الرئيسية زوايا ثقافة وادب “إلى أين أيتها القصيدة؟”.. سيرة ذاتية معجونة بالشعر لعلي جعفر العلّاق

“إلى أين أيتها القصيدة؟”.. سيرة ذاتية معجونة بالشعر لعلي جعفر العلّاق

الايام – يوسف الشايب:قد يبدو غريباً أن يبدأ شاعر سيرته بحكاية عن الحجّاج بن يوسف الثقفي، الذي حدّق بالجند المتخلفين عن الالتحاق بجيش الفتح، وقد جلبتهم شرطة إلى فناء الجامع، فرأى حقلاً من الرؤوس، يانعاً وفي لحظة قطافه تماماً، وما إن أطلق وعيده المرعب حتى عمّ الصمت في أرجاء المكان، فمنذ تلك اللحظة، تشققت قيعان “واسط”، واختلطت حجارة أسوارها بالدم.
لكن هذا ما كان في السيرة الذاتية للشاعر العراقي علي جعفر العلّاق، الموسومة بـ”إلى أين أيتها القصيدة؟”، الصادرة عن “الآن ناشرون وموزعون” في العاصمة الأردنية عمّان.
ومن حكاية الثقفي يتحدث العلّاق عن “واسط والحجّاج وأخيلة الطفولة”، مشيراً إلى أن تأسيس مدينة “واسط” القديمة، لم يقترن بتفتّح الحياة واتساعها كما يبدو، بل كان العكس هو الصحيح ربّما، فمنذ صراخ الفارّين من الحجّاج المتعالي، خوفاً منه، أو الفارّين إليه استجارة به، أخذ الطغاة يتكاثرون كالكمأة، غير أن ملامحهم كانت تتغيّر دوماً، ويصير لكلّ منهم ضحاياه التي لا تعد، ودوافعه التي لا تُحصى، وهو بذلك يختصر حكاية العراق المُبتلى بالطغاة على مدار الزمان.
ورغم ذلك لطالما سكنته قريته التي هي عبارة عن مجموعة من الأكواخ الطينيّة، والحقول الممتدة، والقلوب البيضاء، ولا تفصلها عن نهر دجلة إلا مسافة لا تتجاوز الكيلومترين أو الثقافة، بحيث كانت ثمة رابطة خاصة منذ طفولته تشدّه إلى الماء، قوّة خفية خارجة عن إدراكه، تقبع ربّما في ظلمة اللاوعي، فللماء لديه وفي قصائده دلالات: معجزة الخلق، والغموض، والحريّة، وقهر النهايات، وتوق الجسد وعجزه، وجبروت المخيّلة، والطبيعة وسحرها المترامي.
والكتاب السيريّ، ينتمي دون مواربة إلى حقل الإبداع الأدبي، حيث اللغة الشاعرية، والسرد الأقرب إلى قصص قصيرة تطول أحياناً لتشكل تكويناً يلامس الرواية في تكوينه الكلّي، وإن كان لا يخرج عن إطاره كسيرة ذاتية، لكنها مُغايرة شكلاً ومضموناً، حيث تحطيم تلك التصنيفات الضيّقة للعمل الإبداعي.
“ما أجمل مخيّلة الطفولة، وما ألذّ تصوّراتها الشرسة والمُحبّبة في آن.. إن لها قدرة هائلة على أن تجعل للتراب رائحة الحليب، وللأفاعي قلوباً تعشق بحنان بالغ.. خرافات، وحكايات كثيرة كانت تهبّ على عقولنا فتدفعنا أمامها في دروب القرية، لنمارس لهونا العجيب، أو نلتصق، أكثر فأكثر، بسحر الخرافة وأجوائها العذبة”.
وفي “سرديّات الفرح والفجيعة” يعود العلّاق إلى “واسط” مستذكراً زيارته لقريته فيها، بعد طول غياب.. “لم يكن معي يومذاك، في السيارة، غير أسرتي الصغيرة، وكان يملؤني إحساس لذيذ بكل ما حولي: ها أنذا أعود إليك ثانية أيتها الطفولة! هكذا كانت أحاسيسي متزاحمة، جيّاشة.. لم أكن أقود سيارتي على طرق أرضيّة، من حجر أو تراب، بل كانت تندفع بنا، أو بي على الأصحّ، مأخوذة بنداءات غامضة كانت تهبّ علينا من كلّ صوب”.
ويستعيد الشاعر العراقي في “إلى أين أيتها القصيدة”، حياة ماضية، عاشها بكل مراحلها العمرية، والدراسية والمهنية، بما فيها من تنوع في مجال الكتابة الشعرية والأدبية والنقدية والأكاديمية، منذ طفولته في قرية نائية بمحافظة “واسط” العراقية، اتسمت حياتها بالفقر والبساطة، مروراً بهجرته وعائلته إلى بغداد في أوائل الخمسينيات، حتى أيامنا هذه، في رحلة حافلة بالقلق والتحديات كما الإبداع.
تحدّث العلّاق في فصول سيرته الذاتية عن حكايات الشيخ وأبنائه منظمي فعالية العاشر من محرم كل عام تمثيلاً لواقعة كربلاء، وعن تواجد الغجر الموسمي المثير للبهجة، حيث ينبري الرجال للعزف بينما تندفع النساء في الغناء والرقص ومعابثة الرجال بأكثر الحركات إثارة، وحضور والده طويل القامة عفيف اللسان والذي لا يغضب إلا نادراً، ويقرأ ويكتب، ويتحدث بوقار، وهو حضور شديد وطاغٍ واقعياً وسرديّاً.
و”حيث الباصات الحمراء ذوات الطابقين” انتقل السرد السيريّ إلى بغداد التي سبق العلّاق عائلته إليها بعام، قبل أن يعود ليرافقهم إليها بعد أن قرّروا ترك قريتهم إلى الأبد.. “كان الباص الخشبي يئنّ وسط ليل طوله 180 كم، يمتد بين الكوت وبغداد، وكنّا نسمع ارتطام السيّارة بالظلام والحفر والمخاوف.. سيّارة وأسرة صغيرة: أسرة من الأحلام، ومن الندم ربّما (…) وحين دخلنا منطقة المدائن، وهي ضاحية فقيرة من ضواحي بغداد، كانت تسمى (سلمان باك)، وجدنا الفجر في انتظارنا بقدمين حافيتين وثياب مشققة”.
ولم يغفل الشاعر الحديث عن بغداد في خمسينيات القرن الماضي، والتي وصفها بأنها “كانت مفتوحة على الجهات كلها”، مُستذكراً نصب الحريّة للفنان جواد سليم، وهو جداريّة هائلة خلّدت نضال العراقيّين من أجل حريّتهم.
وبدأ العلّاق سرد حكايته مع الشعر من الفصل الموسوم بـ “لحظة اكتشفت أن القصيدة من صنع البشر”، فـ “رائحة الكتب الأولى”، وكان فيهما حديث كثير عن المدرسة وعن رحلة مع القراءة واقتناء الكتب، وما خلفه ذلك من معضلات لاحقة.. “بعد انتهاء عملي في جامعة الإمارات، واجهت أكثر الأوقات حرجاً، كانت الكتب، على الرفوف، تنتظر مصيراً مجهولاً.. كم منيت النفس بوريث يستحقها: تجد بين يديه كرامتها، وتستعيد بين شفتيه شبابها، وهو يرتفع ببعض مقاطعها إلى مستوى الصلاة أو الابتهال.. كانت ابنتاي وصال وخيال، على درجة عالية من الافتتان بالشعر، وكانتا تتوقان، لولا ظروفهما المعقدة إلى وراثة مكتبتي.. وهكذا، كانت بداية التبرع بمعظم كتبي لجامعات عديدة، كان أولها جامعة الإمارات العربية بطبيعة الحال، وفي بغداد أخذ التبرع جزءاً مهماً من مكتبتي هناك، وكانت الحصة الأكبر لمكتبة جامعة الموصل التي تعرضت لتخريبٍ كان جزءاً من خراب شامل عمّ المدينة كلّها”، لافتاً إلى أنه مرّت على مكتبته حروب كثيرة وحصارات لا حصر لها.
وكان سرداً جميلاً في “فوضى البدايات”، مستذكراً معلمه “مالك”، والفنان وديع خوندة صاحب الاسم الفني سمير بغدادي، والذي سخر من طلب العلّاق أن يلحن له نصّاً غنائياً للفنانة مائدة نزهت، حين كان العلّاق في الصف السادس، ليعود خوندة بعد سنوات طويلة للحديث معه، بعد أن بات للعلّاق قرار في مصير النصوص المتقدمة إلى قسم الموسيقى في الإذاعة والتلفزيون العراقيّين، لتجد قصائده المكتوبة بالفصحى طريقها إلى ملحنين عدّة من قبيل: كوكب حمزة، وطالب الرغولي، وكمال السيد، وحسين السماوي، وسالم حسين، وعلي سالم، وفي مرحلة لاحقة كان ثمة تعاون مع سعدون جابر، ورياض أحمد، وسعد الحديثي، وعريان السيد خلف، ورياض النعماني، وصولاً إلى رياض أحمد، وكاظم الساهر.
وحفلت سيرة “إلى أين أيتها القصيدة؟” بالكثير من الأحداث الإنسانية والثقافية والشعرية، كما جسدت موقف الشاعر من هذه الأحداث التي عايشها، أو تفاعل معها، أو كان طرفاً فيها.
وتفاوتت تلك الأحداث حدّة أو شمولاً، من سنوات الطفولة في القرية، إلى معايشة التحولات الاجتماعية الكبرى في بغداد، ومن بدايات التعامل مع موهبة الكتابة والعمل في الصحافة الأدبية، إلى السفر لبريطانيا لدراسة الدكتوراه، ومنها إلى حربين مدمرتين عصفتا بالعراق وهجّرتا أبناءه، بين المنافي.
وما كانت ذاكرة العلّاق لتتجاهل جبرا إبراهيم جبرا، الذي وصف تعرّفه عليه بحدث غير عادي، بل نافذة تطلّ على أحلام كثيرة، بعد أن أثارت انتباهه قصيدة العلّاق في مجلة “العاملون في النفط” وكان نشرها له جبرا، الذي وصفه صاحب السيرة بصاحب الشخصية الآسرة، مؤكداً أنه شجعه كثيراً، و”كانت كتاباته النقدية والروائية وترجماته عن الإنكليزية، ولا تزال، تحتل في نفسي مكانة خاصّة”، فكانت قصيدته الأولى نشرت بدعم من جبرا رئيس تحرير المجلة، في خريف 1964، كما كان للعلّاق حديث عن اكتشافه لعالم أدونيس الشعري في منتصف ستينيّات القرن الماضي.
وعن “الديوان الأول” يسرد العلّاق حكاية لا يمكن القفز فوقها، قائلاً: أخبرني الصديق الروائي إسماعيل فهد إسماعيل، وكان في زيارة قصيرة لبغداد العام 1971 على ما أذكر، أنه سيذهب إلى بيروت بعد أسبوع.. كان لديّ مجموعة من القصائد المنشورة في عدد من الجرائد والمجلات العراقية، كتبتها في الفترة ما بين 1969 و1971، وكنت قد جمعتها، مع زكية عزيزة عليّ.. تأخرت المجموعة عند دار العودة أكثر من سنتين تقريباً، قبل أن تظهر العام 1973 في طبعة تفتقر إلى الدقة، حيث لم تذكر دار النشر اسم الفنان ضياء العزاوي رسّاماً للوحة الغلاف، ولا الشاعر صادق الصانع مصمّماً للغلاف.
ومنذ العام 1991 تبدأ مرحلة الغربة الطويلة في حياة الشاعر، حيث التدريس ستّ سنوات في جامعة صنعاء، ثم في جامعة الإمارات في الفترة ما بين 1997و2015، وهي مسيرة حياتيّة شهدت غزارة شعرية ونقدية لافتة، خلال عمله في التدريس الجامعي، وحضوراً فاعلاً كناشط في الحياة الثقافية في صنعاء أولاً، ثم في المشهد الثقافيّ والشعريّ، في الإمارات، ولا يزال.
ويشكل “إلى أين أيتها القصيدة؟” ككتاب، أو تشكل كسيرة ذاتية، إضافة نوعية إلى جنس السيرة الذاتية العربية، وبخاصة أنّه سيرة لتجربة شعرية نلمس فيها طبيعة العلاقة بين الشاعر وقصيدته، فضلاً عن التفاعل مع الواقع الثقافي العراقي والعربي على امتداد نصف قرن، ما يعكس رؤية فكرية واضحة لشاعر يقدّم تجربة جديدة منفتحة على الآخر، فيما يشهد مراوحة ما بين اليومي والشعري، تنسجم وتقنيات فن السيرة بين دفتي كتاب يضم نصوصاً شعرية للعلّاق وغيره من الشعراء، تسهم في بناء عمل متميز وذي طبيعة متفردة.

Exit mobile version