الذي سيتطور في جنوب القطاع.

أداة ضغط
“خطة المراحل” التي يطرحها بلينكن، والتي تميز بين الأزمة الإنسانية التي تحتاج الى علاج فوري وملموس، وبين الحل السياسي بعيد المدى، يمكن أن تتضخم الازمة في القطاع اذا لم تسرع في المقابل الى نقل السيطرة في غزة الى السلطة الفلسطينية. في هذه الأثناء قضية المساعدات الإنسانية وربطها بإطلاق سراح المخطوفين تتحول الى محور الخلاف الرئيس بين أميركا وإسرائيل بصورة ستهدد بالخطر أي احتمالية من اجل التوصل الى المرحلة السياسية في الخطة، التي بدونها لا توجد امكانية لنقل المسؤولية المدنية في غزة الى السلطة الفلسطينية. ولكن بالذات في هذه العملية ترى اسرائيل تهديدا. معنى أن السلطة الفلسطينية ستحكم في غزة وفي الضفة ويتم الاعتراف بها كممثل حصري للشعب الفلسطيني ومخولة باتخاذ القرار حول مستقبلها، هذا هو جوهر الحلم الأميركي الذي منعت إسرائيل تحقيقه حتى الآن “بفضل” وجود حماس التي عملت ككابح أمام رؤية وحدة فلسطين وقوضت مكانة السلطة كممثل حصري للفلسطينيين.
مكان حماس كعامل استخدم حق الفيتو الفلسطيني على كل عملية سياسية، وهكذا سمح لاسرائيل بالتهرب من الحاجة الى التعامل معها، بدأت تحتله الآن الازمة الانسانية التي تتطور لتصبح قضية استراتيجية وسياسية. حسب رؤية اسرائيل فان الازمة الانسانية هي جزء من ترسانة السلاح التي توجد في يدها، وهي تستخدمها ليس فقط كورقة مساومة في المفاوضات على إطلاق سراح المخطوفين، بل دورها أن تنقش في وعي الفلسطينيين عقاب جهنم الذي ينتظر كل من يتجرأ من الآن فصاعدا على تحدي إسرائيل. هذا استمرارية للرؤية الاستراتيجية المتجذرة والتي بحسبها فان المعاناة الإنسانية يمكن أن تعطي مكاسب أمنية، التي رسخت الحصار على غزة كواقع لا يوجد له بديل.
من غير المهم أبدا أن الحصار الذي استمر 17 سنة لم يمنع هجمات على اسرائيل وعمليات عسكرية، وبالطبع الحرب الحالية. يمكن التقدير بثقة كبيرة أنه حتى لو تم اجتثاث حماس فان اسرائيل لن تتنازل عن الحصار، لأنه حتى لو لم يمنحها الأمن، إلا أنه يعطيها السيطرة على الحياة في القطاع.
الأكثر أهمية هو أن الأزمة الإنسانية في غزة توفر الآن لإسرائيل أدوات ضغط سياسية، التي تشمل ضمن امور أخرى، المقابل الذي يمكن أن تحصل عليه من مصر مثل ربط طريقة تشغيل معبر رفح في المستقبل، حتى بعد الحرب. وتحسين علاقتها مع الأردن مقابل التسهيلات في غزة، من شأنها أن تقلل الضغط الداخلي على الملك. وفوق كل ذلك جعل السعي الأميركي من اجل حل الدولتين أن يصبح عقيما. أيضاً هنا يمكن لنموذج سورية أن يستخدم كمصدر للمحاكاة. بعد فترة فيها كانت الولايات المتحدة مشاركة في صياغة قرارات الأمم المتحدة التي وضعت الشروط لاتفاق مستقبلي في سورية، فقد ابتعدت عن كل معالجة للازمة السياسية، ومنذ ذلك الحين ركزت على استمرار محاربة داعش وضمان المساعدة للمهجرين السوريين. الفصل الذي تفعله خارطة الطريق لبلينكن بين القضية الإنسانية والحل السياسي، أولا مساعدات إنسانية وفقط بعد انتهاء العملية العسكرية سيأتي دور الحوار السياسي، وكأن العمليتين لا يمكن أن تجريا بشكل متواز، من شأنه أن يقود الى نتيجة مشابهة.

عن هآرتس”

Exit mobile version