بقلم: عاموس هرئيل/ حتى دون إعلان رسمي حالياً فقد انتقلت إسرائيل و”حزب الله”، أول من أمس، عملياً إلى مرحلة الحرب الشاملة، وهذا الإقرار سيبقى صحيحاً حتى لو لم نرَ جنوداً إسرائيليين يخترقون الحدود إلى لبنان، وحتى لو لم ينفذ “حزب الله” تهديده بعد بقصف تل أبيب ووسط البلاد. وقد ظهر التحول المركزي في الوضع بوضوح مع موجة القصف الأوسع التي نفذها سلاح الجو منذ ساعات صباح أول من أمس.
وأشارت الأنباء من لبنان إلى سقوط 500 قتيل، والمئات من المصابين، بالإضافة إلى عدد كبير من مخازن القذائف والصواريخ التابعة لـ”حزب الله” التي تم تدميرها في القصف.
لا يستطيع “حزب الله” احتواء هذه الأعداد، وخصوصاً أن عدداً كبيراً من القتلى مدنيون، كما أن سلاح الجو قصف بيروت في محاولة لاغتيال مسؤول كبير آخر، قائد الجبهة الجنوبية علي كركي. وحتى الآن، رد “حزب الله” بقصف محيط حيفا، وبعدها المدينة ذاتها، ووادي عارة، ومستوطنات في الضفة. وهناك كثيرون في الجانب الإسرائيلي يتمنون ذلك، ويعتقدون أنها ستكون فرصة لهزيمته.
وفي الخلاصة؛ دخلنا المسار السريع للحرب، حتى لو لم يقولوا لنا ذلك رسمياً.
بموازاة القصف في ساعات الصباح أعلن المتحدث الرسمي باسم الجيش، دانييل هغاري، أن سلاح الجو يقصف أهدافاً عسكرية نشرها “حزب الله” داخل القرى في جنوب لبنان، وطالب السكان الذين يعيشون فيها بالإخلاء. وخلال ساعات الظهر أرسل هغاري تحذيراً شبيهاً إلى سكان البقاع. إن المستهدف هو مشروع بدأ به “حزب الله” قبل حرب لبنان الثانية سنة 2006 (وتلقّى ضربة أولى حينها)، حين نشر صواريخ متوسطة وبعيدة المدى، وبعضها دقيق، ووضع المخزون الاستراتيجي المهم لدى “حزب الله” في القرى، وأيضاً في مناطق من لبنان.
وهذه المنصات والصواريخ نُصبت على شرفات وفي مخازن منازل، وتم تجهيزها لإمكان إطلاقها، وقد جمعت الاستخبارات الإسرائيلية معلومات عنها بكثافة، ويبدو أنه منذ ساعات صباح أول من أمس كان يتم استهدافها.
وقال وزير الدفاع، يوآف غالانت، إنه تم تدمير عشرات الآلاف من القذائف والصواريخ الدقيقة.
كما قامت أصوات الانفجارات وتحذيرات هغاري بدورها، فخلال ساعات الظهيرة كانت هناك حركة نزوح جماعية لسكان من جنوب لبنان والبقاع إلى منطقة بيروت.
وفي الطريق الرئيس من صور إلى بيروت انتشرت المركبات على المسالك الستة، ومنها المسالك المتجهة جنوباً. وقد جاءت موجة القصف العنيفة، التي لم يشهدها لبنان منذ الحرب السابقة قبل 18 عاماً، استمرارية لأحداث الأسبوع الماضي: ضربة البيجر الذي انفجر، وضربة أجهزة الاتصال، ثم اغتيال المسؤول الكبير في “حزب الله”، إبراهيم عقيل، ومعه 15 من ضباط قوة نخبة “الرضوان” في بيروت.
إن زيادة الضغط العسكري الإسرائيلي يزيد من معضلة أمين عام “حزب الله”، حسن نصر الله.
وتصرح إسرائيل بأنها تريد فك الارتباط بين الجبهة اللبنانية وما يحدث في قطاع غزة، وتريد دفع نصر الله إلى وقف إطلاق النار دون أن تكون لهذا علاقة بما يحدث في مواجهتها مع “حماس”، كما أنها معنية بإبعاد رجال “حزب الله” إلى شمال نهر الليطاني، وضرب القدرات العسكرية التي راكمها “حزب الله” خلال الأعوام العشرين الماضية، وعلى رأسها قدرة إطلاق الصواريخ.
خلال خطابه، الأسبوع الماضي، قال نصر الله إنه لا ينوي وقف إطلاق النار على طول الحدود. إلاّ إن الوضع مختلف، الآن، ويجب عليه أن يقرر إذا ما كان سيستعمل ترسانة السلاح التي لديه، ويطلق الصواريخ أيضاً على وسط إسرائيل أم لا.
وكتب مايكل يانغ، المحلل من مركز كارنيغي في بيروت، أن إسرائيل تريد أن تدفع السكان في جنوب لبنان والبقاع إلى ترك المنطقة، وبحسبه فإن “حزب الله” اعتقد بالخطأ أن إطلاق الصواريخ على الكريوت (كتلة تجمعات سكانية تقع شمال شرقي حيفا – المحرر) كان خطوة مهددة بصورة كافية من أجل ردع إسرائيل عن الاستمرار في التصعيد، واتضح له خطأ هذه الحركة اليوم (أمس).
كما كتب: “مع كل تصعيد، إسرائيل تصعّد أكثر، وتنشئ معضلة أمام “حزب الله”. وإذا استعمل الحزب الصواريخ الدقيقة لديه، فسيقود لبنان إلى حرب شاملة ودمار، وسيتم التعامل مع نصر الله على أنه المسؤول عن ذلك. سيكون على “حزب الله” ومحور المقاومة أن يفكروا مرة أُخرى في استراتيجيا وحدة الساحات الخاصة بهم، وستكون غير صالحة في حال استطاعت إسرائيل التصعيد أكثر في كل مرة”.
يبدو أن إسرائيل غير مستعجلة حتى الآن لحملة عسكرية في جنوب لبنان، ولم يتم إعلان تجنيد واسع للاحتياط بعد. والجهود الهجومية جوية أساساً؛ فالقوات البرية تقوم بمهمات دفاع إلى جانب الدفاع الجوي، وهذا طبعاً يمكن أن يتغير مستقبلاً.
إن الصمت الأميركي حتى الآن مثير للاهتمام، ويصل إلى حد اللامبالاة. فمساء أول من أمس أعلن البنتاغون إرسال قوات إضافية إلى الشرق الأوسط بسبب التصعيد مع لبنان، لكن من غير المفهوم لماذا لا تحاول إدارة بايدن طرح مبادرة دبلوماسية عاجلة وأفضل، في الوقت الذي تقف فيه المنطقة برمتها أمام خطر الانفجار.
يبدو أن الولايات المتحدة تقول لنفسها إنه طالما لم تدخل إسرائيل برياً، فلا يزال من الممكن السيطرة على مجريات الأمور، وهذا خطأ؛ فالدماء كثيرة جداً إلى درجة أنه سيكون من الصعب جداً السيطرة على حجم النيران، حتى لو لم يدخل الجيش الأراضي اللبنانية.
بصورة استثنائية هناك إجماع في القيادة السياسية والأمنية الإسرائيلية. حتى قبل أسبوعين، كان رئيس الحكومة يدير نقاشات حادة مع غالانت وقيادة الجيش بشأن سلّم الأولويات بين غزة ولبنان. وعندما أراد غالانت وقيادات الجيش إنهاء الحرب في القطاع والذهاب إلى وقف إطلاق نار، رفض نتنياهو هذا الأمر، كما رفض اقتراحهم بتركيز القتال في لبنان، وعندما غير رأيه، قام بتغيير حاد (وسار الناطقون باسمه معه).
لقد نُسي محور فيلادلفيا، وهو أساس وجودنا (حتى لو لم تخرج القوات منه)، والآن، أراد نتنياهو تصعيداً كبيراً في مقابل “حزب الله”، وتحفّظ كل من غالانت ورئيس هيئة الأركان، هرتسي هليفي، لكنهما في نهاية المطاف اقتنعا بالسير معه.
والآن، ثلاثتهم مستعدون للمخاطرة بحرب شاملة، بعد الخطوات الهجومية التي قامت بها إسرائيل.
إن الاتفاق في الرأي في القيادة أمر مشروع، لكن الخطِر هنا هو حالة العنجهية، حتى النشوة التي تسيطر على المستوى السياسي الكبير. وبصورة مقلقة هناك الوضع نفسه في الجيش، وكأن “مذبحة” 7 تشرين الأول، والمفاجأة التي خلفتها لم تحدث أبداً؛ فنتنياهو يستمع إلى دائرة صغيرة من المستشارين، وإلى مسؤولين سابقين في الجيش لديهم آراء هجومية، وهذه المجموعة تعتقد أنه عبر استعمال القوة أكثر يمكن فرض النظام على “حزب الله”.
من الأفضل الامتناع عن التفكير في أن سلسلة النجاحات غير المسبوقة التي جمعها الجيش ومجتمع الاستخبارات الإسرائيلي في الهجوم يمكن تحقيقها في مجال الدفاع بالضرورة.
إن الحرب ليست لعبة كرة قدم، ولا توجد انتصارات صفرية. و”حزب الله” يوجد اليوم في موقع متراجع، لكن كما كتبت هنا قبل فترة طويلة؛ من الأفضل عدم الاستخفاف بقدرته على ضرب الجبهة الداخلية الإسرائيلية، حتى في نقاط مؤلمة، وأيضاً في مناطق لم نتجهز لها مسبقاً، وهذه الأقوال صالحة أيضاً بشأن قرار القيام بمناورة برية داخل جنوب لبنان، إذا تم اتخاذه.
عن “هآرتس”
