الرئيسية زوايا أقلام واراء إلى متى سيبقى سموتريتش حاكماً فعلياً للضفة؟ الكاتب: مهند عبد الحميد

إلى متى سيبقى سموتريتش حاكماً فعلياً للضفة؟ الكاتب: مهند عبد الحميد

لا يحتاج سموتريتش إلى التكتم أو إخفاء خططه وقراراته وأهدافه ليصار إلى اكتشافها عبر تسجيل حصلت عليه «السلام الآن» أو صحيفة «نيويورك تايمز» عن قرارات وتوجهات مؤتمر «الصهيونية الدينية»، فالرجل واضح وصريح، في تحقيق هدف ضم الضفة الغربية لدولة الاحتلال، عبر الغزو الاستيطاني المتصاعد للأراضي الفلسطينية المحتلة، والذي يتركز الآن في الاستيطان الرعوي وفي نشر63 بؤرة استيطانية، ستتحول خلال فترة زمنية محددة إلى مستوطنات رسمية. والإعلان عن 15 ألف دونم كأراضي دولة، بالإضافة إلى 10 آلاف دونم تم الإعلان عنها بالفعل ووضعها في تصرف الاستيطان. اغرب مشروع قرار يعتزم سموتريتش تقديمه، هو إقامة مستوطنة جديدة في الضفة الغربية مقابل كل دولة تعترف بفلسطين. يذكرنا هذا الموقف بعجرفة وصلف المستعمرين وذرائعهم المجنونة. الاستيطان يترافق مع تطهير عرقي للمواطنين الفلسطينيين أو الطرد المنهجي للفلسطينيين من ما يسمى مناطق «ج» 60% من أراضي الضفة، ومن استعادة السيطرة المدنية في مناطق «ب» التي كانت ضمن صلاحيات السلطة الفلسطينية، مع ضم للضفة دون إعلان أو ترسيم ذلك.
الإجراء النوعي الذي اتخذه سموتريتش هو نقل صلاحيات الحكم العسكري والجيش وإدارته المدنية في الضفة الغربية إلى الحكومة الإسرائيلية من وزارات وموظفين وشرطة وقوانين سارية داخل إسرائيل. وهذا يعني أن الأراضي الفلسطينية ليست محتلة ولا تخضع لسلطة جيش الاحتلال بل تخضع للحكومة وقراراتها وإداراتها وقوانينها. ولا شك في أن ضم الضفة الغربية يرتبط أوثق ارتباط بتحطيم مقومات إقامة دولة فلسطينية، وإسقاط السلطة الفلسطينية كما يقول أصحاب رؤية الضم. وكان سموتريتش من المبادرين إلى اتخاذ إجراءات ضد السلطة والكيان الفلسطيني، كإجراء اقتطاع أموال المقاصة – الضرائب الفلسطينية –، كانت الخطوة الأولى اقتطاع الأموال التي تذهب إلى أسر الشهداء والجرحى والأسرى في السجون الإسرائيلية في مسعى محموم لنزع الشرعية عن التحرر الفلسطيني وتقديمه كإرهاب ينبغي حظره والمحاسبة لكل من يتعاطى معه. والخطوة الثانية: اقتطاع الأموال المخصصة لقطاع غزة أثناء العدوان، وذلك لتكريس فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية بحجب الأموال المخصصة لأجهزة الصحة والتعليم والشؤون الاجتماعية في القطاع الذي يتعرض لحرب إبادة. والخطوة الثالثة اقتطاع أموال من المقاصة وتحويلها إلى أسر القتلى الإسرائيليين الذين سقطوا في عمليات للمقاومة الفلسطينية من باب التعويض. ثم جاء دور البنوك الفلسطينية التي ينوي سموتريتش الامتناع عن تجديد الاتفاق بينها وبين بنوك إسرائيلية. هذا الإجراء في حالة تنفيذه له مدلول خطير على الاقتصاد الفلسطيني برمته. لم يكتف سموتريتش بتقييد وإخضاع وفرض علاقات تبعية على الاقتصاد الفلسطيني، ما يهمه الذهاب إلى أبعد من ذلك، بقطع الطريق على نمو كيان فلسطيني قابل للتطور.
خطط الضم والتهجير والمحو والنهب والقرصنة وإضافة مليون مستوطن في أراضي الضفة وتحطيم مقومات كيان ودولة فلسطينية، وإعادة بناء السيطرة على قطاع غزة،  سياسة لا تخص سموتريتش وبن غفير والكهانية الجديدة، لا تخص 12 وزيرا و15 عضو كنيست ومجلس المستوطنات في الضفة الغربية، لا تخص المتطرفين  والمتعصبين اليهود، بل تعبر عن موقف الحكومة الإسرائيلية ورئيسها بنيامين نتنياهو الذي اكد سموتريتش تأييده ودعمه لخطواته وإجراءاته، وتخص المؤسسة العسكرية ووزير حربها غالانت الذي يدعم الإجراءات فيما يتعلق بالاستيطان. المعارضة التي يتزعمها غانتس لا تميز نفسها بموقف مختلف في الشأن الفلسطيني. وعندما تحظى مواقف سموتريتش والحكومة بدعم شعبي إسرائيلي يصبح الخطر أكبر وأشد. لم تشهد دولة الاحتلال طوال تاريخها انقسامات بمثل ما تشهده، اليوم، يختلفون على طبيعة الدولة وعلى القضاء والخدمة العسكرية، وشكل الحكم، لكنهم يتفقون ضد الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، كان ذلك قبل 7 أكتوبر عندما اتفقوا على إدارة الصراع مع الشعب الفلسطيني والعمل على خفضه والتعايش معه باعتباره صراعا غير قابل للحل إلا بالخضوع الفلسطيني التام للشروط الإسرائيلية. لكن التنكر والعداء الإسرائيلي للحقوق الفلسطينية تجذر بعد 7 أكتوبر. وثيقة الأربعة بعنوان: «نحو غزة أخرى» قدمها قانوني، وخبير عسكري، ومؤرخ، وإعلامي، ونشرت في صحيفة «يديعوت أحرونوت».  انطلق أصحاب الوثيقة من سؤال من ينبغي أن يشعر بأنه مهزوم هل هي «حماس» أم الفلسطيني العادي؟ أجابوا، الذي يجب أن يشعر بأنه مهزوم هو الفلسطيني العادي. أما النقاط الأساسية في الوثيقة فهي: 1- وضع آلية ناجحة لمعالجة الأزمة الإنسانية 2- نزع التطرف عن التعليم والثقافة 3- بناء بنى تحتية مؤسساتية 4- تنمية زعامة بديلة وخلق شرعية دينية لتحويل غزة 5- ترميم وإعادة بناء النظام الاجتماعي في القطاع. يمكن تلخيص الوثيقة بإعادة احتلال أسوأ من المراحل السابقة من زاوية التحكم بقضايا المجتمع وتحديدا الثقافة والتعليم.
ما يحدث من حرب إبادة وتدمير وتجويع في قطاع غزة، وحرب تصفية المقاومين والمحتجين وضم و»ترانسفير» داخلي في الضفة الغربية وتفكيك الكيان الفلسطيني لا يحظى برد أو احتجاج عربي ودولي في الوقت الذي يتعالى فيه الصوت الداعي إلى إقامة دولة فلسطينية. كيف يستقيم الكلام عن دولة في الوقت الذي يجري فيه تدمير مقوماتها على الأرض، وتدمير المجتمع في غزة بمعدلات ووتائر سريعة وغير مسبوقة. يتحدث بايدن وبلينكن عن معاقبة ما يقل عن اربعة مستوطنين متهمين بارتكاب جرائم الحرب، لكنهم يغضون النظر عن سموتريتش ومن لف لفه من وزراء وأعضاء كنيست وجنرالات ممن دعوا إلى محو حوارة وغزة ورفح وخان يونس، بل لقد ثارت ثائرتهم ضد رئيس المحكمة الجنائية الدولية الذي طالب المحكمة بإصدار مذكرة توقيف بحق نتنياهو وغالانت بتهمة المسؤولية عن ارتكاب جرائم حرب بحق المدنيين الفلسطينيين. يتحدثون عن حل الدولة الفلسطينية، لكنهم غير قادرين على حماية الشاحنات المحملة  بالغذاء والدواء المتجهة إلى قطاع غزة. وغير قادرين على وقف إطلاق النار، ووقف قرصنة المقاصة ونقل الأطفال الجرحى للعلاج في الخارج. وتأمين عمل المستشفيات والمنظمات الإنسانية.
إن التناقض بين وعد الدولة من جهة، والعجز أو الاستنكاف عن تلبية ما هو أقل من ذلك بكثير من جهة أخرى، يحتمل تفسيرا واحدا هو إعادة تصدير الوهم واستخدام الدولة كملهاة أو كغطاء لمشاريع أخرى. لقد قدمت إدارة بوش الابن وعدا مبرمجا بمدى زمني لإقامة دولة فلسطينية تحت يافطة خارطة الطريق، لكن وعد بوش كانت له وظيفة أخرى هي التغطية على غزو العراق وإقصاء عرفات من المعادلة. بقي القول، لا يعقل أن الحالة الفلسطينية التي تتعرض لإملاءات وتدخلات لا تبادر إلى فعل شيء مدروس، أن لا تحاول الخروج من هذه الحالة المزرية! فكيف السبيل إلى ذلك؟

Exit mobile version