الرئيسية زوايا أقلام واراء الانفكاك المالي أصبح مطلباً .. بقلم :احسان نصر

الانفكاك المالي أصبح مطلباً .. بقلم :احسان نصر

 

تتسارع وتيرة الاحداث بشكل مطرد في فلسطين بشكل خاص وفي منطقتنا العربية والعالم بشكل عام ، ونشهد اضطرابات سياسية واقتصادية لم نشهد لها مثيل ، ففي فلسطين وخلال الأسبوعين الماضيين شهدنا تقلبات سياسية واقتصادية اقل ما يقال عنها أنها حرب من نوع مختلف، فهذه المرة الحرب لم تكن بتوجيه السلاح والتكنولوجيا العسكرية المتطورة ضدنا فقط،  بل كانت بالتلويح بأسلحة اقتصادية ذات تأثير بعيد المدى وأكثر عمقاً ، تارة بقطع العلاقة الاقتصادية بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية وتارةً برفض تسلم عملة الشيكل وتارةً أخرى بفرض عقوبات واقتطاعات من أموالنا الفلسطينية لغايات لا مبرر لها وتتنافى مع القانون ومع جملة الاتفاقيات والتفاهمات الموقعة والتي رعتها دول كبرى ومنظمات دولية وكفلتها المواثيق والمعاهدات الدولية والتي أقل ما نسميها بها، أنها قرصنة بكل ما للكلمة من معنى ، والسؤال المطروح اليوم واكثر من أي وقت مضى ماذا نحن فاعلون وما هي خططنا البديلة وموقفنا من كل ذلك في ظل غياب وصمت دولي وتحديداً من دول ومؤسسات كانت ضامناً لهذه الاتفاقيات.

هل نكتفي بالندب والانتظار للعقوبة والخطوة التالية لتضاف إلى سجل هذه الحكومة التي تتفنن في إيقاع الأذى والضرر بقضيتنا وسيادتنا ومستقبلنا وفي ركن من اركان دولتنا وعمودها الفقري وهو اقتصادنا الذي يعد رمزاً أساسيا ومفصلياً للسيادة وتجسيد الدولة .

اليوم وفي ظل جملة التحديات، علينا أن نبدأ من الامس وليس اليوم لنعد العدة ونخط الخطة ونرسم طريقاً للانفكاك والتحرر من غطرسة المحتل فهو بالتأكيد لا يحب أن يرانا متحررين لا سياسياً ولا اقتصادياً لتبقى العصا بيده يلوح بها متى يشاء ، وهنا تأتي أهمية أن نعيش واقعنا واقتصادنا كما نريده وليس كما يراد لنا وأن نرسمه نحن، لا أن يرسمه غيرنا لنا ، والسؤال الأهم  اليوم كيف ومن أين ومتى سنبدأ ؟

ولتكتمل الصورة ونجيب عن ما يسأل ، هل كنا سنبقى إلى ما شاء الله على ما نحن فيه ، وهل سيبقى اقتصادناً تابعاً لاقتصاد المحتل ولم يخطر ببالنا يوما أن نستقل باقتصادنا كما نستقل سياسياً ونجسد الاقتصاد في دولتنا المستقلة كاملة السيادة على الأرض والموارد.  وتتعالى اليوم الأصوات والهمة عالية في البدء الفوري في إجراءات الانفكاك المالي والاقتصادي من خلال تبني سياسات اقتصادية ومالية تساعد الاقتصاد والمال الوطني ليعزز دوره ، وعلى مدى الحكومات الفلسطينية المتعاقبة كنا نشهد قراراً تلو قرار بتشكيل لجان بضرورة الانفكاك المالي عن الاحتلال لكن جلها افتقرت للخطط العملية والإجراءات على الأرض لنصل بالمحصلة إلى تبخر الجهود دون التوصل لهذه الغاية ، ولكن الحكمة تقول أن تأتي متأخرا افضل  من أن لا تأتي ، واليوم يمكن لنا القيام بالكثير  ليكون منطلقاً  لبدء الانفكاك  عبر عدد من الإجراءات أولها : اطلاق عملة فلسطينية ربما يحتاج إلى وقت ليس بالمدى القريب،  ولكن نستعيض عنه بالبدء بالاستغناء عن الشيكل لصالح عملات أخرى كالدينار أو الجنيه المصري وتحويل جميع الرسوم سواء بالمحاكم والتراخيص والرسوم الحكومية بعملة الدينار أو  أي عملة أخرى غير الشيكل، وسيكون هذا بمثابة تدرج لبدء الاستغناء عن الشيكل ويضعف الاقبال على اقتناءه ، ثانياً:  ضرورة البدء الفوري ومواكبة العالم في اقتناء العملات الرقمية اليوم  هي المستقبل وحتماً ستندثر العملات الورقية عاجلاً أم اجلاً لأننا اصبحنا نعيش في عصر التكنولوجيا والسرعة ، وثالثاً: ولأننا دولة لا زالت تحت احتلال وليست مرسمة بحدود ولكن لنا سلطة وقوة ضابطة جمركية تقوم بمهامها داخل  مدننا وقرانا نستطيع ضبط السلع و المنتجات وفرض الرسوم والتعرفة عليها بما يخدم الاقتصاد وبمنع التهرب الضريبي وهذا أيضا يساعد بمسار الانفكاك والتحلل.

ورابعاً ضرورة تعزيز المنتج المحلي ليضاهي المنتجات الأخرى ويكون خيارنا الأول لندفع بعجلة الصناعة إلى الأمام بما يعزز المنتج ويفتح افاق وسوق العمل ويستوعب أيدي عاملة فلسطينية ليكون مدخلاً اخراً للمضي بالانفكاك ، وخامساً أرى من الضروري أن تقوم الحكومة الفلسطينية بواجباتها ودورها في تبني سياسات وخطط وإصدار قوانين ووضع اليات لضبط السوق وتشجيع الاستثمار واعفاءات ضريبية تسهم في دفع عجلة البناء والاقتصاد. وسادساً اصبحنا فعلاً بحاجة إلى تبني الاقتصاد الأخضر والقائم على استثمار مصادر الطاقة المتجددة وتوليد الكهرباء من الطاقة البديلة وتخفيف الاعتماد على “إسرائيل” في استيراد الكهرباء والماء والمحروقات والتي تشكل النسبة والرقم الأعلى في الفاتورة العامة مقارنة مع مصاريف أخرى ندفعها وهناك العديد العديد من مجالات وخطوات يمكن لنا القيام بها تهدف بشكل عام للانفكاك التدريجي عن اقتصاد الاحتلال وضرورة إعادة النظر في عدد من الاتفاقيات والبروتوكولات التي تلزمنا وأصبحت مسلطة على رقبة اقتصادنا ولا تدع مجالا للتعافي ، والاستعاضة عنها بتوقيع اتفاقيات مع دول الجوار كالأردن ومصر وتوسيع التجارة من خلال تسهيل حركة النقل التجاري وتفعيل اتفاقيات التجارة الموقعة  والاستفادة من الإعفاءات الجمركية التي يمكن أن تسهم في تعزيز مصادرنا المالية.

واليوم جاء الوقت لنعلي صوتنا بأننا لا نقبل بالواقع أن يستمر لأنه يعني تأجيلا لتحررنا وسيادتنا الكاملة.

والجواب الشافي والكافي أننا وبعد حصولنا على الاعتراف بالأمم المتحدة وانتقالنا من صفة مراقب لصفة دولة سيمنحنا صلاحيات لم تكن موجودة من قبل ويمكن من خلال الانضمام إلى المؤسسات والمنظمات الدولية وتقديم مشاريع قرارات وتقديم شكاوي بالمحاكم الدولية يمكن أن نوظفها لننطلق في مسار الانفكاك المالي والاقتصادي . ونعد الخطط للبدء الفعلي ، وأن نملك بين أيدينا اوراق ونقاط قوة كثيرة لا اجد متسعا من الوقت لذكرها  .

والواقع اليوم وما نعيشه يحتم علينا رسمياً وشعبياً وأحزاب ومؤسسات أن ننطلق نحو السيادة والدولة، والبدء التدريجي بإجراءات الانفكاك وتبني سياسات وخطط تعزز اقتصادنا وتعطينا املاً بأننا نستطيع المضي قدما بالانفكاك ، فلا هذا المتطرف ولا ذاك  له الحق بسلب حقوقنا المشروعة وحقنا بتقرير مصيرنا  بإقامة دولتنا المستقلة.

 

Exit mobile version