بقلم: عاموس هرئيل/ يشن الجيش الإسرائيلي هجوماً هناك، على أمل أن يدفع هذا الضغط يحيى السنوار إلى العودة إلى المفاوضات بشأن صفقة الأسرى.
أمّا في الواقع، فلا يوجد أيّ تقدّم في المفاوضات. والأسرى الذين تُركوا لمصيرهم في 7 تشرين الأول يتم التخلي عنهم مرة أُخرى في هذه الأشهر، والحكومة غير مبالية.
في الذكرى السنوية لـ”المجزرة”، يستعد الجيش الإسرائيلي و”الشاباك” لمحاولات تسلّل إلى منطقة “غلاف غزة” وهناك جهود لاختطاف جنود داخل القطاع. أمّا “الهجوم الدموي” في بئر السبع، قبل أيام، فيوفر إشارة إضافية مقلقة. إن قوة “الإرهاب” القادمة من الضفة الغربية هي الأخطر منذ الانتفاضة الثانية (إذ قام اثنان من ناشطي “حماس” من الخليل، الأسبوع الماضي، بقتل سبعة مدنيين في هجوم إطلاق نار في يافا).
لقد ألحق يحيى السنوار أضراراً أكبر بالإسرائيليين؛ سواء من ناحية انعدام الثقة الواضح الذي نشأ بقدرة السلطات الحكومية على مساعدتهم (كما يتجلى أيضاً في التعامل الفاشل مع المهجّرين) أو في تأقلُمنا مع تدهور معايير القتال لدى الجيش الإسرائيلي، على خلفية فظائع “المجزرة” والحرب المستمرة في غزة.
دون أدنى وازع من المسؤولية
نشرت صحيفة “واشنطن بوست”، قبل أيام، تحقيقاً شاملاً بشأن الهجوم على أجهزة الاستدعاء وأجهزة الاتصال في لبنان، في 17 و18 أيلول. ووفقاً للصحيفة، كانت هذه العملية جزءاً من عملية لـ “الموساد” استمرت ما يقرب من عقد من الزمن. وتسارع تنفيذها بعد أن قرر “حزب الله” إرسال بعض الأجهزة إلى إيران لكي يتم فحصها، وهو ما أثار المخاوف من انكشاف هذا المورد الاستخباراتي وضياعه، إذا لم يُستغل بسرعة.
إذا كانت رواية الصحيفة صحيحة، فإن الطريقة التي عُرضت فيها الأمور على الجمهور في البلد، كأن هناك قراراً مدروساً بشأن تغيير الأولويات الاستراتيجية والتركيز على الساحة اللبنانية، بدلاً من غزة، بعيدة عن الدقة. فتفجير أجهزة الاستدعاء كان ضرورياً، وكذلك تفجير أجهزة الاتصال، التي كان من المحتمل أن تُكشف بعد الموجة الأولى من التفجيرات (لم تعترف إسرائيل بمسؤوليتها عن العمليتين). أمّا الأمين العام لـ”حزب الله”، حسن نصر الله، فقد لاقى صعوبة في تنسيق التحركات دون شبكات اتصالات آمنة، وعقد اجتماعاً مع كبار قادة حزبه. هذا الاجتماع كشفته الاستخبارات الإسرائيلية، وهو ما سمح بتنفيذ عملية الاغتيال في 27 أيلول.
وبكلمات أُخرى، كان تسلسُل الأحداث هنا ظرفياً إلى حد كبير، وكانت نتيجته التصعيد، وصولاً إلى إطلاق صواريخ من “حزب الله” على حيفا ومنطقة تل أبيب الكبرى (والتي فشلت في معظمها)، والدخول البري للجيش الإسرائيلي إلى الجنوب اللبناني. النتيجة هي أن إسرائيل تدخل في “حرب عادلة وصحيحة” في الشمال، لكن دون رؤية استراتيجية واضحة، ودون أن تبذل جهداً لتحديد صورتها السياسية النهائية.
وكما هي حال السنوار في غزة، فإن نصر الله هو المسؤول الرئيس عن الوضع الصعب الذي وصل إليه لبنان.
المنظومة التهديدية التي بناها ضد إسرائيل تعرضت لأضرار كبيرة، بينما ترك المواطنين اللبنانيين دون حماية في وجه الضربات الإسرائيلية، التي تُخلّف دماراً أوسع كثيراً مما تسبب به انفجار مرفأ بيروت في سنة 2020.
إن قرار نصر الله بشأن الانضمام إلى هجوم “حماس” من خلال إطلاق صواريخ وقذائف مضادة للدبابات في اتجاه الجليل، أدى في النهاية إلى تصعيد، خسر فيه حياته.
وبالتدريج، تورطت إيران والولايات المتحدة في هذا الصراع الذي انزلق إلى حرب إقليمية، على الرغم من أنها تُدار على فترات، وبشدة محدودة.
ردت إيران بإطلاق صواريخ على إسرائيل بعد اغتيال نصر الله، ووفقاً لتقارير أجنبية تم استهداف القيادي في “حماس”، إسماعيل هنية، وقبله الجنرال الإيراني حسن مهدوي من جانب إسرائيل. ووجدت الولايات المتحدة نفسها ترسل قوات مهمات ضخمة في الجو والبحر لحماية إسرائيل. ومؤخراً فقط، بدأت وزارة الدفاع الأميركية تشك متأخرة فيما كان واضحاً لدول المنطقة: لقد اعتقد الأميركيون أنهم يحدّون من تحركات إسرائيل من خلال إرسال قواتهم، لكنهم في الواقع قدموا دعماً غير مباشر لنتنياهو، وهو ما سمح له بالمخاطرة أكثر. وبعد الصواريخ التي أطلقتها طهران، الأسبوع الماضي، توجّه نتنياهو فعلاً إلى الشعب الإيراني، داعياً إلى إسقاط النظام، بينما هدد صحافيون مقربون منه بضرب المواقع النووية وصناعة النفط، التي تعتمد عليها اقتصادات النظام المتعثرة.
أمّا اقتصاد إسرائيل فليس في حالة أفضل كثيراً. فالتصنيف الائتماني يتراجع مراراً وتكراراً، والاقتصاديون في حالة ذعر، وحركة الطائرات إلى إسرائيل تقتصر الآن على شركات محلية.
في العلن، يبدي رئيس الوزراء ثقة بالنفس وغطرسة، مهدداً السنوار، والمرشد الأعلى الإيراني علي الخامنئي، وأمين عام “حزب الله”، أياً يكن اسمه، الأسبوع المقبل.
في الواقع، من المحتمل أن نتنياهو المخضرم والخبير يدرك أنه تورط في مشكلة أعمق كثيراً مما توقع في البداية.
هذا الرجل الذي، بمحاولته التهرب من المحاسبة، ورّط إسرائيل بأكبر أزمة دستورية وسياسية في تاريخها، وقاد حملة تحريض سامة ضد جنود الاحتياط الذين تجرؤوا على الاحتجاج، وتجاهل مراراً تحذيرات كبار الضباط العسكريين بشأن الضرر الخطِر الذي يلحق بجاهزية الجيش الإسرائيلي، قد زرع الريح، فجنى العاصفة.
لقد أخفقت الاستخبارات تماماً في فهم دلالة استعدادات “حماس” للهجوم، لكنها كانت قادرة على التعرف جيداً على تفسير إيران و”حزب الله” و”حماس” للانقسام الداخلي في إسرائيل. تجاهل نتنياهو ذلك، وظهر في صورة مع زوجته في الصيف الماضي، وهو يرتدي نظارات وردية، داعياً المواطنين إلى الاستمتاع بالحياة تحت قيادته.
ما زال نتنياهو يزيد الطين بلة برفضه المستمر تحمّل أدنى حد من المسؤولية منذ عام.
لا يمكن التقليل من مسؤولية كبار مسؤولي الأمن: رئيس هيئة الأركان، هرتسي هليفي، ورئيس “الشاباك”، رونين بار، ووزير الدفاع، يوآف غالانت (الذي حصل بطريقة ما على عفو شامل من وسائل الإعلام بسبب خصومته مع نتنياهو)، وقادة الجيش الإسرائيلي. الحقيقة هي أن المستويات المهنية قللت من خطورة التهديد الذي شكّلته “حماس”، ثم فشلت بشكل مأساوي في تفسير إشارات الاستخبارات التي وردت من القطاع في ليلة 6 – 7 تشرين الأول (وغالانت، مثل نتنياهو، لم يكن شريكاً في المشاورات؛ وهذا أيضاً جزء من فشل مَن يقوده هذان الاثنان).
هناك مبررات وجيهة لبقاء بعض الأشخاص في مناصبهم، نظراً إلى توسُّع الحملة لتشمل لبنان وإيران، ونيّة نتنياهو تعيين حلفائه بدلاً منهم. ومع ذلك، لا يمكننا سوى أن نتساءل: كيف أن الحرب لم تنتهِ بعد مرور عام، وكيف ما زال أكثر من ثلث الأسرى يعاني في داخل الأنفاق، في حين ما زال معظم المسؤولين عن هذا الإخفاق في مواقعهم؟ وربما كان الأمر الأكثر إدهاشاً يتمثل في اللامبالاة العامة. فالمواطنون لم يتعودوا على الأمر فحسب، بل إن بعضهم اقتنع بحملة الحكومة التي توحي بأن الأمور تسير على ما يرام.
هذا الوضع الخطِر قد يقود إسرائيل إلى مزيد من الإخفاقات.
عن “هآرتس”
